بقايا الطبقة الوسطى السورية تسقط في هوّة الفقر

سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)
سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)
TT

بقايا الطبقة الوسطى السورية تسقط في هوّة الفقر

سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)
سيدتان تعدّان أوراقاً نقدية في المصرف السوري المركزي في 13 يناير 2012 (أ.ب)

كانت مروة، وهي أم معيلة في الأربعينات من عمرها، مستيقظة في وقت متأخر من الليل، في شقتها التي تستأجرها في جرمانا. وكانت معتادة على متابعة الإخطارات الواردة على هاتفها المحمول من تطبيق «سوريا للتجارة»، وهي مؤسسة مملوكة للحكومة، تبيع سلعاً بأسعار مدعومة، لتعرف موعد تسلمها البضائع الخاصة بها.
كانت مروة قد تمكنت من شراء 4 كلغ من الأرز و3 كلغ من السكر، بأسعار مدعومة من أجل أسرتها، لتوفر بذلك نحو 3 دولارات تقريباً، مقارنةً بأسعار السوق. لكنّ تطبيق الهاتف لم يعد يبعث لها إخطارات كالمعتاد. قالت في نفسها: «في الشهرين الماضيين، لم أتلقَّ الرسالة في الوقت المناسب، أما هذا الشهر فقد حالفني الحظ».
تقضي مروة ساعات عدة كل يوم في طوابير طويلة لشراء الخبز المدعوم، لتعود بعدها إلى منزلها وتجلس في الظلام والبرد بسبب انقطاع الكهرباء والارتفاع الشديد في أسعار وقود التدفئة. واضطرت منذ وقت قريب إلى بيع الهاتف المحمول الخاص بابنتها كي تتمكن من سداد نفقات طبية.
مروة، وهي موظفة سابقة في الحكومة، فقدت شقيقها وابنتها في هجمات «داعش» وهجمات أخرى شنتها قوات النظام. وتبدو قصتها شبيهة بقصص كثير من أبناء الطبقة الوسطى الآخذة في التلاشي داخل سوريا، والتي سقطت اليوم في هوة الفقر.
قبل عام 2011، كانت سوريا بين الدول منخفضة الدخل، وبلغ إجمالي الناتج المحلي بالنسبة للفرد عام 2010 ما يقدر بـ2806 دولارات، تبعاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. وكان هذا المستوى معادلاً لنظيره في سريلانكا، ويقل قليلاً فقط عما هو عليه في المغرب ومصر. اليوم، يعيش قرابة 90% من المقيمين داخل سوريا تحت خط الفقر، في وقت تتفشى مشكلة الجوع يوماً بعد آخر.
منذ عشر سنوات، لم تكن غالبية السوريين من الأثرياء، لكن البلاد اتسمت بوجود طبقة وسطى واسعة، تتمتع بمستوى معيشة مريح نسبياً. ومع هذا، تسببت إجراءات تحرير الاقتصاد، التي بدأت في تسعينات القرن الماضي، في اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء. وتراجعت الخدمات، وكذلك الدعم الذي تقدمه الدولة لأسعار المواد الأساسية، لا سيما أسعار الوقود، كما تقلصت أموال الدعم الموجهة للمزارعين، الذين شكّلوا في وقت مضى فئة موالية للنظام يمكن الوثوق بها، أو على الأقل أكثر فئات المجتمع هدوءاً.
وباشتعال الانتفاضات العربية، أواخر عام 2010، ساد شعور في أوساط قطاعات كبيرة من الطبقة الدنيا، التي كانت تقيم في المناطق الريفية وداخل الأزقة على أطراف المدن الكبرى، بأنه ليس هناك ما يمكن خسارته، وثارت هي الأخرى.
ومع ذلك، ظلت الطبقة الوسطى الحضرية السورية، وكذلك الأقليات الدينية، هادئة في معظمها، أو داعمة للنظام.
اليوم، تشعر هذه القطاعات من المجتمع بأن العقد الاجتماعي المسكوت عنه بينها وبين النظام، والذي بمقتضاه تبقى هذه القطاعات على هدوئها، مقابل الحصول على خدمات ووظائف من الدولة، قد جرى خرقه.
