بكين ترى «رسالة خاطئة» في عبور مدمرة أميركية مضيق تايوان

بعد يوم من تحذير أميرال من غزو صيني وشيك للجزيرة

مدمرة الصواريخ الأميركية الموجهة «يو إس إس جون فين» خلال مرورها الأربعاء من مضيق تايوان الاستراتيجي (رويترز)
مدمرة الصواريخ الأميركية الموجهة «يو إس إس جون فين» خلال مرورها الأربعاء من مضيق تايوان الاستراتيجي (رويترز)
TT

بكين ترى «رسالة خاطئة» في عبور مدمرة أميركية مضيق تايوان

مدمرة الصواريخ الأميركية الموجهة «يو إس إس جون فين» خلال مرورها الأربعاء من مضيق تايوان الاستراتيجي (رويترز)
مدمرة الصواريخ الأميركية الموجهة «يو إس إس جون فين» خلال مرورها الأربعاء من مضيق تايوان الاستراتيجي (رويترز)

بعد يوم من تحذير أميرال أميركي من احتمال اجتياح الصين لتايوان في غضون ست سنوات، قامت مدمرة الصواريخ الأميركية الموجهة «يو إس إس جون فين» من فئة «أرلي بيرك» بعملية ترانزيت روتينية في مضيق تايوان الفاصل بين البر الصيني الرئيسي والجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي، الأمر الذي أثار حفيظة بكين. وتحظى تايوان باستقلالها وحكومتها المنتخبة ديمقراطياً، ولكن بكين تعتبر الجزيرة جزءاً من أراضيها. تعيش تايوان تحت تهديد مستمر من غزو صيني، فيما تعتبر بكين الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وقد توعدت مراراً باستعادة الجزيرة بالقوة إذا لزم الأمر.
وأكدت وزارة الدفاع الوطني التايوانية، أمس (الخميس)، إبحار مدمرة أميركية من الشمال إلى الجنوب عبر مضيق تايوان، وذلك دون ذكر اسم المدمرة. وقالت الوزارة، في بيان، إن القوات المسلحة التايوانية تراقب الممر. وقال الأسطول السابع الأميركي إن «المدمرة كانت تقوم بانتقال روتيني أمس (الأربعاء)، وفقاً للقانون الدولي». وتعد عملية مرور المدمرة، الثالثة من نوعها منذ تسلم الرئيس جو بايدن السلطة «وتظهر التزام الولايات المتحدة حيال حرية وانفتاح منطقة المحيط الهادئ – الهندي»، كما جاء في بيان الأسطول السابع. واحتجت الصين على مرور المدمرة الأميركية في المضيق. واتهم المتحدث باسم القيادة الشرقية الصينية واشنطن بـ«إرسال رسالة خاطئة» بهذه الخطوة، التي وصفها بالتدخل، وقال إن مرور المدمرة يعرض السلام والاستقرار في المضيق للخطر. وقد نشر جيش التحرير الشعبي الصيني وحدات لمراقبة المدمرة «يو إس إس جون فين».
وكثيراً ما تجري السفن الحربية الأميركية في المضيق ذي الأهمية الاستراتيجية، تدريبات تثير عادة حفيظة بكين التي تؤكد أحقيتها بتايوان والمياه المحيطة بها. وتعتبر الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى أن هذا المسار مياه دولية مفتوحة للجميع. وتعبر السفن البحرية الأميركية مضيق تايوان. ويربط المضيق الذي يبلغ عرضه 180 كيلومتراً، والواقع بين إقليم فوجيان بغرب الصين وجزيرة تايوان، بين بحر الصين الشرقي في الشمال وبحر الصيني الجنوبي في الجنوب. وتأتي عملية الترانزيت الأخيرة في اليوم نفسه الذي قالت فيه بكين إن قائد القيادة العسكرية لمنطقة المحيطين الهادئ والأطلسي الأميرال فيليب ديفيدسون «بالغ» عمداً في تحذيره من احتمال غزو الجيش الصيني تايوان.
