الهند تشد زوارها من معدتهم

فيها في كل 200 كيلومتر نكهة

جانب من دروس الطهي المخصصة للأكل الهندي
جانب من دروس الطهي المخصصة للأكل الهندي
TT

الهند تشد زوارها من معدتهم

جانب من دروس الطهي المخصصة للأكل الهندي
جانب من دروس الطهي المخصصة للأكل الهندي

مع تميز الهند بنكهة طعام مختلفة وجديدة كل 200 كيلومتر، سرعان ما تحولت البلاد لمقصد مهم على صعيد سياحة الطعام.
وفي هذا الإطار، ظهر مصطلح «إجازة الطهي» في إشارة للرحلات والإجازات التي يكون الطعام محور الرحلة، حيث يقبل كثير من الأجانب على القدوم للهند، ليس لزيارة المتاحف والقلاع التاريخية، وإنما لاستكشاف ثقافة الطعام داخل الهند. وتعكس ثقافة الطهو الثرية والمتنوعة في الهند تأثيرات فارسية وشرق أوسطية ووسط آسيوية وجنوب شرق آسيوية. والملاحظ أن الهند تضم بين جنباتها مزيجا متعدد الجوانب من الثقافات، مما أثمر عن ظهور مجموعة متنوعة من التقاليد المرتبطة بالطهي.
وقد جرى التعامل دوما مع الأطعمة الهندية المتميزة بالكاري والتوابل ونكهات متنوعة باعتبارها فن من الفنون. ولا تزال تقاليد الطهي الهندية تجتذب اهتمام دولي متزايد، وتجتذب الروائح الممتعة للأطباق الهندية حشودا من السياح الأجانب إلى الهند.
والآن، تعد دروس الطهي والجولات المرتبطة بالطهي، الرسمية وغير الرسمية، من النشاطات المفضلة لدى الزائرين الأجانب. والملاحظ أنه ليس هناك طبق واحد يمثل البلاد، ذلك أن تقاليد ومدارس الطهي الهندية تتنوع فيما بينها بصورة كبيرة.
وتتنوع تقاليد الطهي الهندية ما بين موغلاي المنتشر في دلهي القديمة، والأطباق ذائعة الصيت في المناطق الريفية من راجستان أو أطباق الأسماك المميزة لمنطقة غوا، مما يكفل عاشقي الطهي رحلة ممتعة ومليئة بالمفاجآت عبر مختلف أرجاء البلاد. أما المقصد الأول للسياح المهتمين بالطعام فهو كيرالا، فبخلاف ما تتميز به من مناظر طبيعية خلابة، تعرض أيضا كيرالا على زائريها مغامرات طهي لا تنسى. بجانب أطباق «إدلي» وكريب «دوسا»، يمكن للزائر تجريب أطباق شديدة الخصوصية مثل «مادهوراكالو» وبيرياني دجاج مالابار و«موتون بايا ماسالا» وغيرها.
كما يحوي قلب العاصمة الهندية دلهي تجارب طعام رائعة، خصوصا بشارع بارانثي والي غالي بمنطقة تشاندني تشوك وشارع الكباب بمنطقة جاما مسجد.
أما ولاية راجستان فتتميز بمجموعة من الأطباق الشهية النباتية وغير النباتية. وتشتهر كثير من مدنها بأسواق الطعام - من جيبور إلى بوشكار. من جهتها، قالت ريتا شيند التي تتولى إدارة «مدرسة ريتا للتذوق» في غوا، إن الكثير من الأجانب، خصوصا من اليابان والمملكة المتحدة، يفدون لحضور الدروس التي تقدمها. وتستقبل ريتا باستمرار وفودا من الزائرين المتلهفين على تعلم فن إعداد مجموعة متنوعة من الأطباق المميزة لغوا. ومن بين طلابها أسماء لامعة في عالم الطهي، مثل الكاتب المتخصص بمجال الطهي غريغوري سميث والشيف ذائع الصيت نيسي ويكيز.
ومع توافد سائحين من مختلف أرجاء العالم إلى الهند للتعرف على ثقافة الطهي لديها، بدأت شركات السياحة، خصوصا تلك المعنية بالجولات المرتبطة بالطهي تحديدا، في طرح عروض خاصة توفر فرصة التعرف على أفضل تقاليد الطهي بالبلاد.
يذكر أن الخبير المتخصص بمجال الطهي، أنوبهاف سابرا، افتتح شركة معنية بتنظيم جولات سياحية ترمي للتعريف بالطهي وتقاليده المختلفة تحت اسم «دلهي فود تور»، منذ 3 سنوات. وأشار إلى أنه في البداية كان أغلبية عملائه من الهنود المهتمين بالطهي، لكن الآن أصبح الأجانب الشريحة الأكبر بين عملائه. وقال: «أتولى تنظيم قرابة 4 جولات للتعرف على الطعام في الأسبوع هذه الأيام، وينتمي 70 في المائة من عملائي لسياح أجانب يرغبون في التعرف على ثقافات الطعام داخل دلهي».