شفيق، المقيم في ريف اللاذقية، والذي تم تسريحه من الجيش منذ عام، قال لـ«الشرق الأوسط»: «خدمت في الجيش لثماني سنوات في ظروف يسودها الإذلال والمهانة والظلم. اليوم، لا عمل لديّ ولا مستقبل. أضعت تلك السنوات مقابل لا شيء، وليس بإمكاني تحقيق أي شيء لنفسي».

مكابدة يومية للنجاة من الجوع والبرد... والظلام
يواجه السوريون أزمات عدة، تتسبب كل واحدة منها في تفاقم الأخرى، ما أدى إلى تحويل الحياة إلى صراع متواصل لتأمين الضرورات الأساسية للعيش، للبقاء بمنأى عن الجوع والبرد. وجاء التأثير الأكبر للعقوبات المفروضة ضد النظام، متمثلاً في انخفاض إمدادات المنتجات النفطية من إيران، في أعقاب تشديد العقوبات الأميركية ضد النظام الإيراني والشبكات التي تتولى على نحو غير قانوني توفير النفط منذ أواخر عام 2018. وأسفر نقص الوقود والغاز الطبيعي عن تداعيات واسعة النطاق على مختلف جوانب الاقتصاد السوري.
ويقضي السوريون، في مختلف أرجاء البلاد، الجزء الأكبر من أيامهم في الظلام، مع انقطاع الكهرباء على نطاق واسع، حتى داخل الأماكن التي يوليها النظام أولوية، مثل مدينة اللاذقية وريفها، أو الضواحي التي تقطنها الطبقات الغنية في دمشق، مثل ضواحي «المهاجرين» و«أبو رمانة» و«مشروع دمَّر».
من جهتها، أقرت الحكومة السورية سياسة تقنين الكهرباء. لكن، حتى خلال الساعات التي يفترض أن الكهرباء ستتوافر فيها، والتي يضع السوريون خططهم اليومية بناءً عليها، لشحن هواتفهم المحمولة وأجهزة تخزين الطاقة، غالباً ما يكون التيار الكهربائي متقطعاً فيها.
وعن هذا الأمر، قال وائل، المقيم في ضاحية جنوب دمشق: «عادةً، تتوافر الكهرباء لدينا لساعتين في اليوم. ومنذ وقت قريب، جاء محافظ ريف دمشق لزيارة المنطقة، لذلك كنسوا الشوارع قبل مجيئه، وأبقوا على الكهرباء لمدة ساعة ونصف الساعة. وبعد رحيله، انقطعت الكهرباء عن المنطقة من جديد».
من ناحية أخرى، فإن لتر المازوت قفزت تكلفته من 20 ليرات قبل عام 2011، إلى قرابة 1400 ليرة، اليوم، في السوق السوداء. ومن المفترض أن يتوافر المازوت الخاص بالتدفئة مقابل سعر مدعوم يبلغ 180 ليرة للتر، لكنه، في الواقع، غير متوافر بهذا السعر، في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، إلا لأفراد ينتمون لشبكات الفساد وأمراء الحرب.
ويحتاج كل منزل بين 60 و150 لتراً من الوقود، شهرياً، من أجل التدفئة في فصل الشتاء، حسب درجة الحرارة في الخارج، أي ما تبلغ تكلفته 84000 ليرة في أدنى تقدير، ما يعادل قرابة ضعف متوسط الراتب الشهري. ولهذا، يستحيل على غالبية السوريين تدفئة منازلهم، علماً بأن درجات الحرارة تنخفض إلى ما دون الصفر في المناطق المرتفعة من البلاد، مثل اللاذقية والجبال المحيطة بدمشق.
عن هذا الأمر، قالت جميلة، وهي جدة تبلغ 65 عاماً، وتعيش في منطقة جبلية قرب دمشق: «يجلس غالبية الناس تحت الأغطية، لكن من الصعب إبقاء الأطفال تحتها. لذلك، يمرض الأطفال باستمرار، ويتعين عليك حينها توفير الدواء لهم، وتوفير ملابس ثقيلة تجعلهم يشبهون دببة الباندا».