وكان فيليب ديفيدسون قد حذر، الثلاثاء، خلال جلسة استماع أمام لجنة في مجلس الشيوخ الأميركي، من أن الولايات المتحدة تخسر تفوقها العسكري لصالح الصين التي قد تغزو تايوان في غضون ست سنوات. وأضاف: «أخشى من أن يكونوا (الصينيون) بصدد تسريع مشروعهم الرامي للحلول محل الولايات المتحدة (...) بحلول العام 2050». وتابع أنه «من الواضح أن تايوان هي جزء من طموحاتهم، وأعتقد أن التهديد بديهي في العقد المقبل، لا بل في الواقع خلال السنوات الست المقبلة» أي بحلول العام 2027.
اتهم ناطق باسم القوات الجوية الصينية تشانغ تشونهوي، الخميس، الولايات المتحدة بأنها «تقوم بالتصعيد من خلال التحدث علناً» عن مرور مدمرتها عبر مضيق تايوان. وأضاف، في بيان: «نعرب عن معارضتنا الشديدة لعبور هذه السفينة الأميركية التي ترسل إشارة خاطئة وتتدخل وتتعمد مفاقمة الوضع الإقليمي». وأصبح الرئيس شي جينبينغ أكثر القادة الذين يطلقون تصريحات تصعيدية منذ ماو، ووصف السيطرة على تايوان بأنها «حتمية».
وصعّدت بكين ضغوطها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية على تايوان منذ انتخاب الرئيسة تساي إنغ - وين عام 2016 التي تعتبر الجزيرة «مستقلة» وليست جزءاً من «الصين الواحدة».
وفي سياق متصل، دعا ساسة ألمان لزيادة اليقظة في أوروبا، في ظل زيادة الإنفاق العسكري الصيني. وقال توبياس ليندنر، المتحدث باسم شؤون السياسة الأمنية بحزب الخضر لصحيفة «هايلبرونر شتيمه» في عددها الصادر أمس (الخميس)، إن قيام الصين بتوسيع نطاق قدراتها العسكرية بشكل قوي وسريع للغاية يعد أمراً مثيراً للقلق.
وأضاف ليندنر أنه صحيح أن الصين لا تمثل خطراً عسكرياً بالنسبة لأوروبا، «ولكن عندما يرى المرء أن الصين تستحوذ بشكل منهجي للغاية في أوروبا على بنية تحتية مثل موانئ أو شركات متوسطة الحجم، فإن هذا التصرف يعد عاملاً مهماً جداً لأمن أوروبا». من جانبها قالت ماريا - أجنس شتراك - تسيمرمان، المتحدثة باسم شؤون سياسة الدفاع بالحزب الديمقراطي الحر بالبرلمان الألماني «بوندستاغ» للصحيفة الألمانية ذاتها: «العالم الغربي غضّ الطرف لفترة طويلة. حالياً ترى الولايات المتحدة الأميركية أيضاً الصين بصفتها منافساً خطيراً من الناحية العسكرية. يجب أن تستيقظ أوروبا أيضاً، خاصة أن الصينيين لا يقومون بمناورات مشتركة مع روسيا في بحر البلطيق فحسب، بل سيطروا أيضاً على موانئ بيرايوس وتريست وجنوة». وتابعت السياسية الألمانية المعنية بشؤون الدفاع: «أوروبا مطالبة بالتعامل مع هذه الحقيقة على محمل الجد»، وشددت على أنه يتعين على حلف شمال الأطلسي «ناتو» تجديد عقيدة عام 2010. وقال: «حتى الآن لم يتم تضمين الصين في عقيدة حلف الناتو». يشار إلى أن الجلسة السنوية العامة لمجلس الشعب الصيني في بكين انتهت، أمس (الخميس)، باعتماد الخطة الخمسية الجديدة والميزانية. في ضوء التوترات مع الولايات المتحدة والدول المجاورة، من المتوقع أن ترتفع الميزانية العسكرية بنسبة 8.‏6 في المائة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».