وتتضمن الجولات السياحية المرتبطة بالطهي تلقي دروس في فن الطهي وزيارة الأسواق المحلية أو أسواق المزارعين للتعرف على المنتجات وتفهم النظام الغذائي السائد بمنطقة معينة وربطها بجغرافية المكان وثقافته - وكل هذا يطلق عليها «إجازة طهي».
يعد مايك وزوجته جينيفر جزءًا من مجموعة من السياح الأجانب الذين احتشدوا داخل منزل غويال لتعلم فن طهي الأطباق الهندية التقليدية. وحرص الزوجان على تعلم فن طهي طبق «ألوجيرا» (بطاطا بالكمون) على يد راجيف غويال، معلم الطهي الخاص بهما.
وعن هذا، قالت جينيفر: «لقد نظرنا إلى الهند دوما باعتبارها جنة الطهي على الأرض وكثيرا ما استمتعنا بتناول الأطباق الهندية في بلادنا أستراليا. وكان تعلم إعداد أطباق هندية تقليدية جزء مهم من رحلتنا للهند. والآن، نستعد للعودة للوطن حاملين كميات كبيرة من التوابل كي نجرب هناك إعداد ما تعلمناه من أطباق».
ونظرا لتزايد أعداد السياح الأجانب الذين يبدون اهتماما باستغلال جزء من عطلاتهم التي يقضونها بالهند في استكشاف المطبخ الهندي وثقافته، تعرض الكثير من شركات السياحة الآن جولات مخصصة للتعرف على فن الطهي الهندي.
على سبيل المثال، تنظم شركة «ديتورز إنديا» جولات للسياح تستمر الواحدة منها 11 يوما يتنقل خلالها السائح بين أحمد أباد وأمريستار ودلهي وكولكاتا وحيدر أباد. ومن بين السياح الذين وفدوا إلى الهند للاشتراك في هذا النمط من الجولات، عيدروس زلفي، من تركيا، والذي قال: «أحد الأسباب الرئيسة وراء زيارتي الهند رغبتي في افتتاح مطعم للأطعمة الهندية في تركيا ولتنظيم رحلات إلى الهند لمسافرين قادمين من الشرق الأوسط تمزج بين التمتع بزيارة المعالم السياحية والتاريخية والقيام بجولات للتعرف على الأطباق الشهيرة بالأجزاء المختلفة من البلاد».
وبالمثل، أعرب جايانتي راجاغوبلان (42 عاما)، مؤسس شركة «ديتورز إنديا» عن اعتقاده بأن: «السياح عاشقي المغامرات يبدون اهتماما كبيرا بالطعام. إنهم يرغبون في تفهم البلاد وثقافتها والعادات اليومية لأهلها من خلال الطعام».
أيضا، تعرض الشركات السياحية برامج خاصة مثل «تنقل برفقة شيف» و«تذوق الشاي»، بجانب تنظيم جولات داخل الأسواق. بجانب ذلك، تتولى كثير من الفنادق، خصوصا في غوا وكيرالا، دروس طهي ونزهات بأسواق الطعام للنزلاء. كما تساعد مهرجانات الطهي المتزايدة على مستوى البلاد في تعزيز نمو سياحة الطهي في الهند.
في هذا الصدد، شرح ديبالي ديبناث، من شركة «إنديان هوليداي» للسياحة، أن: «هناك اهتماما متزايدا بدروس الطهي في أوساط السياح الأجانب. من جانبنا، نتولى تنظيم دروس في الطهي كجزء من جولات طهي داخل مدن مثل أغرا وجيبور ودلهي». يذكر أن «إنديان هوليداي» تطرح جولات طهي في كيرالا لمدة تستمر 7 ليالي، بجانب جولات أخرى.
من جهته، قال سانجاي كوشيك، أحد منظمي مثل هذه الجولات لدى شركة «راجبوتانا هوليداي ميكرز»: «توفر الفنادق ذات النجوم الخمسة والسبعة الرفاهية وحسن الضيافة، لكن السياح الدوليين اليوم يرغبون في التعرف على الوجه الحقيقي للهند ومعاينة قيمها وتراث الطهي لديها وأسلوب الحياة بها. لذا، ننظم لهم جولات لزيارة أسر هندية يتعلمون من خلالها فن الطهي».