من ناحية أخرى، توقفت منظومة النقل العام داخل سوريا، في الجزء الأكبر منها. ونظراً لارتفاع أسعار المازوت في السوق السوداء، وانخفاض الأجرة التي يتقاضاها سائقو سيارات الأجرة الجماعية (السرفيس) من الركاب، يشعر هؤلاء السائقون أن من حقهم الحصول على المازوت بأسعار مدعومة، لكونهم يقودون سيارات أجرة تنتمي للمواصلات العامة، لكنهم يبيعون الوقود المدعوم الذي يتسلمونه، في السوق السوداء، ويبقون في منازلهم، بدلاً من الخروج بسياراتهم لتوصيل المواطنين إلى وجهاتهم.
ويعني هذا الأمر بدوره، اضطرار السوريين إلى الانتظار ساعات طويلة، في بداية ونهاية كل يوم عمل، من أجل إيجاد مقعد داخل وسيلة مواصلات. وإضافة إلى تأخرهم عن أعمالهم، ارتفعت أسعار المواصلات بدرجة هائلة، إلى حدٍ أجبر بعض الموظفين على التغيب عن أعمالهم لأيام عدة من الأسبوع.
ومن بين هؤلاء منى، المدرِّسة في ريف اللاذقية، والتي وصفت صعوبة هذا الوضع على المدرِّسين. وقالت: «بدلاً من الذهاب إلى العمل في جميع أيام الأسبوع، يذهب المعلمون للمدرسة مرة كل يومين، ويحرص الناظر على إبقاء سير جدول الحصص منتظماً. أما من يملكون واسطة، فقد توقفوا تماماً عن الذهاب إلى العمل، ومع ذلك فهم مستمرون في تلقي رواتبهم. أما من ليس لديهم واسطة، فيضطرون إلى الحضور إلى العمل، ما يجبرهم على إهدار كامل رواتبهم على المواصلات، فقط من أجل الحفاظ على وظيفة حكومية، لما تحمله من مميزات أخرى».
وأضافت منى: «بطبيعة الحال، يؤثر هذا الأمر على مستوى التعليم. وفي الواقع، الجيل القادم يتعرض للتدمير».
في الوقت ذاته، أصبح الآباء والأمهات يعتمدون على نحو متزايد على التعليم في المنزل، وعلى مدرسين خصوصيين، يُقدم كثيرون منهم على هذا العمل لضمان الحصول على راتبٍ ثانٍ.
تدهور تاريخي لسعرالليرة و{ارتفاع صاروخي} في الأسعار
فقدت العملة السورية ما يزيد على 98.5% من قيمتها على مدار السنوات العشر الماضية. وفي مطلع 2011، كان الدولار الأميركي الواحد يساوي 47 ليرة سورية. وبدأت العملة السورية تفقد قيمتها مع بداية الانتفاضة، ومع توقف مصادر العملة الصعبة، مثل السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والصادرات. وبدأ التراجع السريع في قيمة العملة في أعقاب الأزمة المصرفية اللبنانية عام 2019 والتي أدت إلى تجميد حسابات بالدولار في البنوك اللبنانية، مملوكة لسوريين من أبناء الطبقتين المتوسطة والعليا، وكذلك لشركات سورية. ووصل سعر الصرف أمس إلى اكثر من 4500 ليرة ليرة للدولار.
وتراجعت العملتان اللبنانية والسورية على نحو حاد لتصلا إلى أدنى مستوى لهما على الإطلاق. وبالنسبة إلى دولة تعتمد على نحو متزايد على الواردات، يعد هذا الانهيار في العملة كارثة. وكان من شأن سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام، وفقدان السيطرة على المناطق الغنية بالموارد، وفرار رجال الصناعة السوريين إلى خارج البلاد، ونهب المصانع من جميع أطراف الصراع، والعقوبات الغربية، أن تؤدي إلى تقليص القدرة الإنتاجية لسوريا.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن سوريا كانت قد حققت الاكتفاء الذاتي، أو كانت على وشك تحقيقه، في مجالات إنتاج الشعير والقمح والبيض والدواء والزيوت. أما اليوم، فإنها أصبحت مضطرة إلى استيراد معظم استهلاكها من هذه السلع الأساسية. وحتى القطاعات الإنتاجية التي تمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال سنوات الحرب، مثل القطاع الزراعي والدواجن ومصانع معينة، تضررت هي الأخرى بسبب اضطرارها إلى شراء مواد أساسية، مثل الديزل وعلف الماشية والبذور والأسمدة، بأسعار مرتبطة بسعر صرف الدولار.
