السعودية ومصر.. علاقات راسخة رغم المتغيرات والاختلافات

الملك المؤسس وضع أسس العلاقة.. والملك سلمان أكد ثباتها

الملك عبد العزيز مع الملك فاروق أثناء زيارته الرسمية لمصر في يناير 1946
الملك عبد العزيز مع الملك فاروق أثناء زيارته الرسمية لمصر في يناير 1946
TT

السعودية ومصر.. علاقات راسخة رغم المتغيرات والاختلافات

الملك عبد العزيز مع الملك فاروق أثناء زيارته الرسمية لمصر في يناير 1946
الملك عبد العزيز مع الملك فاروق أثناء زيارته الرسمية لمصر في يناير 1946

قبل 70 عاما وضع الملك المؤسس عبد العزيز أسسا للعلاقات السعودية المصرية، عندما أكد في برقية بعث بها إلى الملك فاروق ملك مصر – آنذاك - في رحلة العودة من زيارته التاريخية لمصر عام 1946 على عمق هذه العلاقة وتعزيزها. وقال فيها «كان من حظ البلدين توثيق الروابط بينهما وتوحيد جهودهما في سياستيهما، وإقامة التعاون بينهما على أثبت الدعائم». وتوثقت العلاقات السعودية المصرية في عهود الملوك «سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبد الله، رحمهم الله»، كما وضعها الملك المؤسس رغم ما شاب هذه العلاقات من فتور وقتي في فترات وأحداث ذات شأن من تاريخ المنطقة، خصوصا أيام حرب اليمن في عهد الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر، ثم الفتور الذي صاحب هذه العلاقة أثناء مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للصلح مع إسرائيل، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وما تبعها من مقاطعة عربية لمصر، ومن ضمنها السعودية، لتعود العلاقات السعودية المصرية أقوى مما كانت عليه.
وجاءت تأكيدات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه أول من أمس من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بخصوص العلاقات السعودية المصرية أنها أكبر من أي محاولة لتعكير هذه العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين، وأن ما يربط البلدين هو نموذج يحتذى في العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك، جاءت هذه التأكيدات لتعيد تاريخ العلاقة بين السعودية ومصر.
وفي الحديث عن العلاقات التاريخية بين البلدين، تعيدك الذاكرة فورا إلى الزيارة التي قام بها الملك عبد العزيز - رحمه الله - عام 1946 إلى مصر، ردا على زيارة الملك فاروق للسعودية، وكان منها أن وثقت العلاقات بين البلدين، حيث تعد الزيارة ذات أهمية كبيرة لكلا البلدين، ووثقت الروابط بينهما من جهة، وبين الروابط بين الدول العربية كلها عبر جامعة الدول العربية التي كانت حديثة النشأة آنذاك.
مكتبة الملك فهد الوطنية أعادت ذكرى هذه الزيارة، من خلال إصدار خاص، أشار فيه أمين عام المكتبة محمد بن عبد العزيز الراشد، إلا أن الإصدار يهدف إلى إطلاع الأجيال الناشئة على جانب من جوانب سيرة الملك عبد العزيز، لتدرك مدى الود والمحبة بين الشعبين السعودي والمصري، وشارك في إعداد الدراسة الدكتور سلطان بن سعد السلطان، وأشرف عليها وتابعها خالد بن إبراهيم الفريح.
وكانت زيارة الملك عبد العزيز إلى مصر قد تمت عام 1946 على اليخت الملكي (المحروسة) الذي انطلق من السويس في يوم 2 يناير (كانون الثاني) عام 1946 متجها إلى جدة، وأقلّ الملك عبد العزيز آل سعود الذي استقبل استقبالا جماهيريا حافلا عند وصوله السويس، وصعد الملك فاروق إلى ظهر اليخت الملكي لمقابلة العاهل السعودي والترحيب به.
وامتطى الملكان «القطار الخاص» متجهين إلى القاهرة. وفي «محطة مصر» بالقاهرة كان كبار رجال الدولة في استقبالهما، وتحرك الموكب الملكي من محطة مصر إلى قصر الزعفران، حيث نزل الضيف الكبير ومرافقوه. وقد لقي الملك عبد العزيز خلال هذه الزيارة التاريخية التي استغرقت 12 يوما حفاوة بالغة، وجاءت بعد أن تخلص العالم من الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابة كريمة من الملك عبد العزيز لدعوة مصر لزيارتها، ممثلة في ملكها فاروق الذي وجّه تلك الدعوة أثناء الزيارة التي قام بها للسعودية في يناير 1945، وتضمّن برنامج الرحلة الملكية صلاة الجمعة في الجامع الأزهر، وزيارة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، وحضور حفل كبير فيها، وقُدمت للملك عبد العزيز الكثير من دواوين الشعر التي نشرت في مصر، وعدد من الكتب في التاريخ والآداب والفلسفة. كما شهد الملك عبد العزيز عروض الخيل وسباقاته في ميدان السباق، وشهد عرضا عسكريا للجيش الملكي. ويعد – آنذاك - أعظم عرض من نوعه أقيم في مصر الحديثة؛ حيث بلغ عدد القوات التي اشتركت في العرض 36 ألف جندي، مزودين بأحدث أنواع الأسلحة، كما تضمن برنامج الرحلة الملكية زيارة منطقة القناطر الخيرية، والبرلمان المصري، حيث ألقى الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ كلمة أشاد فيها بدور الملك عبد العزيز في دعم جامعة الدول العربية. وقال: «إن زيارتكم المباركة لبلادنا لفاتحة خير تستبشر بها الأمة العربية جميعا، كما أن هذه الزيارة زادت روابط المودة والمحبة بين مصر والمملكة العربية السعودية توثقا ومتانة».
