في الساعة الخامسة مساء يجلس سيد أكبر الدين، الشاب البالغ من العمر 25 عاما، الذي يحمل درجة الماجستير في الفيزياء، أمام جهاز الكومبيوتر الخاص به في منزله لإعطاء دروس على الإنترنت في الفيزياء لطلبة المرحلة الثانوية في دبي وعمان والكويت. وسهّلت معرفته باللغة العربية تواصله مع الطلبة في تلك الدول، ممن يجدون صعوبة في فهم المسائل باللغة الإنجليزية.
ويلقي كل من زينب وعلي كولي، وهما في الصف الثالث الثانوي من أحد بلدان الشرق الأوسط، التحية على أكبر الدين باللغة العربية.. ثم يجلس ثلاثتهم معا لحل المعادلات الفيزيائية. ويعرض التلميذان المسائل على الإنترنت ويساعدهما معلمهما الذي يقيم في دلهي، في حل تلك المسائل مقابل 20 دولارا في الساعة. ويتواصل الطلبة مع المعلم 3 مرات أسبوعيا من خلال دروس الفيزياء. وفي موعد الدرس التالي يتواصل مع طلبة في بلد عربي آخر يدرسون على يديه الرياضيات. ويقول أكبر الدين إنه يجني ما يكفي من المال لتحضير رسالة الدكتوراه، وكذلك للإنفاق على أسرته.
وأصبحت الهند رائدة في عالم الدروس الخصوصية على الإنترنت؛ حيث تشهد طلبا متزايدا من الطلبة والمهنيين الأجانب الذين يحتاجون إلى مساعدة في أداء فروضهم المدرسية من خلال الإنترنت. كذلك اتخذت موقعا رائدا في مجال تقديم الدروس الخصوصية بأسعار معقولة خاصة في الرياضيات واللغة الإنجليزية تتراوح بين 20 و60 دولارا مقابل حصة مدتها بين 60 و90 دقيقة.
بانكاج جها، هو مؤسس شركة «إنتليباث إديوكيشينز برايفت» المحدودة، والمختصة بصفوف التدريس للأفراد عبر الإنترنت. وتتراوح رسوم تلك الدروس التي تقدمها الشركة بين 20 و40 دولارا للساعة؛ ويمكن للطلبة الدفع عن طريق الإنترنت أو أي وسيلة أخرى سواء إلكترونية أو بشيك أو نقدا. وقال كولديب فيرما، مؤسس «ريفو أونلين تيوترز»: «كانت الاستجابة ممتازة ومرضية من دبي والمملكة العربية السعودية وسنغافورة والولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم». وبعد عمله محاضرا وباحثا، بدأ فيرما هذا المشروع وهو مركز تعليم على الإنترنت في عيد ميلاده الستين في أبريل (نيسان) 2012. وقال شارحا لنموذج التعليم الذي يقدمه: «نحن نستخدم برنامج سكاي بي للحديث مع الطلبة. وفي الوقت ذاته، نرسل رابط الصف الدراسي من خلال البرنامج. ويحتوي الرابط على لوح أبيض أو أسود يمكن للطلبة والأستاذ الكتابة عليه. ويستطيع الأستاذ التدريس وكأنه في درس خاص في المنزل».
لكن ما السر وراء اختيار معلمين هنود؟ خاصة أن المعلمين الهنود يقدمون حاليا خدماتهم في بلاد مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والشرق الأوسط. ويقول شاندان أغاروال، مدير موقع Learninghour.com الإلكتروني لحلول التعليم عن طريق الكومبيوتر في دلهي: «أصبح تقديم الدروس الخاصة على الإنترنت من الهند إلى طلبة في مختلف أنحاء العالم خلال الأعوام القليلة الماضية مجالا واعدا».. لكن هناك بعض الطلبة الذين يريدون ما هو أكثر من الدروس.
ويتذكر أغاروال طالب في مسقط يحب الحديث معه عن أحدث الأفلام الهندية قبل بدء دروس اليوم. وأضاف قائلا: «ومثلما يكون الحال في صف دراسي تقليدي، تنمو رابطة عاطفية في الصف الدراسي الموجود بالعالم الافتراضي بين الطالب والمعلم الذي يشجع التفاعل الإنساني غير المتحفظ».
ويتخلف بعض الطلبة عن حضور الصفوف الدراسية على الإنترنت أيضا، لكن لا توجد عصى رقمية لعقاب المخالفين.