ونتيجة انهيار العملة، شهدت أسعار السلع الأساسية ارتفاعاً صاروخياً. وتبعاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإنه خلال الفترة بين ديسمبر (كانون الأول) 2019 وديسمبر 2020 ارتفعت أسعار السلة الأساسية من السلع بنسبة 236%. وبحلول نهاية عام 2020، وقبل حدوث ارتفاعات أخرى في الأسعار، قدرت الأمم المتحدة أن 60% من السوريين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ما يعني أنهم لا يعلمون ما إذا كانوا سيتمكنون من تأمين الوجبة التالية.
وتحفل شبكة «فيسبوك» بصفحات أنشأتها مجموعات من المقيمين داخل مناطق يسيطر عليها النظام، تحوي الكثير من المنشورات التي تتضمن نصائح بخصوص أرخص الوجبات التي يمكن طهوها. وغالباً ما تدور النصائح حول البرغل والأرز والبطاطا المطهوة (وليست المقلية، نظراً لارتفاع أسعار الزيت) والمعكرونة. وفي مطلع عام 2020، كان كثيرون لا يزالون يقترحون وجبة «جظ مظ» (الشكشوكة السورية)، لكن البيض آنذاك كان أرخص مصدر للبروتين. أما اليوم، فقد ارتفع سعره على نحو هائل، ما اضطر السوريين إلى تناسيه، كما تناسوا اللحم والفاكهة ومنتجات الألبان، بل حتى الخضراوات، وأصبحوا يعتمدون على نحو متزايد على نظام غذائي غير صحي، قوامه الكربوهيدرات.
وتشير محادثات مع مقيمين عبر المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، إلى أن الجوع أصبح أكثر تفشياً بكثير، مع بدء ظهور نقصٍ في الخبز المدعوم في فبراير (شباط) 2020، وأصبح أشد حدة في أغسطس (آب) 2020، ونتيجة سيطرة قوى أخرى، غير قوات النظام، على المناطق المنتجة للقمح داخل سوريا، إضافة إلى ارتفاع أسعار القمح الذي يبيعه المزارعون للسلطات المحلية في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام، لم يتمكن النظام من شراء سوى أقل من 20% من المحصول السوري لعام 2020.
وبسبب الأزمة المصرفية اللبنانية، وتراجع احتياطات العملات الأجنبية لدى النظام، وارتفاع أسعار القمح عالمياً، واجهت الحكومة السورية صعوبة في إنجاز صفقات لاستيراد القمح.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الخبز لطالما شكل عنصراً رئيسياً في النظام الغذائي في منطقة الهلال الخصيب، لكن الفقر المتفاقم الذي عاناه السوريون على مدار سنوات الحرب دفعهم نحو الاعتماد على الخبز بدرجة أكبر. وقبل اشتعال الانتفاضة، بلغ السعر الرسمي للخبز المدعوم 15 ليرة مقابل 8 أرغفة، لكن أزمات نقص القمح والوقود والفساد الحكومي، تسببت في ظهور سوق سوداء، حيث يجري بيع الخبز ذاته، والذي أصبح اليوم يتسم بجودة أقل، مقابل ما يتراوح بين 3 و12 ضعف السعر الرسمي، حسب المنطقة.
ودفعت الزيادة الحادة في أسعار المنتجات الغذائية الأساسية السكان إلى الاعتماد بشكل متزايد على السلع المدعومة، التي يجري بيعها تبعاً لأسعار محددة عبر منافذ تتبع مؤسسة «سوريا للتجارة» الحكومية. ووجد سكان المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، الذين سبق أن وصفوا السكر والأرز اللذين يجري بيعهما في هذه المنافذ بأنهما لا يصلحان للأكل، وانتقدوا أولئك الذين يتكدسون في صفوف أمام هذه المنافذ، بسبب عدم التزامهم بالتدابير الاحترازية ضد فيروس «كوفيد - 19»، وجدوا أنفسهم مضطرين للتزاحم في الصفوف نفسها بعد أشهر قليلة فقط.
