قبل 70 عاما وضع الملك المؤسس عبد العزيز أسسا للعلاقات السعودية المصرية، عندما أكد في برقية بعث بها إلى الملك فاروق ملك مصر – آنذاك - في رحلة العودة من زيارته التاريخية لمصر عام 1946 على عمق هذه العلاقة وتعزيزها. وقال فيها «كان من حظ البلدين توثيق الروابط بينهما وتوحيد جهودهما في سياستيهما، وإقامة التعاون بينهما على أثبت الدعائم». وتوثقت العلاقات السعودية المصرية في عهود الملوك «سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبد الله، رحمهم الله»، كما وضعها الملك المؤسس رغم ما شاب هذه العلاقات من فتور وقتي في فترات وأحداث ذات شأن من تاريخ المنطقة، خصوصا أيام حرب اليمن في عهد الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر، ثم الفتور الذي صاحب هذه العلاقة أثناء مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للصلح مع إسرائيل، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وما تبعها من مقاطعة عربية لمصر، ومن ضمنها السعودية، لتعود العلاقات السعودية المصرية أقوى مما كانت عليه.
وجاءت تأكيدات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه أول من أمس من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بخصوص العلاقات السعودية المصرية أنها أكبر من أي محاولة لتعكير هذه العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين، وأن ما يربط البلدين هو نموذج يحتذى في العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك، جاءت هذه التأكيدات لتعيد تاريخ العلاقة بين السعودية ومصر.
وفي الحديث عن العلاقات التاريخية بين البلدين، تعيدك الذاكرة فورا إلى الزيارة التي قام بها الملك عبد العزيز - رحمه الله - عام 1946 إلى مصر، ردا على زيارة الملك فاروق للسعودية، وكان منها أن وثقت العلاقات بين البلدين، حيث تعد الزيارة ذات أهمية كبيرة لكلا البلدين، ووثقت الروابط بينهما من جهة، وبين الروابط بين الدول العربية كلها عبر جامعة الدول العربية التي كانت حديثة النشأة آنذاك.
مكتبة الملك فهد الوطنية أعادت ذكرى هذه الزيارة، من خلال إصدار خاص، أشار فيه أمين عام المكتبة محمد بن عبد العزيز الراشد، إلا أن الإصدار يهدف إلى إطلاع الأجيال الناشئة على جانب من جوانب سيرة الملك عبد العزيز، لتدرك مدى الود والمحبة بين الشعبين السعودي والمصري، وشارك في إعداد الدراسة الدكتور سلطان بن سعد السلطان، وأشرف عليها وتابعها خالد بن إبراهيم الفريح.
وكانت زيارة الملك عبد العزيز إلى مصر قد تمت عام 1946 على اليخت الملكي (المحروسة) الذي انطلق من السويس في يوم 2 يناير (كانون الثاني) عام 1946 متجها إلى جدة، وأقلّ الملك عبد العزيز آل سعود الذي استقبل استقبالا جماهيريا حافلا عند وصوله السويس، وصعد الملك فاروق إلى ظهر اليخت الملكي لمقابلة العاهل السعودي والترحيب به.
وامتطى الملكان «القطار الخاص» متجهين إلى القاهرة. وفي «محطة مصر» بالقاهرة كان كبار رجال الدولة في استقبالهما، وتحرك الموكب الملكي من محطة مصر إلى قصر الزعفران، حيث نزل الضيف الكبير ومرافقوه. وقد لقي الملك عبد العزيز خلال هذه الزيارة التاريخية التي استغرقت 12 يوما حفاوة بالغة، وجاءت بعد أن تخلص العالم من الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابة كريمة من الملك عبد العزيز لدعوة مصر لزيارتها، ممثلة في ملكها فاروق الذي وجّه تلك الدعوة أثناء الزيارة التي قام بها للسعودية في يناير 1945، وتضمّن برنامج الرحلة الملكية صلاة الجمعة في الجامع الأزهر، وزيارة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، وحضور حفل كبير فيها، وقُدمت للملك عبد العزيز الكثير من دواوين الشعر التي نشرت في مصر، وعدد من الكتب في التاريخ والآداب والفلسفة. كما شهد الملك عبد العزيز عروض الخيل وسباقاته في ميدان السباق، وشهد عرضا عسكريا للجيش الملكي. ويعد – آنذاك - أعظم عرض من نوعه أقيم في مصر الحديثة؛ حيث بلغ عدد القوات التي اشتركت في العرض 36 ألف جندي، مزودين بأحدث أنواع الأسلحة، كما تضمن برنامج الرحلة الملكية زيارة منطقة القناطر الخيرية، والبرلمان المصري، حيث ألقى الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ كلمة أشاد فيها بدور الملك عبد العزيز في دعم جامعة الدول العربية. وقال: «إن زيارتكم المباركة لبلادنا لفاتحة خير تستبشر بها الأمة العربية جميعا، كما أن هذه الزيارة زادت روابط المودة والمحبة بين مصر والمملكة العربية السعودية توثقا ومتانة».
