خالد خوجة لـ {الشرق الأوسط}: نحن نقاتل إيران.. والأسد مجرد أداة تنفيذية

رئيس الائتلاف الوطني السوري يرى أن الثورة لن تنتصر إلا إذا عادت إلى خطابها الأول

خالد خوجة
خالد خوجة
TT

خالد خوجة لـ {الشرق الأوسط}: نحن نقاتل إيران.. والأسد مجرد أداة تنفيذية

خالد خوجة
خالد خوجة

شدد الدكتور خالد خوجة رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض، على أن المعارضة لا تحارب (الرئيس السوري) بشار الأسد في سوريا، بل تحارب إيران. وأردف في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» أن الأسد «مجرد مدير تنفيذي للمصالح الإيرانية، وأنه لم يعد لإيران القدرة على التحمل في سوريا، وسيأتي الوقت التي تتخلى فيه عن الأسد كما تخلت عن المالكي». وأبدى خوجة خلال الحوار أسفه لتحول الوضع في سوريا إلى «حالة من الكانتونات»، مشددا في المقابل على أن المعارضة بكل أطيافها - باستثناء وحدات الحماية الكردية - ترفض تقسيم سوريا أو تفتيتها، واعتبر أن المعارضة «أمام تحدي ضرورة تغيير الخطاب لطمأنة الأقليات».
من ناحية ثانية، اعترف خوجة خلال الحوار بأن النظام استطاع إقناع المنظومة الإقليمية والدولية بأن «الثورة هي حالة فوضى، والنظام هو الاستقرار». وتابع قوله: «لقد حصلت أخطاء كبيرة من الثورة ومن الدول الداعمة لها.. كسب عبرها النظام، لكننا اليوم نرى أن الدول الإقليمية والدولية شعرت بأن النظام هو الفوضى، وهو الذي سبب الإرهاب»، ورأى أن ثمة تحديا جديا على المعارضة ربحه، يكمن في «إقناع المنظومة الإقليمية والدولية أن نجاح الثورة يعني تحقيق حالة الاستقرار بالمنطقة».
أيضا شدد خوجة على أنه ليس «مرشح تركيا أو أي دولة أخرى»، معتبرا أن «الاصطفافات أضرت بالمعارضة». وقال إنه إنما يرفع شعار إصلاح المؤسسات، مشيرا إلى أنه من المهم في مرحلة الإصلاح الداخلي «تجاوز عدة عقبات، أبرزها الحفاظ على تماسك المعارضة، وإعادة الاعتبار للمعارضة، عبر الالتصاق بالحاضنة الشعبية أكثر». غير أن خوجة رأى أن سبيل هذه السياسة الجديدة ستعترضها عقبات، منها عجز بعض المكونات عن الخروج من القالب القديم. ثم أكد أن النصف الأول من هذا الشهر «سيفضي حتما إلى أن نخرج بهيكلية جديدة بكوادر مهنية جيدة»، وجزم «بضرورة التزام كل مؤسسات الائتلاف بدورها، فلا تتعاطى الحكومة المؤقتة التي يرأسها أحمد الطعمة العمل السياسي».
ورفض الدعوات لإقامة كيان جديد للمعارضة السورية، معتبرا أن «التنوع العرقي الطائفي والديني والسياسي الموجود في الائتلاف لا نراه في أي طيف آخر من أطياف المعارضة»، مشيرا إلى أنه يمكن «تغيير الاسم لا المضمون»، مشيرا إلى أن إسقاط النظام لا يعني إسقاط المؤسسات، لا مؤسسات الشرطة ولا مؤسسات الجيش والمخابرات، بل إسقاط زمرة تحكمت بهذا النظام، ويجب أن تُزاح عن الحكم، معتبرا أنه «يمكن أن نتفق مع باقي مكونات النظام حتى يمكن أن نحتوي النظام ضمن مفهوم (جنيف 2)، ونقوم بإدارة المرحلة الانتقالية حتى تأسيس أول برلمان تأسيسي». وفيما يأتي نص الحوار:
* ما تقييمك لفترة الأربع سنوات التي مرت على سوريا؟
- في بداية الثورة كان الشباب في عمر 17 و18 سنة في درعا ينادون بالحرية. وأعتقد أن الحرية كانت حلمهم الوحيد، مثلما حققتها ثورة تونس والحراك في مصر، لكن الحلم لم يكن بريئا مثل براءة الأطفال، ومنهم الطفل البريء حمزة الخطيب الذي اعتُقل فيما بعد وعُذب وكُسرت أضلاعه وسُلم إلى أهله جثة هامدة. لم يتوقع حمزة أن النظام همجي وقاتل بحيث يفعل بكل شعب سوريا كما فعل بحمزة نفسه.
