الشرق الأوسط المعاصر بعيون فنانيه في معرض وكتاب

خبيرة الفن الإسلامي في المتحف البريطاني: أرى الأعمال الفنية بمثابة وثائق تاريخية لعصرها

عمل للفنان عصام كرباج
عمل للفنان عصام كرباج
TT

الشرق الأوسط المعاصر بعيون فنانيه في معرض وكتاب

عمل للفنان عصام كرباج
عمل للفنان عصام كرباج

بصبر ودأب على مدى أكثر من 20 عاماً، تابعت فينيشيا بورتر، المشرفة على قسم الفن الإسلامي والشرق الأوسط المعاصر في المتحف البريطاني، مجهودات تكوين مجموعة جديدة من نوعها لفنانين معاصرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن مقتنيات المتحف العريق. بدأت عملية الاقتناء في ثمانينيات القرن الماضي، ونمت بشكل كبير حتى أصبحت اليوم تضم أعمالاً لأكثر من 300 فنان من المنطقة. وتطرح الأعمال تاريخاً وأحداثاً معاصرة قد تبدو دخيلة على متحف متخصص في التاريخ مثل المتحف البريطاني، ولكن في حقيقة الأمر فإن التاريخ القديم الذي يقدمه المتحف إنما هو حلقات في سلسلة تستمر لوقتنا هذا، وتعد مجموعة الأعمال المعاصرة بمثابة الحلقات الأحدث.
وفي عام 2006، أثبت نجاح معرض «الكلمة في الفن» لفن الشرق الأوسط المعاصر أن المتحف على الطريق الصحيح في اقتناء أعمال فناني هذا الجزء من العالم. وقتها، كونت لجنة من رعاة الفنون للإشراف وتمويل عملية اقتناء الأعمال الورقية والرسومات والمطبوعات على الشاشة والصور الفوتوغرافية وكتب الفنانين.
عن ذلك، وعن الكتاب والمعرض باسم «انعكاسات» المنبثق عنه الذي يقدم 100 عمل من المجموعة، دار حوار بيني وبين فينيشيا بورتر. نقطة الانطلاق كانت عودة للبداية، وقصة بناء مجموعة فنية متميزة محددة جداً في الخامات المستخدمة، وفي زمنها. تقول محدثتي: «أعتقد أن لدينا أعمالاً لـ300 فنان على الأقل من أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فئة معينة، وهي أعمال على الورق فقط». وتشير إلى طموح آتٍ باقتناء مزيد من الأعمال من أماكن لا يوجد لها تمثيل في المجموعة، مثل اليمن وعمان.
أسألها: «كيف تختارون الأعمال التي تنضم لمقتنيات المتحف؟»، فتجيب: «لدي فكرة واضحة عن الأعمال التي أحب أن نضيفها للمجموعة»، وتستطرد لتشرح أكثر: «ما حدث هو أننا كونا لجنة من الرعاة الفنيين، ضمن مجموعة أطلقنا عليها اسم CaMMEA (فن الشرق الأوسط المعاصر والحديث). ويقدم أعضاء اللجنة الدعم المالي لشراء الأعمال كل عام».
عملية الاقتناء لها شروط، وتحكمها لوائح ومناقشات، حسب ما تقول لنا: «في العادة، أختار العمل الذي يتناسب مع مفهوم المجموعة، وبعد ذلك نتبع الخطوات النظامية للمتحف البريطاني، وفي المرحلة الأخيرة نعرض العمل على لجنة الرعاة لمناقشة مدى مناسبته». وفي أحيان أخرى، يكون العمل مهدى للمتحف، ولكن العملية التنظيمية واحدة، إذ تضيف: «في هذه الحالة أيضاً نقوم بالخطوات نفسها، من تمريرها عبر النظام الداخلي للمتحف وعبر لجنة الرعاة».
ولكن قبل أن يمثل العمل أمام لجان مختلفة للموافقة عليه، كيف تتم عملية الاختيار؟ تقول: «من المهم أن يكون العمل منفذاً على الورق، والمعيار الأهم الذي أعمل به دائماً هو أن يكون العمل ملائماً للمتحف البريطاني، فنحن في المقام الأول متحف معني بالتاريخ، وعندما أبحث عن عمل مناسب، فأنا أبحث عن عمل يكون معبراً عن زمنه؛ مثال على ذلك عمل الفنانة السعودية دانا عورتاني (خلفاء المسلمين)، فهو معاصر، ولكنه أيضاً مرتبط بالتاريخ من خلال النسق الفني الذي اختارته الفنانة، واستخدامها لفن الزخارف التراثي. وقد تكون الأعمال معبرة عن لحظة معينة في التاريخ المعاصر، مثل مجموعة من الأعمال التي تتحدث عن الثورة السورية من عام 2011. مثل هذه الأعمال تتحدث عن زمنها، وتسمح لنا برؤية العالم عبر عيون مبدعيها».
وتضيف: «بمعنى آخر، فأنا أرى تلك الأعمال بمثابة وثائق تاريخية؛ مثال على ذلك عمل الفنان الفلسطيني تيسير بطنيجي (من دون عنوان) الذي يصور شخصاً يقف أمام حقيبة سفر ضخمة جداً. هذا العمل أسرني عندما رأيته في معرض فريز للفنون لأول مرة؛ الفنان يتحدث ليس فقط عن تجربته بصفته فلسطينياً يعيش في غزة، بل أيضاً يتحدث عن كل شخص يضطر لمغادرة وطنه ولا يستطيع العودة».