وتدخل ساسواتي باتنيك 6 أيام في الأسبوع خلال ساعات النهار الأولى على الإنترنت من جهاز الكومبيوتر الخاص بها. وتستيقظ المعلمة والمساعدة في حل الفروض المدرسية التي تعمل لدى شركة «تيوتر يستا» في بنغالور مبكرا لمساعدة طلبة المرحلة الثانوية الأميركيين في كتابة أوراق بحثية باللغة الإنجليزية، أو تحضير مقالات، أو إنهاء فروضهم المدرسية. وتدخل على بوابة «تيوتر فيستا» باستخدام برنامج تواصل على الإنترنت لإلقاء التحية على تلميذتها، فتقول: «مرحبا بريتني» وترد التلميذة فورا، فتسألها باتنيك: «كيف حالك؟» ويلي ذلك بعض العبارات الرقيقة ثم تسألها قائلا: «كيف يمكنني أن أساعدك اليوم؟».
كان هناك اختبار عن كتاب «البطاقة الحمراء للشجاعة» لستيفن كرين في الصف التاسع. وتناقش الاثنتان حول الرواية وشخصياتها؛ وتختبر باتنيك بريتني في بعض فصول الرواية وتسألها بعض الأسئلة. كذلك تكتب عن القضايا التي تناقشها الرواية على مدونة رقمية وتتناقش الاثنتان بينما تظهر الكلمات على ألواح الكتابة على جهاز كومبيوتر الخاص بكل منهما. ويقدم الموقع، ومقره في بانغالور ومملوك لشركة النشر البريطانية «بيرسان بي إل سي»، خدمة التدريس على الإنترنت طول ساعات اليوم للطلبة في كافة المراحل الدراسية حتى المرحلة الثانوية. وتغطي البرامج مختلف المواد الدراسية في المناهج الشائعة وكذلك اختبارات معيارية.
أجمل ما في الأمر هو الحصول على الخدمة مقابل 20 دولارا للساعة أو 100 دولار للشهر، وهو سعر يعد منخفضا جدا مقارنة بأسعار الدروس الخاصة لدى مدرسين تقليديين يتقاضون أكثر من 100 دولار للساعة. وتشبه وظيفة المدرس الخاص على الإنترنت وظيفة المدرس الخاص التقليدية العادية باستثناء أن الدروس تقدم باستخدام وسيط تكنولوجي. وسيكون مطلوبا منك تقديم دروس على الإنترنت والمساعدة في حل الفروض المدرسية، والتركيز على الاستعداد للاختبار، وحتى تقديم النصح والإرشاد. وهناك طلب على مدرسي العلوم، والرياضيات، واللغة الإنجليزية. ومن بين جميع المواد تأتي الرياضيات على قائمة المواد المطلوبة، تليها العلوم في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا، في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على معلمي اللغة الإنجليزية من الشرق الأوسط.
مع ذلك يريد بعض الطلبة تعلم مهارات أكثر صعوبة، لذا يسجلون أسماءهم على موقع «تيوتر فيستا» لتلقي دروس نهاية الأسبوع في موسيقى الكارناتيك. ويقول سريكانث من «تيوتر فيستا»: «يمثل الهنود الذين يقيمون في الولايات المتحدة الأميركية 40 في المائة من عملائنا، لذا نتلقى طلبات أحيانا من هذا النوع».
كذلك بدأ بعض الموسيقيين الهنود تقديم دروس تعليمية في الموسيقى الكلاسيكية الهندية والمعاصرة على الإنترنت لمحبي الموسيقى حول العالم بينما يجلسون ويستمتعون بالراحة في منازلهم. ويتم تقديم الدروس، التي تصل إلى 12 ساعة، على شكل صف دراسي افتراضي أو كمواد يستذكرها الطالب وحده، مما يجعل من السهل على محبي الموسيقى حول العالم التعلم في أجواء مريحة وبتكلفة معقولة.
وبدأ الموسيقي البارز شانكير صفوف دراسية على الإنترنت. وبمجرد التسجيل يصبح في إمكان الطلبة ولوج بوابة تختلف باختلاف الطالب ليجدوا مواد ومعلومات يحتاجون إليها من أجل بدء الدراسة. ومن بين الصفوف التي يقدمها المعلمون صفوف افتراضية أسبوعية يقدمها مدرس لمجموعة صغيرة من الطلبة على شاكلة التدريس التقليدية بحيث يسمح للطلبة باستعراض وتطوير مهاراتهم الموسيقية.