* لكن الأمور تغيرت سريعا.. وبدأت الفوضى تنتشر.
- كثير من الدول تعتبر أن الثورة كانت في البداية حالة فوضى، وهذا ما عمل عليه النظام، واستطاع أن يُقنع المنظومة الإقليمية والدولية بأن الثورة هي حالة فوضى بينما النظام هو الاستقرار. لقد حصلت أخطاء كبيرة من الثورة ومن الدول الداعمة لها.. كسب عبرها النظام. ولكننا اليوم نرى أن الدول الإقليمية والدولية شعرت بأن النظام هو الفوضى، وهو الذي سبب الإرهاب، وهو من أطلق تنظيم داعش وجبهة النصرة والمجموعات المتشددة الجهادية من السجون، وهو الذي يتحكم فيها. أصبح أمامنا تحدي إقناع المنظومة الإقليمية والدولية بأن نجاح الثورة يعني تحقيق حالة الاستقرار للمنطقة.. لكل المنطقة، لأنه إذا بقي شخص مثل بشار الأسد: «مجنون» ويعيش الأوهام، على رأس السلطة، يعني استمرار الفوضى. وحقا قال صحافي تركي عنه: «الرئيس الذي يقهقه ملء شدقيه بينما شعبه يبكي دما». وهذا أدق توصيف لبشار الأسد. مع وجود شخصية مريضة كهذه نشهد يوميا البراميل المتفجرة والذبح بالسكاكين على يد المنظمات التي استجلبها النظام برعاية إيرانية، وعلى يد المنظمات الإرهابية الأخرى التي خرجت من رحم المخابرات، سواء السورية أو العراقية.
* ما القناعة التي توصلتم إليها بعد هذه السنوات؟
- الآن، بعد 4 سنوات، شعرنا، كمعارضة سياسية، وأغلب المعارضة العسكرية، بأنه لا يمكن بعد هذه التجربة المريرة الذي قتل فيها أكثر من 300 ألف سوري وانتهى أكثر من ربع مليون في المعتقلات وفوق هؤلاء نحو 13 مليون مشرد، شعرنا بأنه لا يمكن أن تنتصر الثورة إلا إذا عدنا إلى خطاب الثورة الأول؛ الحلم الذي كان في رأس حمزة الخطيب، وهو أن نكون يدا واحدة، وأن يكون هناك لحمة وطنية من جميع الأطياف مع بعضها، ومن دون هذه الفروق الإثنية والطائفية، كلنا مع بعض.
التحدي عندنا اليوم هو أن نثبت كمعارضة سياسية وكجيش حر ونشطاء مجتمع مدني أن الشعب السوري واحد ونحن يد واحدة. لذلك علينا كائتلاف هو أكبر مظلة للمعارضة، أن نعيد الاعتبار إلى جسم المعارضة، ورسم صورة المعارضة في أذهان المجتمع الدولي، وإثبات أنه يمكننا أن ندير المناطق المحررة بعقل دولة، وليس بعقل مجموعات ومنظمات، وأن الجيش الحر يمكن أن ينتظم ضمن منظومة عسكرية هيكلية تراتبية وفق الأنظمة العسكرية، فيها نظام المحاسبة ونظام الأوامر، وفيها التسلسل التراتبي كما في الأنظمة العسكرية النظامية. إن أكبر تحدٍّ لنا هو تحقيق هذا الهدف، فإذا حققناه أعتقد أنه لن يكون أمام نظام بشار الأسد أي فرصة للاستمرار.
أما على صعيد الوضع الإقليمي، فإننا نشهد في الآونة الأخيرة هبوطا سريعا لأسعار النفط، وأكبر داعمين لنظام بشار بين دول العالم هما إيران وروسيا، اللتان أصبحتا تشعران أنهما تُستنزفان في سوريا. روسيا عندها مشكلة أوكرانيا، وأيضا مشكلة دعم النظام المستمر بالأسلحة والعتاد وطبع الأموال. وإيران تشعر بعد تمددها إلى رقعة جغرافية كبيرة وصلت إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان، بجانب إثارتها بعض القلق في بلدان خليجية، ثم هبوط أسعار النفط، بأن العبء عليها بات ثقيلا، وهي تحس بالاستنزاف، ثم إن النظام «السوري» يدرك تماما أن طول أمد الحرب ليس في صالحه، ومحاولة روسيا الأخيرة لاستضافة مؤتمر حواري بين المعارضة والنظام اعتبرناها نحن لعبا في الوقت الضائع؛ روسيا كانت تحاول خلق النظام من جديد، لكنها تعرف تماما أن هذه الأدوات والإمكانيات غير المتوافرة، كما أن أي حوار بين معارضة ومعارضة لا يكون فيه الائتلاف الوطني السوري فاشل أيضا.