انعكاسات... المعرض والكتاب والموقع الإلكتروني

ننتقل للحديث عن المعرض الذي أعدت له بورتر، ومن المقرر أن يطلق هذا الشهر، ويضم 100 عمل من مقتنيات المتحف من الفن المعاصر من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتقول إن المعرض ضخم، وهو يمتد من قاعة العرض رقم 19 بالمتحف حتى قاعة البخاري للفن الإسلامي المجاورة. وقد حرصت بورتر منذ افتتاح قاعة الفن الإسلامي الحديثة على وجود جانب منها مخصص للفن المعاصر، وهو أمر تتحدث عنه باعتزاز دائماً. ولكن بما أن المعرض سينطلق في وقت ما تزال فيه المتاحف مغلقة، فستكون البداية افتراضية، عبر جولة تقدمها بورتر للزوار على الموقع الإلكتروني. وبواقعية، ترى أن الموقع الإلكتروني سيكون عاملاً مهماً في رؤية أعمال المعرض وأعمال المتحف حتى تعود الحياة لطبيعتها.
وبشكل خاص، ترى أن العرض الافتراضي مفيد بشكل كبير في حالة هذه الأعمال المنفذة على الورق، وتقول: «يجب أن نضع في الحسبان أنها أعمال ورقية، ولن نستطيع عرضها لفترات طويلة، وبالتالي فالموقع الإلكتروني يوفر لنا هذه الفرصة». أسألها عن الكلمة التقديمية التي ستلقيها في افتتاح المعرض: هل يساورك الإحساس بأن هناك جمهوراً أوسع استطاع الوصول لمثل هذه الفعاليات الآن عبر الأونلاين، خاصة أنه في السابق كان الافتتاح الصحافي محدد؟ توافقني على ذلك، وتقول: «بالفعل، اعتاد الناس الآن على حضور الفعاليات والمعارض في العالم الافتراضي، وأصبحوا يطلبون المزيد. في السابق، عندما كنت أقدم أياً من المعارض في قاعات المتحف، كنا نعد أنفسنا محظوظين إذا كان في العرض أكثر من 100 شخص. الأسبوع الماضي، قدم لقاء حول المعرض عبر (زووم) حضره 300 شخص، ثم بعد أن وضع على أرشيف موقع المتحف رآه 300 شخص آخر؛ أعتقد أن ذلك أمر عظيم جداً».
وتؤكد على أهمية الاستمرار في عقد اللقاءات والفعاليات عبر الأونلاين: «أعتقد أنه واجب علينا أن نعلم الآخرين بهذه الأعمال، كما نهتم بها، وكلما وضعنا أعمالاً أكثر لهؤلاء الفنانين سيتعرف عليهم أكبر عدد ممكن من الناس».