أما النظام، فقد قلص من جانبه كميات السلع المدعومة، إلى درجة أنها لم تعد كافية لتغطية ولو نسبة ضئيلة من احتياجات الأسر السورية، مع حصول أسر على ما لا يزيد على 3 كيلوغرامات من الأرز، و4 كيلوغرامات من السكر في الشهر، وذك للأسر الأكثر عدداً. كما زادت الحكومة أيضاً أسعار السلع المدعومة، ولا تزال عاجزة على نحو متزايد عن توزيع حتى هذه الكميات الصغيرة على السكان.
انكماش الرواتب الهزيلة... واتساع الانتقادات للنظام
قبل عام 2011، ورغم تفاقم الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء، ضمّت سوريا طبقة وسطى ضخمة، تتألف في معظمها من موظفين حكوميين، وذلك في إطار ميثاق اجتماعي ظهر عبر أرجاء المنطقة، يقضي بأن توفر الأنظمة الوظائف داخل هيكل خدمة مدنية منتفخ، مقابل الحصول على هدوء سياسي. في ذلك الوقت، بلغ متوسط راتب الموظف الحكومي 20000 ليرة سورية، أي نحو 400 دولار تقريباً. ورغم الزيادات المتكررة للرواتب، فإنها عجزت عن مضاهاة التضخم، وأصبحت قيمة متوسط الرواتب حالياً، البالغ 55000 ليرة سورية، لا تزيد على 15 دولاراً في مارس (آذار) 2021.
وبالنظر إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لا يكفي هذا الراتب لتوفير احتياجات ثلاثة أيام من السلع الأساسية لأسرة متوسطة تتكون من خمسة أفراد. وعليه، ليس من المثير للدهشة أن يحاول موظفو الحكومة السورية زيادة مداخيلهم بالحصول على وظائف إضافية.
ومع ذلك، ورغم الرواتب الهزيلة، لا يزال التوظيف في الدولة نعمة يقاتل من أجلها كثيرون، وذلك بسبب عدم توافر البدائل، إلا فيما ندر، إلى جانب الشعور بالاستقرار الذي توفره هذه الوظائف، وما تحمله من ميزات مادية إضافية، قانونية وغير قانونية، مثل الرشى، وكذلك القروض المصرفية بأسعار فائدة منخفضة.
ونظراً للتنافس الشديد على الوظائف الحكومية، فإنه لا ينالها سوى أصحاب المستوى الأعلى من الواسطة، ومن ينظر إليهم بوصفهم مخلصين للنظام.
رسمياً، تولي الحكومة معاملة تفضيلية لأقارب الدرجة الأولى للجنود القتلى، وكذلك الجنود الذين أنجزوا فترة التجنيد التي عادةً ما تمتد لثماني سنوات. لكن، حتى داخل صفوف من يحظون بمثل هذه المعاملة المميزة، تبقى معدلات البطالة عالية.
تجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن 28000 جندي جرى تعيينهم في القطاع العام في الفترة الأخيرة، ممن جرى تسريحهم من الجيش منذ أكثر من عام.
- «مناطق التسويات» المهملة
يعاني سكان المناطق التي كانت خاضعة في السابق للمعارضة، والتي تمكن النظام وحلفاؤه من إعادة السيطرة على الجزء الأكبر منها عام 2018، من ظروف معيشية شديدة القساوة. كانت هذه المناطق، مثل الغوطة الشرقية والغربية قرب دمشق، والقلمون، وريف حمص الشمالي، قد خاضت سنوات من الحصار والتفجيرات والقصف، أنهكت أجساد سكانها، ودمرت كثيراً من البنى التحتية والمنازل فيها.
كذلك عانت درعا، ومدينة حلب الشرقية، ومدينة حمص الغربية، من أضرار واسعة جراء سنوات من القصف.
واليوم، يمتنع النظام الذي يعاني من الإفلاس وتملأه الرغبة في الانتقام، عن إعادة بناء هذه المناطق، وكذلك الحال مع الوكالات التابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية غير حكومية، والتي يبدو أن أولوياتها تتبع إرشادات النظام.