كما شملت الرحلة الملكية زيارة مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وألقى عبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة كلمة قال فيها: «إن للملكين الملك عبد العزيز، والملك فاروق، الفضل الكبير في إقامة الجامعة العربية».
هذا وقد تم إطلاق اسم الملك عبد العزيز آل سعود على الشارع الذي يقع فيه قصر المانسترلي «مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية السابق».
وصدر وقتها بيان مشترك للملك عبد العزيز والملك فاروق، أثناء زيارتهما مقر جامعة الدول العربية، كما صدر في اليوم نفسه تصريح ملكي لهما أذاعته رئاسة مجلس الوزراء المصري، وألقاه محمود فهمي النقراشي باشا، رئيس الوزراء، جاء فيه: «إن من دواعي سرورنا العظيم أن يكون اجتماعنا في هذا المكان التاريخي في الدار الجديدة لجامعة الدول العربية، تلك الجامعة التي كان من حظنا وحظ إخواننا ملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم أن يضعوا أساسها وأن يرعوها، فيقيموها على دعائم من التعاون والتكافل لخير العرب، وخير البشر كافة، ويستجيبوا بذلك لرغبات الشعوب العربية وأملها، نحن نرغب في أن تضرب جامعتنا دائما للناس جميعا المثل في تعاون صادق بين جماعة من الدول متضافرة على سلامتها المشتركة ومتكافلة في صيانة حرياتها واستقلالها».
وتضمن برنامج الرحلة زيارة مصانع مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى، وقابل الملك عبد العزيز عددا من الوفود العربية، كما زار المزارع الملكية في أنشاص، حيث شاهد الحدائق الملكية ومحطات الري، وأقيمت للملك مهرجانات عدة للترحيب به. وفي اليوم العاشر، زار الملك عبد العزيز مدينة الإسكندرية، ونزل بقصر رأس التين، وزار منطقة الميناء، واجتمع مع الملك فاروق في قصر المنتزه، كما التقى الطلاب السعوديين الذين يدرسون هناك، وزودهم بنصائحه القيّمة، وفي اليوم الأخير غادر الملك عبد العزيز الأراضي المصرية من ميناء السويس إلى جدة عبر اليخت الملكي (المحروسة).
وخلال الزيارة التقى الملك عبد العزيز بالصحافيين ونقيبهم وأعضاء مجلس النقابة، وجاءت تصريحاته: «لقد وددت لو طالت إقامتي في مصر، فلقد أحببتها وأحببت أهلها حبا جما لا يعادله إلا حبي لجلالة أخي الفاروق، إن الإكرام الذي أكرمني إياه أخي الملك فاروق وشعبه الكريم لا أنساه مدى الحياة ولن ينساه آل سعود مهما تعاقبت الأجيال والسنون، وفي الحق إنه ما من شيء يستطيع الإنسان أن يعمله على ظهر الأرض ترحيبا وحفاوة وتكريما إلا وقد عمل لي في مصر التي لقيت فيها أخا عزيزا وملكا كريما، محبوبا تردد حب شعبه له فيما شهدناه من حفاوته البالغة، لقد كنا نسمع عن مصر كثيرا ولكن الذي رأيناه فيها فاق كل ما كنا نتصوره عنها، رأينا نهضة ورقيا وتقدما في جميع نواحي الحياة، ورأينا شعبا متقدما في الزراعة والصناعة والعلوم والفنون، فهو قدوة العرب وموضع آمالهم، وإن اجتماع هذه الأمة العربية من أقطارها المختلفة مع مصر هو علامة - بإذن الله - على التوفيق وعلى بلوغها آمالها ووصولها إلى المقام اللائق بها، ووصيتي إلى العرب أن يلتفوا حول جامعتهم العربية وأن يحلوا مشاكلهم فيما بينهم وأن يستعينوا بها على نشر العرفان والرقي فيما يعود بالخير على جميع الأمم العربية والإسلامية».
واختتم الملك عبد العزيز حديثه بقوله: «إنني أعود إلى وطني مفعم القلب بأكرم الذكريات وأحبها إلى نفسي عن أخي فاروق وشعبه وبلاده، بل شعبي وبلادي، فما مصر والمملكة العربية السعودية إلا بلد واحد وشعب واحد، إن بعدت بينهم الشقة فقد جمعت بينهم أواصر الأخوة والمحبة والمودة، تلك الأواصر الوثيقة التي لا تنفصم على الأيام عراها، التي تبقى خالدة تالدة بعون الله ثم بفضل فاروق الموفق المرموق بعناية الله».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».