إن أبواب الائتلاف مفتوحة لجميع قوى المعارضة الأخرى. نحن مستعدون لأن نجتمع معها على أرضية مشتركة ونتفق على أطر ومبادئ مشتركة يمكن أن تقودنا إلى عملية تفاوضية جديدة، مثل «جنيف 3»، ولكن من حيث انتهى «جنيف 2»، وليس بمفهوم جديد. «جنيف 2» شكلت مكتسبات مهمة جدا للمعارضة السورية.. وضمن هذه الأُطر أبواب الائتلاف مفتوحة لباقي أطراف المعارضة. وهنا أقول إن عملية الحوار بيننا وبين باقي أطراف المعارضة مستمرة. لقد بدأنا في الحوار قبل تسلمي رئاسة الائتلاف بنحو شهر، وعندما تسلمت زمام الأمور التقيت شخصيا مع موفدين من المعارضة الموجودة في دمشق، وأرسلنا موفدين إلى القاهرة للقاء هيئة التنسيق، وسنستمر بالحوار بين المعارضة والمعارضة حتى يتم التوصل إلى أرضية مشتركة.
* هل هناك بوادر مشجعة بشأن توحيد المعارضة بمنطقة واحدة؟ هل هناك شيء عملي نتيجة هذا الحراك؟
- عملية الحوار بدأت.. بغض النظر عن أن موسكو فشلت، أو أن مؤتمر القاهرة لم ينبثق عنه شيء عملي. بدء عملية الحوار نفسها شيء إيجابي.
* هل هناك جدول أعمال لهذا الحوار؟
- نتحدث عن آليات التفاوض مع النظام، وأسس هذا التفاوض. بالنسبة لنا.. رؤية المعارضة السورية أعلناها في أكثر من مناسبة. موقفنا واضح ولا يوجد موقف معلن وموقف غير معلن، وما نقوله أمام الإعلام، نقوله أمام باقي أطراف المعارضة الأخرى.
* ما مفهوم الحل السياسي في ظل الوضع القائم على الأرض السورية؟
- عندما نتكلم عن الحل السياسي، فلا بد أن نفكر بواقع أهلنا على الأرض. هناك تحديات كبرى تعترض سبيلنا على صعيد توصيل الخدمات إلى المناطق المحاصرة أو المناطق المحررة. النظام يسيطر الآن على نحو 40 في المائة فقط من الأراضي السورية، ويحتفظ بالعاصمة دمشق، بينما الغوطة المحاصرة تشكل نحو 30 في المائة من دمشق وهي تحت سيطرة المعارضة. أيضا يسيطر النظام على حمص وجزء من ريف حماه، وعلى الساحل.. لكن سوريا للأسف الشديد تبدو في حالة «كانتونات».. فالجنوب منفصل تماما عن العاصمة دمشق، وتحكمه فصائل متعددة من الجيش الحر، والشمال انقسم إلى 3 أقسام: الشمال الشرقي تحت سيطرة «داعش» (الرقة وجزء من دير الزور والبوكمال وجزء من الحسكة)، وحلب وبعض الشمال الغربي تحت سيطرة الجيش الحر، وإدلب أصبحت بنسبة 70 في المائة تحت سيطرة «النصرة». هذه «كانتونات» جغرافيتها متنقلة. ولكن صار واضحا أن النظام لن يكون قادرا على حكم كامل الأراضي السورية، وهذا ما ولد «الكانتونات». وبالتالي، ضمن هذه الحالة العرضية غير الثابتة نتحدث عن «سيطرة» وليس عن «حكم»، أي أن هناك مَن يسيطر على المعابر وطرق الإمدادات، لكن هذا لا يعني أن أيا من الأطراف يحكم المنطقة الجغرافية التي يسيطر عليها.
* في ظل هذا التشظي ألا تخافون على سوريا الموحدة؟ هل سيصبح التفتيت أمرا واقعا؟ وكيف يمكن مواجهته؟
- لعبة التفتيت جاءت بداية من طرف النظام، وذلك منذ اللحظة التي استجلب فيها ميليشيات غير سورية من مختلف الدول. أفراد الجيش الحر عندما يأسر مقاتلين، نجد أنهم يرتدون الزي الرسمي العسكري السوري لكنهم لا يتكلمون اللغة العربية؛ فهم إما أفغان أو باكستانيون أو هنود أو كوريون أو إيرانيون، ناهيك عن الآتين من العراق ولبنان وبعض أفراد الميليشيات الشيعية التي أتت من الخليج. منذ اللحظة التي استجلب فيها النظام الميليشيات الشيعية هو أراد لسوريا أن تتفتت. لكن هذه حالة عرضية، ولن يستطيع النظام أن يخرج من المأزق الذي وقع فيه عبر استراتيجية يحافظ بموجبها على جزء فقط من الأراضي السورية التي يسيطر عليها، ويساوم على بقائه في الحكم مقابل أن تبقى باقي المناطق «كانتونات» تسيطر عليها قوى أخرى. نحن كائتلاف يجمع غالبية القوى السياسية الكردية والآشورية والتركمانية واليسار واليمين والإخوان المسلمين وغيرهم لن نسمح بذلك. لا الحالة السياسية ولا العسكرية للمعارضة تسمح، باستثناء حالة خاصة جدا، هي «وحدة الحماية الكردية»، التي ما زالت إلى الآن تظهر على أنها ليست حالة معارضة للنظام، بل نراها في بعض الأحيان تؤدي أدوارا نيابة عن النظام في المناطق الشمالية. وباستثناء هذه الحالة، أؤكد أن كل المعارضة موحَّدة على أن سوريا بعد سقوط الأسد وزمرته ستبقى سوريا موحدة.
