بيدرسن: أخجل من فشلنا بوقف مأساة سوريا... وعوامل جديدة تدفع للحل

قال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن لا علاقة له بالانتخابات الرئاسية المقبلة

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف في 29 يناير الماضي (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف في 29 يناير الماضي (أ.ف.ب)
TT

بيدرسن: أخجل من فشلنا بوقف مأساة سوريا... وعوامل جديدة تدفع للحل

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف في 29 يناير الماضي (أ.ف.ب)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في ختام اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف في 29 يناير الماضي (أ.ف.ب)

قال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أمس، إن السوريين وقعوا في «فخ الحرب اللامنتهية»، وإن على الجميع أن «يشعر بالخجل» بسبب الفشل في وقف «المأساة السورية».
وقال بيدرسن في حديث تزامن مع الذكرى العاشرة لبدء الاحتجاجات السورية في 15 مارس (آذار) 2011، إن هناك «عوامل جديدة» تدعو إلى الاعتقاد بإمكانية التحرك نحو حل في سوريا، بينها: «الهدوء النسبي على الأرض، والأزمة الاقتصادية التي تضرب سوريا في جميع مناطقها»، والقناعة أن أياً من «الحكومة السورية أو المعارضة أو مجموعة آستانة أو أميركا، ليست قادرة لوحدها على احتكار الحل، وأنه لا بد من نهاية متفاوض عليها (تسوية)». وزاد: «إنني على تواصل مستمر مع المحاورين الأساسيين في واشنطن وموسكو والعواصم العربية والأوروبية وطهران وأنقرة. شعوري أن جميعهم يفهمون أنه ليس هناك طرف واحد قادر على احتكار الحل».
واستبعد حصول حوار قريب بين أميركا وروسيا حول سوريا بسبب «الوضع القائم» بينهما، لكنه أشار إلى وجود «مصالح مشتركة بين البلدين في سوريا تشمل الحرب ضد الإرهاب، الحاجة للاستقرار وإيجاد حل لأزمة اللاجئين». وقال إنه يعمل بـ«دبلوماسية هادئة» لعقد مؤتمر حول سوريا، وإنه «لا بد لأميركا أن تكون جزءاً منه».
وأوضح بيدرسن رداً على سؤال، أن الانتخابات الرئاسية السورية المقررة منتصف العام الحالي «ليست جزءاً» من مهمته بموجب القرار الدولي 2254 الذي «يتحدث عن انتخابات بموجب دستور جديد. هذه الانتخابات يجب أن تجري وفق أعلى المعايير الدولية بمشاركة من السوريين في الشتات». وهنا نص الحديث:

