«ألف ليلة» والتوابل... توأما الدهشة

هل كانت موجودة عربياً وقت هيرودوت أم أنها تغذت من حكايات المؤرخين والرحّالة؟

غابرييل غارسيا ماركيز
غابرييل غارسيا ماركيز
TT

«ألف ليلة» والتوابل... توأما الدهشة

غابرييل غارسيا ماركيز
غابرييل غارسيا ماركيز

لمتجر البهارات الناجح الشكل نفسه في كل أنحاء العالم؛ حانوت بلا زينة، أرفف حتى السقف بلا بهرج، وعلى الأرض تتزاحم أجولة خيش وقنّب، حاويات فخارية، وسلال من سيقان الحناء متراصة على الأرض، وكلها مجللة بذروة هرمية مرتفعة فوق حافة الوعاء، توحي الأهرامات الصغيرة الملونة بالوفرة، ويوحي المتجر بالعتاقة. لا ينقصه إلا أن يرتدي البائع عباءة وعمامة علاء الدين!
من يجهلون قوانين السطوة يؤسسون متاجر بهارات بديكور حديث، وقوارير فاخرة على الأرفف وخزانات مغلقة كما في صيدلية أو محل عطور فاخر، فلا يلقون إلا الكساد.
للتوابل سطوة تجعلها قادرة على نفي الزمان والمكان، وجلب زمانها ومكانها الأصليين.
لا نأكل بهاراً؛ فكل ما نحتاجه منه رشات خفيفة على الطبخة، لكن عين المتسوق تأكل، ويجب أن يتمتع محل العطارة بمظهر الوفرة المغوية، إلى جانب فانتازيا المظهر الشرقي العتيق التي توحي بأن هذه الأعاجيب الحريفة الملونة جاءت في سفينة السندباد.
الشقيقة التوأم للبهارات هي «ألف ليلة». وقد سلكا طريقاً واحداً، من الهند والصين إلى فارس، ومنها إلى بلاد العرب، ثم إلى أوروبا. هكذا لم يحفظ العرب لأوروبا عقلها فحسب، بترجمة الفلسفة، بل حفظوا لها كذلك حواسها التي كانت معرضة للموت في عصور التحريم. تلك حلقة من تعاقب الحضارات، يحلو للبعض أن يعتبرها دَيناً تدين به أوروبا لنا وللشرق بعامة.
في وقت ما، كانت وفرة البهارات دليلاً على كرم المضيِّف ومكانته. لقد جلب المضيِّفُ الشرق الثمين والعجيب إلى ضيوفه! يذكر فريد كزارا في كتابه «التوابل... التاريخ الكوني، ترجمة إيزميرالدا حميدان» أن ثمن باوند واحد من جوزة الطيب في ألمانيا كان يساوي 7 ثيران عام 1393. وظلت لوقت طويل مجالاً لاستعراض الثراء على الموائد، فكانت تُعرض على صينية صغيرة مقسمة للأنواع المختلفة من أجل الضيوف الذين يريدون الاستزادة فوق البهارات الموجودة بالطبخة.
لكن تجارة البهارات كانت مزدهرة قبل ذلك بوقت طويل، لقد كانت أنفس ما تحمله السفن في العالم القديم، ويحدد كزارا امتداد هذا العالم من الصين جنوباً، إلى جنوب شرقي آسيا، وغرباً إلى الهند والجزيرة العربية، ولأكثر من 3000 سنة حافظ على بقائه، واتصل مع البحر الأبيض المتوسط من الجنوب الغربي، ومن الشمال الشرقي بواسطة طريق الحرير عبر آسيا الوسطى.
لكن توغل هذه المنتجات السحرية إلى العمق الأوروبي باتجاه الشمال بدأ مع بروز الإمبراطورية الرومانية من عام 27 قبل الميلاد. وصارت رحلات التوابل رهينة قيام وانهيار الإمبراطوريات، رهينة الحروب والسلام، وقد بلغت مجدها مرة أخرى مع قوة الدولة الإسلامية ودخولها إلى أوروبا في بدايات القرن الثامن الميلادي، فكان اتصال بغداد بالأندلس رابطاً قوياً، ثم بدأ صدام الحروب الصليبية في بدايات الألفية الثانية، فكان سبباً لتجديد الدهشة.
وظلت التوابل أهم عناصر صورة الشرق العجيب حتى تعرف الأوروبيون على «ألف ليلة» حين أنجز الفرنسي أنطوان غالان الترجمة الأولى لليالي ونشرها على أجزاء بين 1704 و1717.
لم تنتقل البهارات صامتة. قبل صخب المدافع صاحبتها رقة الحكايات التي رفعتها من مجرد ثمار أو لحاء أشجار ونباتات إلى مستوى الأساطير، وقد امتدت أساطير خلقِها لتصنع أساطير حول أثرها على الجسم، وخصوصاً أثرها على القوى الجنسية.
قبل حملات البرتغاليين على شرق آسيا في القرن الخامس عشر، كان لرحلة ماركو بولو للصين وشرق آسيا، ورحلة ابن بطوطة أوسع الصدى، بسبب تفننهما في وصف أعاجيب البهارات وأشجارها، وقد سارا فيما يبدو على خطى هيرودوت. كتب المؤرخ اليوناني عن استخدام الفينيقيين للقرفة التي أتت من جزيرة العرب، ناقلاً الزعم الشائع آنذاك بأن الطيور هي التي حملتها إلى هناك، ذلك أنها كانت تحملها إلى أعشاشها على حواف الجبال.