يُذكر أن سكان المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة من قبل، والذين ظلوا في هذه المناطق، بدلاً من الفرار للعيش تحت سيطرة النظام، غالباً ما كان يجري فصلهم من وظائفهم الحكومية ولا يعودون إليها. وبسبب المظاهرات الضخمة التي اشتعلت في هذه المناطق، والضربات الجوية التي لم تتوقف، تعرض كثير من رجال هذه المناطق للاعتقال أو القتل أو التهجير القسري، مخلّفين وراءهم أسراً دون معيل.
عن ذلك، قال منير، المقيم في مدينة دوما بالقرب من دمشق، والتي تعرضت لخمس سنوات من الحصار الخانق من جانب نظام الأسد، إن الجوع يبدو ظاهراً بين سكان المدينة. وأضاف: «وصلت القدرة الشرائية لسكان دوما إلى مستوى شديد الضآلة. ويتكون كثير من الأسر من يتامى وأرامل فحسب. وتبدو آثار الفقر واضحة على الناس والشوارع. أما المتاجر، فمعظمها خاوية، ولا يستطيع سوى قليل من الأفراد شراء الحلوى أو الأطعمة الجاهزة. في المقابل، تعتمد الغالبية على الاستدانة، وبيع ممتلكات من منازلها، وعلى المساعدات الإنسانية، لكن كل هذا لا يكاد يكفي».
من ناحية أخرى، من الواضح أن نظام المساعدات الذي تقوده الأمم المتحدة، والموجود حالياً في دمشق، غير مجهّز للحيلولة دون حدوث مشكلة جوع على نطاق واسع. وقد وثّق باحثون وصحافيون ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، قيام النظام بتحويل المساعدات إلى من يعدهم موالين له، بما في ذلك أعضاء ميليشيات، وحرمان أولئك الذين يعدهم النظام غير موالين.
ولا يزال هذا النمط مستمراً حتى اليوم، ذلك أن المناطق والمدن والأقاليم التي تعد موالية للنظام أو مقرّبة من مسؤولين في النظام، مرشحة أكثر من غيرها للحصول على مساعدات والاستفادة من مشروعات تديرها الأمم المتحدة أو منظمات دولية غير حكومية، تتخذ من دمشق مقراً لها.
واعترف موظفون في منظمات غير حكومية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بأنه لا يُسمح لهم باتخاذ قرارات نهائية بخصوص اختيار المستفيدين، وليس بإمكانهم منع مسؤولي الاستخبارات السورية أو مسؤولين محليين أو أعضاء في «حزب البعث» من استبعاد من يرونهم غير موالين للنظام، من قوائم المستفيدين من المساعدات، أو إضافة قوائم بأسماء مقربين منهم. وبالنظر إلى أن الغالبية الكاسحة من الشعب السوري تعيش اليوم تحت خط الفقر، فمن المنطقي ألا تكون الأمم المتحدة قادرة على تلبية احتياجاتهم جميعاً.
وبدلاً من تقديم المساعدة إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها، والذين يعيش كثيرون منهم في مناطق كانت تخضع من قبل لسيطرة المعارضة، غالباً ما تكون المعايير الأساسية لتوزيع المساعدات ذات طابع سياسي. ويتوافد أفراد في سيارات فارهة للحصول على سلال مساعدات تخص الهلال الأحمر السوري، حسبما ذكرت إحدى المقيمات في قرية قرب القرداحة، التي تنتمي إليها عائلة الأسد. وأضافت: «لقد خرج الفساد عن السيطرة».
من جهتها، بررت عضوة في حزب «البعث» في حرستا، تدخل الحزب الحاكم في اختيار المستفيدين من المساعدات، وتوفير سلال مساعدات غذائية لموظفي الحكومة الذين بقوا في وظائفهم، لأنه جرى اعتبارهم موالين للنظام، بقولها: «البعض يعارض اختيار المستفيدين بقوله: لماذا يحصل موظفون حكوميون على مساعدات؟ وإنه يجب توجيه جميع المساعدات لمن ليست لديهم وظيفة. أود أن يعلم من يعارضون هذا الأمر أن موظفي الدولة يكافحون هم أيضاً من أجل سداد الفواتير المستحقة عليهم».