انعكاسات وتأملات بين الماضي والحاضر... وبالعكس

وعودة لأعمال المعرض، أسألها: أعرف أهمية كل قطعة في هذه المجموعة بالنسبة لك، كيف اخترت من بينها ما يعرض للجمهور؟ تقول: «كان الأمر صعباً جداً لأنه كان يجب علي الالتزام بأعداد أقل من التي أردتها بسبب المكان وإجراءات (كوفيد)؛ كان لزاماً علي أن أقلل عدد القطع بحيث تكون الأعمال المعروضة وحدة متناغمة. وفي النهاية، مثل أي معرض آخر، كان لا بد أن يكون هناك هيكل بسيط واضح حتى يستطيع الجمهور الوصول له بسهولة، ولهذا قررنا أننا نحتاج فقط لثلاثة أقسام، عكس الكتاب الذي يضم 7 فصول. والأقسام الثلاثة هي: التجريد، ثم الهيكل البشري، ثم القسم الأخير المعنون بـ(تاريخ متشابك)».
وبداية العرض مع عمل بعنوان «الحادثة» لنيكي نجومي، يتحدى المفاهيم المسبقة حول فن هذه المنطقة من العالم، ويسلط الضوء على تعقيدات الوجود بصفتك فناناً في الشتات. ومن هناك، تأخذنا هذه الغرفة للطرق المختلفة التي قدم بها فنانو المنطقة الشكل الإنساني، وتطور أساليبهم الفنية وتأثرها بالدراسة في معاهد ومدارس فن عالمية. والغرفة الثانية تفرد مساحاتها لجانب أثير في الفن الإسلامي يمتد تأثيره للفن المعاصر، وهو التجريد. نرى هنا فنون الخط والزخرفة والإضاءات وغيرها تصبح أدوات للفنان المعاصر للتعبير عن قضاياه وأفكاره.
وهنا عمل للفنانة سوزان هفونا يبدو فيه تأثر الفنانة بالمشربيات الموجودة في كثير من المدن العربية، وقد اختارت الفنانة التعاون مع حرفي صناعة المشربيات في القاهرة لتنتج أعمالاً تعكس رسائل معاصرة تدمج بين التراثي والحديث. وللفنان الجزائري الأصل رشيد قريشي نرى عمل «أمة في المنفى» الذي فيه تختلط الحروف والخطوط والرموز مع أسطر من شعر محمود درويش.
والغرفة الثالثة للمعرض تحمل عنوان «تاريخ متشابك»، وتتناول مواضيع النضال السياسي والثورة والحرب التي مرت على المنطقة من خلال عيون فنانينها، في حين أن هناك أعمالاً تتعلق بحدث معين، مثل حرق مكتبة بغداد الوطنية في عام 2003، أو مظاهرة في إيران من قبل النساء ضد ارتداء الحجاب القسري في عام 1979، الصراعات والتركيز على تعقيدات الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، أو الحرب الأهلية اللبنانية، أو الحرب الدائرة في سوريا. وتسلط أعمال أخرى الضوء على إحدى القضايا المحددة في عصرنا، وهي قضية المنفى والهجرة، ولعل أفضل ما يمثل هذا الموضوع هو عمل للفنان عصام كرباج بعنوان «مياه داكنة وعالم يحترق»؛ يصور قوارب المهاجرين أو قوارب الموت، وبدل الأشخاص هنا أعواد ثقاب خامدة مصفوفة في قوارب صغيرة مصنوعة من قطع المطاط؛ العمل موحٍ بكل المقاييس، ويحمل في كل تفاصيله مشهداً من التاريخ المعاصر، وهو ما دفع المتحف لإضافة القوارب لقائمته الشهيرة «تاريخ العالم في 100 قطعة»، لتصبح قوارب المهاجرين القطعة رقم 101 في القائمة. وهو ما يعلق عليه معد القائمة المدير السابق للمتحف نيل مكريغور بقوله: «قوارب كرباج المحملة بأعواد الثقاب المستخدم ترمز لكل المهاجرين في كل مكان: يدفعهم الخوف ويحدوهم الأمل».



التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة مانشستر الإنجليزية، عن أنَّ التَّعرُّض لضوء النهار الساطع قد يكون مفتاحاً للنوم المُبكِّر، وتحسين جودة النوم، والحصول على راحة أعمق، وللاستيقاظ المبكر كذلك.