> يوم أمس، الذكرى العاشرة للاحتجاجات السورية، كيف العقد الأخير، وما هي رسالتك للسوريين؟
- أولا، كما قلت لمجلس الأمن، المأساة استمرت طويلاً، مدة تقارب الحربيين العالميتين. لقد وقع السوريون في فخ حرب لا تنتهي. هذه مأساة. ورسالتي، أن هذه المأساة أحد أكثر الفصول قتامة في العصر الحديث. يجب علينا جميعاً أن نشعر بالخجل. إن الشعب السوري، هو أكثر ضحايا القرن الأخير. كلنا فشلنا. وأعبر عن أسفي العميق لأننا لم نستطع المساهمة في إنهاء هذا الصراع. نعرف أن المسؤولية الأكبر تقع على الأطراف السورية واللاعبين الدوليين. لا أعرف إذا ما كنت قرأت بيان الأمين العام للأمم المتحدة؟
> تقصد بيان أنطونيو غوتيريش في الذكرى العاشرة؟
- نعم. قال إن عدم المساهمة في حل الصراع السوري، يعني أن النظام العالمي ليس فاعلاً.
> تحدثت عن مسؤولية الأطراف السورية، من هو برأيك المسؤول الأكبر عن المأساة؟
- الأمر المهم بالنسبة لي هو التركيز، حيث إنني شرحت بدقة ما حصل للشعب السوري، وأكدت على ضرورة استمرار الهدوء. هناك مخاطر إذا لم تتغير الأمور. بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات عدة، قد يكون هناك استمرار للوضع الحالي. لذلك رسالتي الأساسية اليوم للأطراف السورية والمجتمع الدولي هي: هناك فرصة وإمكانية ما.
> لماذا؟ أين الفرصة؟
- في السنة الأخيرة كان هناك هدوء نسبي بعد وقف العمليات في إدلب. هذا هدوء لا يزال هشاً، رغم أنه ليست هناك قتلى أو خروقات.
> ماذا تقول لأسر الضحايا والنازحين واللاجئين، ولكل السوريين، بعد عقد من المعاناة؟ هل تعتقد أن سوريا أقرب إلى تسوية أم لا؟
- أستطيع أن أقول لهم: إننا لا نستسلم. أتفهم أن هناك بعض الشكوك من السوريين عندما يسمعون مثل هذا الكلام. لكن هناك عوامل جديدة للمضي قدماً.
> ما هي؟
- الهدوء النسبي على الأرض. نحن في وضع من الأزمة الاقتصادية التي تضرب سوريا في جميع مناطقها. وهذا يجعلنا نعتقد أنه لا الحكومة السورية، ولا المعارضة، ولا مجموعة آستانة أو أميركا، قادرة على احتكار الحل. لا بد من نهاية متفاوض عليها (تسوية). هذا شيء جديد يمكن البناء عليه. هذا يتطلب مستوى جديداً من الانتباه والإرادة السياسية من جميع الأطراف. هذا ممكن، ويمكن تنفيذه.
> تقول هذا بناءً على أمل أم على معطيات من تواصلك مع اللاعبين؟
- هذا اعتقاد مبني على مناقشات قمت بها مع المحاورين الأساسيين. كما تعرف، أنا على تواصل مستمر مع المحاورين الأساسيين في واشنطن وموسكو والعواصم العربية والأوروبية وطهران وأنقرة. شعوري هو أنهم جميعاً يفهمون أن ليس هناك طرف واحد قادر على احتكار الحل.
> لو كان ممكناً أن تصمم التسوية، كيف ستكون؟ ما هي ملامحها؟
- كي أجيب على هذا السؤال، يجب أن نمضي بالعملية السياسية قدماً. الشيء المهم هو أن جميع الأطراف عليهم أن يحددوا ما يعتقدون أنه واقعي للتحقق، وما يجب وضعه على الطاولة للتفاوض. نعرف أن بعض القضايا يجب أن تحل. مثلاً، ملف المفقودين والسجناء، هذا ملف أعمل عليه، ويجب أن يتم حله بطريقة جدية. أيضاً، القضايا المتعلقة بالنازحين واللاجئين يجب أن تكون على الطاولة. موضوع العقوبات كذلك ينبغي أن يكون على الطاولة، وكذلك موضوع إعادة الإعمار. هناك قضايا كثيرة يجب أن تكون على الطاولة. فقط عملية تفاوضية ستكون قادرة على تحديد كيف تبدو هذه الأمور في النهاية.
> لا أحد يتحدث عن «الانتقال السياسي»، بل إن الحديث يجري عن عملية سياسية وتنفيذ القرار الدولي 2254؟
- عادة أقول: كل العناصر الضرورية التي تحدد حل الصراع السوري موجودة في القرار 2254. كما تعرف، منذ صدور القرار في ديسمبر (كانون الأول) 2015، حصلت تغييرات جوهرية في الوضع على الأرض. لكن، بالنسبة لي، نحن لسنا أقرب إلى الحل مما كنا عليه في 2015، مع أنه وقتذاك تم تحديد كيف نمضي قدماً. الحقيقة، أن الوضع على الأرض هو الذي جعلنا أقرب باتجاه المضي نحو الحل.
> هل تقصد أن الوقائع على الأرض يجب ألا تحدد شكل التسوية؟
- ما أقوله، أن التسوية السياسية يجب أن تكون مبنية على عملية الأخذ والعطاء، في عملية تفاوضية، عندما تعرف الأطراف المختلفة ما هو المهم الذي يتم وضعه على الطاولة. أيضاً، يجب أن يكون هناك فهم عميق بأن لا أحد قادر على احتكار الحل النهائي، ولا بد من تسوية تنقل الشعب السوري إلى وضع جديد بطريقة سلمية.
> دائماً تتحدث عن خمسة جيوش موجودة في سوريا. هل أنت قلق من تصعيد مفاجئ؟ ما هي رسالتك لها؟
- إننا قلقون من أن حضور جيوش في سوريا، يعني احتمال حصول حوادث وخروج الأمور عن السيطرة. أيضاً، تحدثت عن الهدنة الهشة شمال غربي سوريا، والترتيبات القائمة شمال شرقي سوريا هي هشة أيضاً. هذا أحد العوامل يمكن أن تستعمل كحوافز للاعبين الدوليين كي تجلس إلى الطاولة لبدء مناقشات جوهرية حول كيفية المضي قدماً.
> إذن، تريد تأسيس مظلة دولية تدعم المسار السوري وصولاً إلى الحل؟
- إنني حالياً أناقش مع محاورين دوليين رئيسيين. نحن في الأيام الأولى لإدارة جو بايدن، ونريدهم أن يكونوا جزءاً من أي شيء يدفع العملية قدماً. ما أقوم به حالياً هو ما أسميه «دبلوماسية هادئة» لمناقشة هذه القضايا. آمل أنه خلال بضعة أشهر، سأكون قادراً على تحديد كيفية المضي قدماً في هذه العملية.