كما شملت الرحلة الملكية زيارة مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وألقى عبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة كلمة قال فيها: «إن للملكين الملك عبد العزيز، والملك فاروق، الفضل الكبير في إقامة الجامعة العربية».
هذا وقد تم إطلاق اسم الملك عبد العزيز آل سعود على الشارع الذي يقع فيه قصر المانسترلي «مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية السابق».
وصدر وقتها بيان مشترك للملك عبد العزيز والملك فاروق، أثناء زيارتهما مقر جامعة الدول العربية، كما صدر في اليوم نفسه تصريح ملكي لهما أذاعته رئاسة مجلس الوزراء المصري، وألقاه محمود فهمي النقراشي باشا، رئيس الوزراء، جاء فيه: «إن من دواعي سرورنا العظيم أن يكون اجتماعنا في هذا المكان التاريخي في الدار الجديدة لجامعة الدول العربية، تلك الجامعة التي كان من حظنا وحظ إخواننا ملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم أن يضعوا أساسها وأن يرعوها، فيقيموها على دعائم من التعاون والتكافل لخير العرب، وخير البشر كافة، ويستجيبوا بذلك لرغبات الشعوب العربية وأملها، نحن نرغب في أن تضرب جامعتنا دائما للناس جميعا المثل في تعاون صادق بين جماعة من الدول متضافرة على سلامتها المشتركة ومتكافلة في صيانة حرياتها واستقلالها».
وتضمن برنامج الرحلة زيارة مصانع مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى، وقابل الملك عبد العزيز عددا من الوفود العربية، كما زار المزارع الملكية في أنشاص، حيث شاهد الحدائق الملكية ومحطات الري، وأقيمت للملك مهرجانات عدة للترحيب به. وفي اليوم العاشر، زار الملك عبد العزيز مدينة الإسكندرية، ونزل بقصر رأس التين، وزار منطقة الميناء، واجتمع مع الملك فاروق في قصر المنتزه، كما التقى الطلاب السعوديين الذين يدرسون هناك، وزودهم بنصائحه القيّمة، وفي اليوم الأخير غادر الملك عبد العزيز الأراضي المصرية من ميناء السويس إلى جدة عبر اليخت الملكي (المحروسة).
وخلال الزيارة التقى الملك عبد العزيز بالصحافيين ونقيبهم وأعضاء مجلس النقابة، وجاءت تصريحاته: «لقد وددت لو طالت إقامتي في مصر، فلقد أحببتها وأحببت أهلها حبا جما لا يعادله إلا حبي لجلالة أخي الفاروق، إن الإكرام الذي أكرمني إياه أخي الملك فاروق وشعبه الكريم لا أنساه مدى الحياة ولن ينساه آل سعود مهما تعاقبت الأجيال والسنون، وفي الحق إنه ما من شيء يستطيع الإنسان أن يعمله على ظهر الأرض ترحيبا وحفاوة وتكريما إلا وقد عمل لي في مصر التي لقيت فيها أخا عزيزا وملكا كريما، محبوبا تردد حب شعبه له فيما شهدناه من حفاوته البالغة، لقد كنا نسمع عن مصر كثيرا ولكن الذي رأيناه فيها فاق كل ما كنا نتصوره عنها، رأينا نهضة ورقيا وتقدما في جميع نواحي الحياة، ورأينا شعبا متقدما في الزراعة والصناعة والعلوم والفنون، فهو قدوة العرب وموضع آمالهم، وإن اجتماع هذه الأمة العربية من أقطارها المختلفة مع مصر هو علامة - بإذن الله - على التوفيق وعلى بلوغها آمالها ووصولها إلى المقام اللائق بها، ووصيتي إلى العرب أن يلتفوا حول جامعتهم العربية وأن يحلوا مشاكلهم فيما بينهم وأن يستعينوا بها على نشر العرفان والرقي فيما يعود بالخير على جميع الأمم العربية والإسلامية».
واختتم الملك عبد العزيز حديثه بقوله: «إنني أعود إلى وطني مفعم القلب بأكرم الذكريات وأحبها إلى نفسي عن أخي فاروق وشعبه وبلاده، بل شعبي وبلادي، فما مصر والمملكة العربية السعودية إلا بلد واحد وشعب واحد، إن بعدت بينهم الشقة فقد جمعت بينهم أواصر الأخوة والمحبة والمودة، تلك الأواصر الوثيقة التي لا تنفصم على الأيام عراها، التي تبقى خالدة تالدة بعون الله ثم بفضل فاروق الموفق المرموق بعناية الله».
السعودية ومصر.. علاقات راسخة رغم المتغيرات والاختلافات
الملك المؤسس وضع أسس العلاقة.. والملك سلمان أكد ثباتها
الملك عبد العزيز مع الملك فاروق أثناء زيارته الرسمية لمصر في يناير 1946
السعودية ومصر.. علاقات راسخة رغم المتغيرات والاختلافات
الملك عبد العزيز مع الملك فاروق أثناء زيارته الرسمية لمصر في يناير 1946
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