وتُلقي نتائج الدراسة المنشورة في دورية «Biological Timing and Sleep»، الضوء مجدداً على أهمية النوم، لوصفه أحد احتياجات الجسم الأساسية، والذي قد يتسبَّب عدم انتظامه إلى حدوث اضطرابات في المزاج والذاكرة والتمثيل الغذائي والصحة على المدى الطويل.

وتُشير أدلة قوية إلى أنَّ الضوء يُمكن أن يُؤثر على توقيت النوم ويُغيِّر في توازن مراحله المختلفة، كما أنَّ النوم يُعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم كل صباح، ويُساعد على التحكم في شعورنا باليقظة والتعب.

ولاختبار ذلك، جمع الفريق بيانات واقعية باستخدام جهاز بسيط يُرتدى على الجسم، حيث ارتدى 89 بالغاً جهاز استشعار ضوئياً قادراً على التقاط الضوء الميلانوبيكي - وهو نوع الضوء الذي يُؤثر بقوة على الساعة البيولوجية - إلى جانب جهاز تتبع نوم مُتاح للمستهلكين. كما قاموا بتدوين ملاحظاتهم اليومية حول النوم.

أنتجت الأجهزة بيانات لأكثر من 500 يوم، وقد أظهرت أنَّ الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في ضوء النهار الساطع يميلون إلى النوم والاستيقاظ مبكراً. كما أظهر أولئك الذين يتمتعون بأنماط إضاءة أكثر استقراراً وأقل اضطراباً على مدار الأسبوع توقيتاً أفضل للنوم.

ووفق النتائج تمتع المشاركون الذين تعرَّضوا لضوء أكثر انتظاماً، مع تقلبات أقل حدة بين الضوء الخافت والساطع، بنوم أكثر عمقاً - وهو أمر حيوي للذاكرة والتعافي والصحة العامة - خلال الجزء الأول من الليل.

وتعكس هذه النتائج قلقاً متزايداً بشأن الحياة العصرية داخل المباني، حيث يقضي معظم الناس نهارهم في إضاءة أقل سطوعاً بكثير من ضوء النهار الطبيعي، وأمسياتهم في إضاءة أكثر سطوعاً بكثير مما يتوقعه جسمهم. وقد رُبط هذا التباين بمشكلات صحية مزمنة وارتفاع خطر الوفاة.

ويرتبط نظام النوم والاستيقاظ في الجسم، بدورة ضوء الشمس، إذ يُعزِّز التَّعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار الشعور باليقظة، بينما يساعد غيابه على الشعور بالنعاس. لذلك، فإنَّ قضاء وقت في الخارج يمكن أن يزيد من الشعور بالنعاس الطبيعي ليلاً، ويقلل الوقت اللازم للدخول في النوم، كما أنَّه يحسِّن جودة النوم بشكل عام.

وتُظهر الدراسة الجديدة أنَّ الأيام المشمسة ترتبط بنوم أفضل. كما وجد الباحثون أنَّ تقارير الأشخاص عن نومهم تتطابق عموماً مع بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. لكن عندما ازداد اضطراب النوم - مع قلة النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة - اتسعت الفجوة بين ما يعتقده الناس عن نومهم وما سجَّلته أجهزتهم. كما وجد الفريق أنَّ أنماط الإضاءة الأكثر استقراراً ترتبط بنوم أعمق يتركز في بداية الليل.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ألتوغ ديديكوغلو، من جامعة مانشستر الإنجليزية ومعهد إزمير للتكنولوجيا في تركيا: «تُظهر نتائجنا أنَّ الأيام المشرقة وروتين الإضاءة المنتظم ليسا مجرد أمرَين مرغوبَين، بل قد يكونان أساسيَّين لنوم صحي. فبمجرد التُّعرَّض المستمر لضوء النهار، يمكن للناس تحسين جودة نومهم ليلاً بشكل ملحوظ».

وأضاف في بيان الجمعة: «تُبرز هذه الدراسة إمكانية قياس البيئات اليومية باستخدام أجهزة استهلاكية بأسعار معقولة».

واستطرد أن الدراسة تُشير أيضاً إلى رسالة صحية عامة بسيطة، وهي أنَّ «الأيام المشرقة قد تؤدي إلى ليلٍ أفضل، وأنَّ الحفاظ على استقرار التَّعرُّض للضوء - وتجنب أنماط الإضاءة الخافتة والساطعة المتقلبة - قد يُساعد على تقوية إيقاعات الجسم الداخلية».


لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
TT

لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)

نجح فريق دولي من الباحثين في رسم أطلس للخلايا والجينات التي تنظم تكوين العظام وعمليات فقدانها، واكتشفوا الدور المحوري الذي تلعبه خلايا الأوعية الدموية في صحة العظام، فيما وُصف بأنه «إنجاز علمي وعالمي غير مسبوق».

ووفق دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر جينيتكس»، دمج الباحثون قراءات التسلسل الجيني مع بيانات نصف مليون شخص، ما مكنهم من تحديد مئات الجينات غير المعروفة سابقاً التي تتحكم في صحة العظام، والكشف عن الخلايا المحيطة بالأوعية الدموية كأحد أهم محركات ترميم العظام.

ويتوقع الباحثون أن يُسهم هذا الاكتشاف في تطوير علاجات جديدة لإعادة بناء العظام المفقودة، مما يُعطي الأمل لما يقرب من نصف الأشخاص فوق سن الخمسين الذين يعانون من أمراض مثل هشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وتكوّن العظم الناقص، بالإضافة إلى المصابين باضطرابات عظمية نادرة وسرطانات تنتشر إلى العظام.

وكما صرح الفريق البحثي بقيادة البروفسور بيتر كروشر والدكتور رايان تشاي من معهد غارفان للأبحاث الطبية بأستراليا، في بيان الجمعة: «تُعزز نتائج الفريق فهمنا لأمراض الهيكل العظمي بشكل جذري».

الدكتور ريان تشاي والبروفسور بيتر كروشر من معهد غارفان للأبحاث الطبية (معهد غارفان)

وقال كروشر: «لا يُدرك معظم الناس أن العظام تتغير باستمرار، إذ يُجدد الجسم هيكله العظمي كل عشر سنوات تقريباً».

وأضاف: «هذه عملية بالغة الأهمية، ولكن حتى الآن، كان فهمنا للخلايا والآليات التي تتحكم في عملية تجديد العظام محدوداً للغاية».

واستطرد: «معظم الأدوية المتوفرة حالياً تركز فقط على إيقاف أمراض العظام، بدلاً من إعادة بناء العظام المفقودة، وهو أمر بالغ الأهمية لعكس الضرر».

ومن المنتظر أن يكون لهذه البيانات آثارٌ على المعرفة الخاصة بنمو الهيكل العظمي، واضطرابات العظام النادرة، والشيخوخة، والأورام الخبيثة والالتهابات. وستساعد هذه المعرفة الأساسية في تحديد أهداف علاجية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي.

استخدم الفريق أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي لقياس الجينات النشطة داخل الخلايا الموجودة في العظام، مع التركيز على منطقة التماس بين العظم الصلب ونخاع العظم، وهي الموقع الرئيسي لتكوين العظام وتحللها.

قال تشاي إن التحليل الشامل الذي أجراه الفريق كشف عن 34 مجموعة مختلفة من الخلايا، وحدد الجينات النشطة في كل نوع منها.

واستخدم الفريق أطلسه الجديد لتحديد الخلايا المتورطة في أمراض الهيكل العظمي النادرة والشائعة، بما في ذلك تكون العظم الناقص وهشاشة العظام.

وقال جون كيمب المشارك في الدراسة إنه من خلال تحليل البيانات الجينية وبيانات كثافة العظام لنصف مليون شخص مشارك في بنك المملكة المتحدة الحيوي، تمكن الفريق من تحديد الخلايا المسؤولة عن أمراض الهيكل العظمي بدقة.

وأضاف: «تشمل هذه الخلايا خلايا معروفة بتنظيم تكوين العظام وفقدانها، بالإضافة إلى خلايا الأوعية الدموية التي لم يُقدّر دورها في صحة العظام حق قدره حتى الآن».

وقال كروشر إن البحث كشف عن فرص علاجية جديدة ليس فقط ضد أمراض العظام، بل أيضاً ضد أمراض السرطان، موضحاً أن «العظام هي المخبأ الرئيسي للخلايا السرطانية الكامنة وموقع شائع لانتكاس المرض، لذا فإن تحديد الخلايا والجينات التي تحفز تجدد العظام يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للوقاية من السرطان».