> هل ترمي إلى ترتيب عقد «برلين سوريا» كما حصل حول ليبيا؟
- نحن ننتظر القيام بالعمل الجدي قبل وصف كيف سنكون قادرين على المضي قدماً.
> كان هناك مسار «خطوة مقابل خطوة» بين روسيا وأميركا. اجتمع الطرفان مرات عدة في فيينا، وأنت تطالب بمقاربة «خطوة مقابل خطوة». هل الوضع مناسب لحوار بين واشنطن وموسكو بناء على هذه المقاربة؟
- جميعنا نعرف أن هذا سيكون صعباً، ليس فقط بسبب فقدان الثقة. في الوقت نفسه، أعتقد أن هناك مساحات للمصالح المشتركة بينهما في سوريا: الحرب ضد الإرهاب، الحاجة للاستقرار، الحاجة لإيجاد حل لأزمة اللاجئين. هذه القضايا، إضافة إلى القناعة بأن لا أحد قادر على التحكم بالحل ولا بد من التعاون بين الجميع، تدعم إمكانية التعاون بين روسيا وأميركا حول سوريا.
> بعض القضايا الخلافية بينهما يتمثل في الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا. كيف تنظر إلى هذه الانتخابات؟
- هذه الانتخابات تجري وفق ترتيبات الدستور الحالي للعام 2012، وليست جزءاً من مهمتي. مهمتي حددت في القرار 2254 الذي يتحدث عن انتخابات بموجب دستور جديد. هذه الانتخابات يجب أن تجري حسب القرار الدولي 2254، يجب أن تعقد بأعلى المعايير الدولية بمشاركة من سوريي الشتات. الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا ليس لي أي دور فيها.
> دول غربية والاتحاد الأوروبي أصدرت بيانات قالت فيها إن الانتخابات لن تكون سبباً لـ«التطبيع» مع دمشق، فيما تعتبرها روسيا شرعية؟
- كما قلت، بالنسبة لي، الشيء المهم هو التركيز على ما يمكن القيام به لبدء العملية السياسية. الانتخابات المقبلة، آمل ألا يكون لها تأثير سلبي على العمل الذي نقوم به. كما قلت، هي ليست جزءاً من مهمتي التي أعمل عليها.
> هل أنت قريب من توقيع اتفاق خطي بين وفدي الحكومة والمعارضة حول عمل اللجنة الدستورية وعقد الجولة السادسة؟
- ناقشت خلال الأيام المقبلة مع رئيسي الوفدين كيفية المضي قدماً. كما تعرف، نقوم بتسهيل تبادل الأوراق بينهما. ما أسمعه منهما هو أمر إيجابي. هم مستعدون للانخراط في مناقشة المقترحات. كلاهما يعرف ضرورة تحقيق اتفاق ثابت للمضي قدماً (في عمل اللجنة الدستورية). أمل، وسنصل إلى تفاهم كهذا في وقت ليس بعيداً.
> وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قال بعد الاجتماع الثلاثي مع نظيريه التركي والقطري، إنه يأمل بعقد الجلسة السادسة من «الدستورية» قبل شهر رمضان؟
- لا أعتقد أن هذا ممكن. ما قلته إنه بمجرد توصلنا إلى تفاهم بين رئيسي الوفدين، فإن الأمم المتحدة ستعقد جلسة للجنة فوراً.
> يبدو أنه لا علاقة بين المسار الدستوري والانتخابات الرئاسية.
- القرار 2254 يتحدث عن دستور جديد، وبناءً عليه تنظم انتخابات حرة ونزيهة. هذا ما أركز عليه، وآمل أن يكون أعضاء اللجنة الدستورية يركزون عليه أيضاً.
> بعض الدول الغربية تحدثت قبل أيام عن المساءلة والمحاسبة في سوريا، ما رأيك؟
- دعني أقتبس ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة في بيانه قبل أيام من أنه قد تكون هناك عقبات وصعوبات أمام المحاسبة. لكنه قال إنه عندما يكون هناك حل سياسي، فإن السوريين يحققون العدالة والمصالحة. بالنسبة لي، أؤكد على هذا.
> ماذا عن العقوبات؟ بريطانيا أعلنت أمس قائمة جديدة من العقوبات ضد مسؤولين في دمشق. كيف تنظر إلى العقوبات كلها؟
- هذه العقوبات ليست جزءاً من العقوبات الأممية. أظن أن الأمر المهم بالنسبة لي هو أن أكرر ما قلته مرات عدة، وهو أنه في ضوء المشاكل الاقتصادية في سوريا حالياً، فإن أي عقوبات يجب ألا تؤثر على المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء سوريا، وإننا بحاجة لتجنب أي آثار للعقوبات على إمكانيات وصول السوريين للغذاء والدعم الصحي في ظل انتشار وباء «كورونا». يجب أن أؤكد على ضرورة وصول المساعدات إلى كل سوريا.
> لدينا إدارة أميركية جديدة. هل تواصل مسؤولون أميركيون معك؟ ماذا سمعت منهم؟
- حصل أول اتصال مع الإدارة الجديدة، وسنواصل مناقشتنا مع واشنطن في المستقبل القريب. جميعنا يعرف أن سوريا ليست في رأس أولويات الإدارة الجديدة، ونفهم أن هناك تحديات يريدون العمل عليها، مثل الصين وروسيا وإيران. رسالتي كانت أن من المهم، كما قلت في إيجازي في مجلس الأمن ومناقشاتي، أن تكون أميركا جزءاً من جهود الوصول إلى حل للنزاع، وهذا يتطلب اهتماماً من أعلى المستويات في واشنطن.
> السؤال الأخير: بعد سنة، وفي 15 مارس 2022، أين ترى جهودك؟ هل ترى تحقق عملية السلام؟
- أهم شيء هو أنني أريد أن أرى أننا حققنا استمرار الهدوء، وأن نكون قد طورناه إلى وقف إطلاق نار على المستوى الوطني، وأطلقنا العملية السياسية بطريقة جدية. ولدينا تعاون من الدول المفتاحية في العالم لهذا الغرض، وأن نكون قد بدأنا بتحقيق مسار «خطوة مقابل خطوة» الذي يبدأ بجلب الاستقرار إلى سوريا. دعنا نكون صريحين: سيأخذ هذا وقتاً بعد أن نبدأ. الأمور تتغير بين ليلة وضحاها. لكن الأمر المهم هو أن نكون قد بدأنا العملية خلال سنة، وقلبنا المسار بحيث يشعر السوريون بالتحسن.



سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.


اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
TT

اليمن: الزنداني رئيساً للوزراء... وبن بريك مستشاراً للعليمي

تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)
تكليف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني بتشكيل الحكومة (سبأ)

قرَّر الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تعيين الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء خلفاً لسالم بن بريك، وتكليفه بتشكيل الحكومة.

وتضمن القرار، بحسب وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، استمرار الحكومة الحالية بتصريف الأعمال باستثناء التعيين والعزل، إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.

من جانب آخر، قرَّر رئيس مجلس القيادة تعيين سالم بن بريك مستشاراً له للشؤون المالية والاقتصادية، بعد قبول استقالة حكومته لفتح المجال أمام تشكيل حكومة جديدة.

وينسجم التشكيل الجديد مع «التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً على صعيد جهود استعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز وحدة القرار السيادي، والتوجهات الرامية نحو ترسيخ قيم الشراكة، والمسؤولية الجماعية، والمضي قدماً في برنامج الإصلاحات الشاملة، ومكافحة الفساد، وتوحيد جميع الجهود حول هدف استعادة مؤسسات الدولة، وإسقاط الانقلاب».

وذكرت الوكالة أن العليمي أشاد خلال لقائه بن بريك، بجهود رئيس وأعضاء الحكومة، في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنقدي خلال الفترة الماضية «رغم الأزمة التمويلية الحادة التي فاقمتها هجمات الميليشيات الحوثية الإرهابية على المنشآت النفطية بدعم من النظام الإيراني».