يذكر أن الأطعمة الهندية ليست ثرية في مذاقها فحسب، وإنما تتميز كذلك بكونها صحية. من جهته، أشار أرفيند ناغار، الذي يستقبل زيارات من سائحين بمنزله في مالفيا ناغار للتعرف على فن الطهي الهندي، إلا أنه اندهش عندما سأله أحد ضيوفه عن الخصائص الطبية لبعض التوابل. وأضاف: «إنهم يرغبون في التعرف على هذه الأمور لإدراكهم للفوائد الطبية للتوابل الهندية. إنهم يدركون أن الأطعمة الراجستانية تتسم بكميات كبيرة من الزبد والتوابل ذات القيمة الغذائية الكبيرة التي لديها القدرة على القضاء على كثير من الأمراض. ونصطحب السياح للسوق لشراء توابل سحرية مثل الفلفل الأسود والفلفل الأحمر الحارق والزعفران والكركم والقرفة والتي تتميز بفوائد طبية كثيرة».
من جانبها، تواظب أنا شيلز من ألمانيا على حضور دروس في فن الطهي في دلهي، وأعربت عن اعتقادها بأن الطعام الهندي مثير بالنسبة لغالبية الأوروبيين. وأضافت: «استعنت بمواقع إلكترونية لتعلم إعداد أطباق هندية، لكن مشاهدة شخص يقوم بإعدادها فعلا تجربة مذهلة. كما أنني أرغب في رؤية كيف يجري تناول الكاري الهندي مع الأرز والخبز الهندي».
من ناحية أخرى، وعلى امتداد الأعوام الـ15 الأخيرة، يعمل شاكتي سنغ، من أودايبور، في تعليم الأجانب فن الطهي الهندي، مما جعله واحدا من أوائل من اقتحموا هذا المجال داخل أودايبور. وتحمل مدرسته اسم «إنديا سبايس بوكس» وتعد أحد المقاصد التي يرتادها المهتمون بتعلم فن الطهي الهندي من مختلف أرجاء العالم. وقال سنغ إنه منذ افتتاح مدرسته عام 2000، تخرج فيها أكثر من 16 ألف سائح.
كما ظهر اسم سنغ في «لونلي بلانيت» (كتاب إرشادي أسترالي) لست سنوات متتالية بداية من عام 2000. وأعرب سنغ عن فخره بأنه علم فن الطهي للمساعد الأول للشيف البريطاني الشهير جامي أوليفر.
من جهته، أوضح سمير غوبتا، خبير فنون الطهي والذي يتمتع بخبرة 30 عاما في هذا المجال، أن: «الطعام يشكل بالتأكيد مكونا مهما في أسلوب الحياة الهندي». وقد عمل غوبتا، الذي أعد أطباقا لشخصيات بارزة مثل جورج بوش والأمير تشارلز والليدي ديانا، في تدريس فن الطهي لسياح أجانب ممن يزورون جايبور. وكثيرا ما يستقبل في منزله زيارات من وفود من السياح لتلقي دروس طهي.
وقال غوبتا: «رغم أن البعض كان يطلق النكات حول الطعام الهندي لكونه مليئا بالتوابل والزيوت، فإن العجيب أن السياح عندما يرتادون فصول الطهي، يطلبون منا أن نعلمهم كيفية إعداد الأطباق الهندية بالطريقة الهندية الأصلية من دون التخلي عن أي من عناصرها. الآن، يرغبون في معرفة كيفية إعداد أطباق هندية في صورتها الهندية بالضبط. وأحيانا، يطلبون تنظيم مآدب غداء أو عشاء لرؤية كيف تجتمع الأسرة الهندية وتتناول الطعام مع بعضها البعض».
وبعد التدريبات، قد ينال بعض السائحين فرصة التدريب في أحد مطاعم المدينة.
وسعيا نحو تعزيز سياحة الطعام، أطلقت السلطات الهندية المعنية بالسياحة مبادرة «الوجبة المذهلة» والتي استغرق إعدادها 4 سنوات من قبل «الجمعية الهندية للطهي».
من جهته، قال مانيشا بهاسين شيف: «لدى السياح الأجانب فكرة محدودة عن الطعام الهندي لأنه على خلاف الحال مع دول أخرى تتغير مواصفاته كل 100 كيلومتر ومن إقليم لآخر ومن مجتمع لآخر. لذا تمثلت الفكرة الأساسية في جمع مزيج متنوع تحت مظلة واحدة».
وفيما يلي بعض النصائح السريعة إذا كنت تود القيام بزيارة للهند للتعرف على المطبخ الهندي. أولاً: امنح نفسك بضعة أيام للتكيف مع الطعام المحلي، خصوصا إذا لم تكن معتادا على الطعام المليء بالتوابل. ثانيا: إذا رأيت السكان المحليين يتجنبون بائعا ما، عليك الاحتذاء بهم. ثالثا: من الأفضل أن تتجول بمختلف أرجاء المدينة التي تزورها برفقة شيف محلي ليطلعك على الأماكن التي ينبغي عليك رؤيتها. رابعا: انطلق في جولتك بذهن متفتح، ولا تقصر اختياراتك على الخيارات الآمنة فحسب. خامسا: من الأفضل أن تنظم زيارتك في وقت انعقاد مهرجان محلي للطعام.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».