ويواصل الفريق حالياً دراسة أدوار الخلايا والجينات المكتشفة حديثاً والمسؤولة عن تنظيم العظام. وقد أُتيحت بياناتهم الرائدة للباحثين الطبيين حول العالم عبر منصة مفتوحة.


«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

يفتح هادي سي في معرضه «أرواح صاعدة» فضاءً يلتقي فيه الإنسان مع التكنولوجيا من دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الحديد الصدئ والفولاذ اللامع، مستنداً إلى فكرة تقوم على التعايُش بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة بقاء الإنسان في صُلب أي تقدُّم تقني.

الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي)

تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطاً وتفرّعات وتكوينات عضوية. تصبح قطع الحديد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والخلايا، وتظهر الأرقام داخل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشكال العضوية يُشكّل الخيط الناظم للمعرض ويمنحه تماسكه العام.

ينظر هادي سي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال أثره المتوقَّع في الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والتعاطف. ومن هذا التصوّر تنبثق المنحوتات، مُحاولةً الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته.

حين تتسارع الآلة تصبح الذاكرة أكثر قيمة (الشرق الأوسط)

ينعكس هذا المعنى في اختيار المواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بينما يعكس الفولاذ المصقول الضوء والوجوه والمكان. ومن تباين السطحين تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، وما يشيخ وما يبدو حديثاً. يترك الفنان هذه العلاقة مفتوحة على أكثر من قراءة. فتستدعي بعض الأعمال أشكالاً عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية.

كل تقدّم... امتحان جديد لِما يجعلنا بشراً (الشرق الأوسط)

يُعامل هادي سي الحديد بطريقة تُخفِّف من ثقله. يُحوله في عدد من القطع إلى خطّ مرسوم في الفراغ أو إلى شريط يلتفُّ ويصعد ويعود إلى نفسه. تتدخَّل المساحات الخالية داخل المنحوتة في تشكيلها، ويصبح الفراغ عنصراً أساسياً في بنيتها. تساعد هذه المعالجة على إضفاء حركة بصرية انسيابية، خصوصاً في الأعمال التي تتفرَّع فيها العناصر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها.

تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها على حَمْل الفكرة. تملك الأعمال الأكثر تركيباً حضوراً أقوى، لأنها تجمع بين شكل متماسك وبنية تتيح للعين أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاوية النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيقاع والمعنى. قطع أخرى تُعيد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال.

كلّ خطوة نحو الذكاء... تستحقّ خطوة نحو الذات (الشرق الأوسط)

يظهر هذا التفاوت أيضاً في العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعمال في تحويل الحديث عن الإنسان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأنّ المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخرى، يحتاج المتلقّي إلى الاستناد أكثر إلى نصّ المعرض لفَهْم الصلة بالذكاء الاصطناعي. لا تفقد هذه القطع قيمتها داخل المجموعة، لكنها لا تترك الأثر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل.

يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُستَخرجة من الصفر والواحد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضاً عن حدودها حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُوسِّع هادي سي مفرداته ويضعها داخل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقلّ عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها.

ليس كلّ ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط)

هذا المسار امتداد لخلفية هادي سي، المولود في بيروت عام 1964 لأم لبنانية وأب سنغالي، والذي تنقَّل بين التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقرَّ في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بالإنسان داخل الأنظمة التي تُحيط به، من المال والحدود إلى الذاكرة والأرقام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعاً أخلاقياً.

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها. عندها لا يعود الحديد رمزاً للصناعة وحدها، ويظهر على هيئة جذر أو جسد أو أثر حياة. وفي الأعمال الأقل كثافة، يبدو التنفيذ حاضراً بقدر الفكرة، لكن المسافة بينهما لا تُردَم تماماً.

الذاكرة... آخر ما لا يمكن برمجته (الشرق الأوسط)

يخرج المعرض في مجمله وفيّاً لرؤيته، متفاوتاً في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شيئاً من صفاته. أن ينمو ويتشعَّب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائناً يقف في الحدّ الفاصل بين ما صنعته اليد وما يمكن أن تمنحه الحياة.