وصف هيرودوت لطريقة العرب في الحصول على القرفة خيالي. زعم أنهم يُقطِّعون الذبائح ويتركونها على الأرض للطيور، تحط عليها، تأكل وتحمل الكثير إلى أعشاشها؛ فيتسبب ثقل اللحم في انهيار العش وسقوط القرفة. لم يبتعد خيال الليالي عما وصفه هيرودوت. في مغامرات السندباد نجد حيلة مماثلة للحصول على الماس؛ حيث يلقي التجار بالذبائح من فوق قمة الجبل؛ فتهوي إلى وادي الماس السحيق وتلتصق بأحجاره، وتهبط النسور وتحمل الذبائح من القاع إلى القمة؛ فيخيفها التجار وينطلقون إلى اللحوم، يجمعون ما علق بها من الماس، ثم يبتعدون، فتعود النسور إلى وليمتها!
كذلك يتقاطع وصف الليالي لجزر التوابل وأشجارها العجيبة مع وصف ابن بطوطة، ويجب أن يكون ذلك محل تساؤل مؤرخي الأدب، هل كانت «ألف ليلة» موجودة عربياً وقت هيرودوت أم أنها هي التي تغذت من حكايات المؤرخين والرحّالة؟ لقد كتب هيرودوت تاريخه بين 450 و420 قبل الميلاد، أي قبل قرون كثيرة من التاريخ المعروف لـ«ألف ليلة» الذي يعود بجذورها الفارسية إلى كتاب «هزارا فسان - ألف خرافة»، وقد فُقد أصله، وحفظته الترجمة العربية. وربما كان رقم الألف خرافة، يعني الكثرة اللامنتهية وليس العدد بالتحديد، لأن المصادر ترجح أن حجمه لم يكن يتعدى بضع ليال مفردة؛ حيث يقتصر على القصة الإطار وقليل من الحكايات، وأنه أخذ شكله من القصص الشعبية العربية في خلافة العباسيين التي بدأت منتصف القرن الثامن الميلادي.
وفي كل الأحوال، هناك تطابق في الشكل بين الشقيقين التوأم؛ البهار والليالي.
سواء اتبعنا طرق التجارة المألوفة، أو صدَّقنا في الطرق الخيالية لانتقال البهارات؛ فلم يعد من الممكن الاستغناء عنها في الطبخ؛ فلولاها لبقي الطبخ عملاً بسيطاً لتليين الصلب، ولظل تناول الطعام عملاً لسد الجوع. هي التي جعلت منه فناً. بفضل حساسية كل طاهٍ في استخدامها بالكمية المناسبة في اللحظة المناسبة، تعددت الطبخات إلى ما لا نهاية، على الرغم من محدودية المكونات النيئة المستخدمة في الطبخ، لذلك كان طبيعياً أن يحتل هذا الاكتشاف المذهل مكانته العالية في العالم.
«ألف ليلة»، بعد أن أمتعت العالم بدهشتها، تحولت هي نفسها إلى توابل روائية لا نخطئ نكهتها في أعمال كثير من الكتّاب في مختلف اللغات، حتى إن أثرها يبدو في إبداع شكسبير الذي رحل قبل ترجمة الفرنسي أنطوان غالان بنحو قرن، وهي الترجمة المعتمدة بوصفها الأولى أوروبياً، لكن كل بداية في الأدب تسبقها بدايات. وقد عرفت أوروبا الليالي عبر كتابات جيوفاني سيركامبي (1347 - 1424) ولا يمكن أن ننسى عمل بوكاشيو «الديكامرون» الذي يبدو استنساخاً لليالي، وصولاً إلى الاستلهامات الأكثر عمقاً، كما لدى رمز فرنسا الأدبي مارسيل بروست الذي لم يخلُ عمله «البحث عن الزمن المفقود» من إشارات إلى قصصها، لكن استلهامه الكبير كان استلهام بنية توالد القصص المميزة لليالي. ولا يمكننا أن نتصور بورخيس بدون حكمة الليالي، ولا ماركيز؛ ملك البهارات المجلوبة من حكايات شهرزاد.
لم يقف أثر الليالي عند الكتابة فحسب، بل امتد ليشمل الموسيقى والتشكيل، ولم يكن خيال السينما ليصبح على ما هو عليه بدونها، ولم يكن لخيال سينما الأطفال ليصبح على هذا النحو من الخفة.
بدون الليالي، كان الأدب العالمي سيبدو ناقص الدهشة. وقد امتدت عجائبية الشرق لتشمل صورة شعوب الشرق التي تعيش على أرض واحدة مع تلك الأعاجيب. صار الإنسان الأصفر والأسود نفسه بمثابة تابل من بين توابل القصص لدى عشرات الكتّاب الأوروبيين. وكثيراً ما ساهم الجهل بالجغرافيا إلى خلط الشرق الأقصى بالأدنى، ولم يسلم العربي القريب من أوروبا، من الإزاحة إلى التركي أو الاختصار في المغربي أو السوري. إن شئنا الإنصاف، فكل شرق ينظر إلى الشرق الأبعد كما ينظر الغرب إلى كل الشرق.
كثيراً ما نطالع في «ألف ليلة» أوصافاً عجائبية لبشر آسيا وأفريقيا، إما أقزاماً أو عماليق، ولغاتهم أعجوبة أو مجرد همهمات، تحيلنا إلى رؤى الأنثروبولوجيين عن محاولات الإنسان الأولى في اختراع اللغة.
ولنتذكر أن أحد الاحتمالات التي يوردها السرد في قصة «حي بن يقظان» عن أصل الطفل أنه نبت من الأرض في تلك الجزيرة التي تسمح طينتها المتخمرة بذلك، والتي تثمر أشجارها نساءً!



اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».