ونتيجة الاستعانة بمعلمين على بدرجة عالية من الكفاءة، وجدت مواقع التدريس على الإنترنت سوقا مزدهرة في الهند. ولا يشمل العملاء المستهدفين طلبة المدارس فحسب، بل أيضا مهنيين يتمتعون بمؤهلات جيدة. وهناك بعض المواقع الإلكترونية التي تستهدف المهنيين والمحامين بل وحتى أصحاب المشروعات الرائدة. ويعني هذا أن المعلمين على الإنترنت لا يدرسون للخريجين أو طلبة الدراسات العليا فقط، بل أيضا للحاصلين على درجات علمية من معاهد التكنولوجيا الهندية ومعاهد الإدارة الهندية.
ويقدر حجم عائدات شركات التدريس عبر الإنترنت للهنود في سوق الولايات المتحدة الأميركية فقط بـ50 مليون دولار، ويتوقع العاملون في هذا المجال أن يصل حجم السوق إلى 2 مليار دولار في غضون 5 سنوات. وقال كيران كارنيك، رئيس الجمعية القومية لشركات البرمجة والخدمات، وهي أحد اتحادات العاملين في تكنولوجيا المعلومات في الهند: «يبدو أن التعهيد في مجال الخدمات التعليمية سيحظى بإقبال كبير، فقطاع التعليم يشهد نموا ويزداد الطلب على المعلمين الهنود». وأضاف قائلا: «يحظى المعلمون الهنود بالاحترام والتقدير. وتقدر عائدات شركات التدريس الهندية اليوم في السوق الأميركي بنحو 50 مليون دولار، ويتوقع المشتغلون في هذا المجال أن تصل إلى ملياري دولار خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات».
من جهتها، قالت إنجو أغراوال التي تقدم دروسا في الرياضيات لطلبة أميركيين من الهند: «يبلي المعلمون الهنود بلاء حسنا ويشعر الطلبة وآباؤهم بالرضا عن مستوى العملية التعليمية». وأوضحت أنجو قائلة إنه خلال السنوات القليلة الماضية التي عملت بها في التدريس على الإنترنت اكتشفت أن الطلبة الأميركيين لا يشعرون بضغوط دراسية مثل الهنود. مع ذلك هناك جوانب من التعليم الدولي تجعلك تشعر بعدم توازن ثقافي. ويقرّ معلمون أكثر خبرة في هذا المجال بأنهم تعرضوا لصدمة ثقافية عندما خاطبهم تلاميذهم بأسمائهم دون ألقاب أو انتقدوهم بصراحة، حيث نادرا ما يتم توبيخ المعلمين في الهند، ودائما ما تتم مخاطبتهم بالسيد أو السيدة.
ويبدأ يوم أغراوال في الخامسة صباحا مع بدء طلبتها في الولايات المتحدة عمل الفروض المدرسية. واليوم دخلت على الإنترنت في الساعة الخامسة و59 دقيقة تماما لبدء صف دراسي لطالب في الصف الأول الثانوي. وهناك على جهاز الكومبيوتر برنامج خاص يتيح التفاعل السمعي والبصري بين الطرفين. وقالت: «أنا متأكدة أن كل شيء يسير على ما يرام معك»، وترد عليها الطالبة بلكنة أميركية ممطوطة: «لماذا؟». وتدربت المعلمة على التعامل مع مثل هذه المفاجآت الثقافية؛ فأدارت دفة الحديث بسلاسة نحو موضوع اليوم في درس الرياضيات وهو الأعداد الصحيحة. وتمكنت من الحفاظ على هدوء أعصابها وبدت مشجعة رغم ضعف معرفتها بالموضوع. وقالت: «عانيت كثير لإجادة اللكنة»، وأقرت أن مشكلتها الوحيدة في برامج التعليم عن بعد هي صعوبة فهم لكنة طلبتها. ونتيجة لمثل هذه التعليقات، يتم تدريب المعلمين على اللهجة العامية الأميركية والحديث باللكنة الأميركية. وفي الوقت الذي يسهل فيه هذا الأمر التواصل مع الطلبة، يشير إلى أن صبغ نهج التدريس بالصبغة الغربية هو الوسيلة الوحيدة المناسبة، لكن على الجانب الآخر يؤدي اقتلاع الهوية الهندية من نفس المعلم الهندي، وصبغ خدمة تقديم الدروس بالصبغة الغربية، إلى ضياع فرصة تبادل ثقافي ثري.
الهند تشغل موقعًا رائدًا في الدروس الخصوصية عبر الإنترنت
الطلب متزايد من الشرق الأوسط.. ومتوسط الرسوم 40 دولارًا في الساعة
معلمة في دلهي تتابع التلاميذ على الإنترنت («الشرق الأوسط»)
الهند تشغل موقعًا رائدًا في الدروس الخصوصية عبر الإنترنت
معلمة في دلهي تتابع التلاميذ على الإنترنت («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