- اتساع الفساد
الواضح أن الفساد هو الآخر يتفاقم. والمعروف أن الفساد شكّل عنصراً أساسياً في الحكم داخل سوريا لعقود، مع سماح النظام لموظفي القطاع العام باستغلال مناصبهم داخل الدولة والمؤسسات التابعة للنظام، لابتزاز المواطنين، والتربح من التهريب والنشاطات غير القانونية الأخرى، مقابل ضمان ولائهم. وكان سوء استغلال السلطة من جانب السلطات السورية واحداً من المحفزات الرئيسية للانتفاضة التي اشتعلت عام 2011 وكان من شأن الغياب المتزايد للقانون عن سوريا خلال سنوات الحرب، وازدهار اقتصاد الحرب، وتراجع قيمة رواتب موظفي الدولة السورية، أن يؤدي إلى تشجيع الفساد وفتح المجال واسعاً لازدهاره.
وشكّلت أزمات نقص السلع المختلفة والمتفاقمة أرضاً خصبة للفساد. ففي سوريا، يمكن شراء جميع السلع المدعومة غير الموجودة في المتاجر والمخابز من السوق السوداء، والتي تأتي إمداداتها من مسؤولين كبار في النظام يسرقون السلع، كما تأتي هذه السلع من مؤسسات حكومية.
على سبيل المثال، لم يحصل المزارعون في شرق حماة على حصة فبراير من المازوت، التي تعد ضرورية لرعاية محاصيل القمح الخاصة بهم. وعن هذا، قال أحد المزارعين: «حرصت على الذهاب إلى محطة الوقود يومياً، لكنها كانت مغلقة. وعدت إلى اتحاد المزارعين فأخبروني بأن مالك المحطة تلقى المازوت ولا يرغب في توزيعه، ولا يمكن لأحد الاعتراض عليه لأنه أحد المقربين من المسؤولين».
يُذكر أن مالك محطة البنزين تلك، الواقعة في قرية «تل جديد»، يعمل في تهريب الوقود، ويتولى تمويل ميليشيات موالية للنظام، إضافةً إلى كونه عضواً في مجلس الشعب السوري. وفي الوقت الذي من المفترض أن يتمكن المزارعون من شراء المازوت مقابل 180 ليرة للتر، يُضطر القادرون منهم إلى شرائه من السوق السوداء مقابل 8 أضعاف هذا السعر.
وفي سياق متصل، فإن الخبز المدعوم منخفض الجودة، والذي من المفترض بيعه مقابل 100 ليرة في المخابز التابعة للدولة، يُباع مقابل 300 ليرة على الأقل في السوق السوداء، وقد يصل سعره أحياناً إلى 1200 ليرة، بعد سرقته من جانب موظفي المخابز ومسؤولي الاستخبارات والجنود، بل ومفتشي وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، الذين يفترض أن مهمتهم الحيلولة دون وقوع هذه التجاوزات.
ومع استمرار معاناة الاقتصاد السوري طوال سنوات الحرب، زاد جنود النظام وعناصر الميليشيات والمخابرات من نهبهم للمواطنين. تجدر الإشارة إلى أن الفرقة الرابعة التي يقودها شقيق بشار الأسد، ماهر، تتولى الإشراف على شبكة منتشرة في مختلف أرجاء البلاد، تُدعى «الترفيق»، بمعنى توفير مرافقة مسلحة توفر الحماية للقوافل التجارية من الحواجز العسكرية التي تنتمي لـ«الفرقة الرابعة» ذاتها، وكذلك نقاط التفتيش التي تجمع إتاوات غير رسمية، لا ينتهي بها الحال في خزائن الدولة.
وتبعاً لما ذكره مزارعون من اللاذقية وحماة، زادت أعداد نقاط التفتيش على مدار العام الماضي، الأمر الذي ربما يعكس الحاجة المتزايدة لدى المسلحين لتعويض مداخيلهم المنكمشة.
أيضاً، تتورط «الفرقة الرابعة»، وميليشيات مدعومة من إيران، في عمليات تهريب عبر الحدود إلى لبنان والأردن والعراق. وتتيح شبكات التهريب تلك للتجار بيع منتجاتهم الزراعية وسلع صناعية في دول مجاورة مقابل أسعار أعلى، ما يقلص بدوره المعروض من السلع داخل سوريا، ويرفع الأسعار في الداخل.
وبسبب الفساد المستشري في المؤسسات السورية، تتعرض أي جهود رامية لمكافحة الفساد للفشل، أو ربما تسهم في الفساد وتفاقمه. على سبيل المثال، يسهم مفتشو وزارة التجارة الداخلية، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية منع التلاعب بالأسعار، في ارتفاع الأسعار، من خلال حصولهم على رشى من التجار الراغبين في بيع السلع بأسعار أعلى مما يسمح بها القانون.
كذلك، نجد أن حرس الحدود المكلفين بمهمة منع التهريب، يتولون هم أنفسهم، تيسير عمليات التهريب تلك، بعد حصولهم على رشى. كما أن القضاة الذين جرى تعيينهم لسجن الفاسدين يحصلون هم أيضاً على رشى للسماح بفرار الفاسدين من قبضة العدالة.
ونظراً لاعتماده المستمر على جهازه القمعي، لجأ النظام إلى المخابرات، في محاولة لاحتواء انهيار الليرة السورية، من خلال محاولة فرض إرسال حوالات إلى سوريا من خلال القنوات المعترف بها رسمياً فقط، مع فرض سعر تصريف أقل بكثير مما هو موجود في السوق السوداء. وتعوق هذه السياسة قدرة السوريين على معاونة بعضهم بعضاً. وأدت حملة إجراءات لإلقاء القبض على أصحاب مكاتب الحوالات غير الرسمية إلى ارتفاع رسوم التحويل، بسبب الرشى التي يجري دفعها مقابل إطلاق سراح موظفي مكاتب الحوالات، والتي يجري تحميلها في نهاية الأمر على عاتق الزبائن.
وبسبب الحظر المفروض على استخدام الدولار، وعمليات الاعتقال سالفة الذكر، والمراقبة الشديدة، خصوصاً داخل المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، أصبحت مسألة تلقي أي من المقيمين في هذه المناطق حوالةً من الخارج أمراً ينطوي على مخاطرة هائلة.
من جانبه، شرح منير، المقيم في دوما، أنه رغم الفقر الطاحن، قليلون فقط من يتجرأون على تلقي أموال محوّلة من الخارج. وأضاف: «يلجأ الناس إلى الحوالات في الظروف الاستثنائية فحسب، ويعتمدون على الأقارب الذين يحملون الأموال النقدية إلى داخل سوريا، الأمر الذي يثير شكوكاً أقل».
واليوم، بعد عشر سنوات من خروج ملايين السوريين ثائرين ضد نظام وحشي وفاسد، واحتجاجاً على توزيع غير عادل للثروة، تبدو سوريا أكثر فساداً من أي وقت مضى، بينما تبدو الطبيعة الوحشية لأعمال العنف فيها واضحة للعيان. كانت السنوات العشر الأخيرة قد جرّدت النظام السوري من كثير من المظاهر المدنية السطحية التي كان يختفي خلفها. وسمحت هذه المظاهر لبعض السوريين بالتظاهر، أو ربما بالاعتقاد عن حق بأنهم يعيشون في ظل دولة مؤسسات تشكل الضامن الوحيد للاستقرار المالي والأمني.
اليوم، أصبحت الطبيعة الفاسدة والعنيفة للنظام، التي تشبه ما يسود داخل عصابات المافيا، واضحة للعيان. والآن، أصبحت النقاشات الخاصة الدائرة في أوساط السوريين الذين لم يثوروا ضد النظام منذ عشر سنوات، إما بسبب الخوف وإما لرغبتهم في الحفاظ على الاستقرار، تشبه على نحو متزايد نبرة حديث الثوار الذين خرجوا ضد النظام عام 2011. ومع ذلك، فإنه بخلاف الثوار، لا يزال هؤلاء السوريون أسرى حالة من الخوف الشديد والانهزام، تَحول دون خروجهم في وجه النظام.
* باحثة في جامعة برنستون



إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».