* إلى متى تتوقع أن يتمكن هذا النظام من الصمود؟
- أعتقد أننا لا نحارب بشار الأسد في سوريا، بل نحارب إيران. الأسد مجرد مدير تنفيذي للمصالح الإيرانية، ولكن ما عاد لإيران القدرة على التحمل في سوريا، وسيأتي الوقت التي تتخلى فيه عن الأسد، كما تخلت من قبل عن (نوري) المالكي في العراق. وبالنسبة للمنظر السياسي الدولي، نرى أنه أصبح هناك دول، خارج أميركا، عربية وأوروبية تشعر بأنها أخطأت عندما لم تتدخل في ضرب النظام بعدما قصف الغوطة بالأسلحة الكيماوية. وهناك 5 دول وازنة في «مجموعة أصدقاء سوريا» هي فرنسا وألمانيا والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا مقتنعة بضرورة التخلص من نظام الأسد ومنظومته المخابراتية. لهذه الأسباب أعتقد أن بشار الأسد لن يستطيع أن يتحمل هذا الاستنزاف لعام آخر. إن كل شيء مرهون، وما نعيشه حرب دولية بالوكالة، وبشار الأسد أصبح وكيلا عن إيران.
* كيف ستستثمرون هذا الاندفاع الدولي؟
- علينا أن نبدأ بمرحلة الإصلاح الداخلي، وإنجاز 3 مهمات: الأولى هي الحفاظ على تماسك المعارضة عبر إحلال آلية التوافق بدل الاصطفاف التي كانت ملحوظة على مدى السنوات الأربع الماضية. والثانية هي إعادة الاعتبار للمعارضة، وهذا يقتضي الالتصاق بالحاضنة الشعبية أكثر، وتشكيل البوصلة للمرحلة المقبلة من نشطاء وجيش حر وتوفير الخدمات للمناطق المحاصرة، إلى جانب تفعيل الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الطعمة لتقوم بمهام تنفيذية لا سياسية، لخدمة السوريين في الداخل. ومن ثم الجيش الحر ينضم تحت قيادة وزارة الدفاع وقيادة الأركان، ومن شأن هذا إعادة الاعتبار للائتلاف أمام الدول الداعمة، لأنها تريد دعم الائتلاف إذا وجدت أنه يفكر بعقل دولي، وهذا ما نعمل عليه الآن، وهذا تحد كبير. والثالثة، هي الحفاظ على المؤسسات.. إننا عندما نتحدث عن إسقاط النظام لا نتحدث عن إسقاط المؤسسات، لا مؤسسات الشرطة ولا مؤسسات الجيش والمخابرات، بل نتحدث فقط عن زمرة تحكمت بهذا النظام ويجب أن تزاح عن الحكم. هذا يعني أننا يمكن أن نتفق مع باقي مكونات النظام حتى يتسنى أن نحتوي النظام ضمن مفهوم «جنيف 2»، ونقوم بإدارة المرحلة الانتقالية حتى موعد تأسيس أول برلمان تأسيسي تنتهي معه مهمة الائتلاف، بينما الحكومة المنتخبة من البرلمان هي التي ستستمر في إدارة العملية.
رؤيتنا السياسية واضحة، وخارطة الطريق واضحة. كانت المشكلة التي واجهت المعارضة السياسية أن بعض القوى الإقليمية تدخلت في الملف السوري، لكنها اليوم تشعر بأنها أخطأت بتدخلها، وما نفعله نحن الآن هو الأخذ بزمام المبادرة العسكرية والسياسية.
* ما الحل الذي يمكن أن تصلوا إليه مع النظام؟ وما ضمان تنفيذه؟ وكائتلاف على من تمونون على الأرض بسوريا؟
- خلال السنوات الأربع الماضية تأكدنا أنه لا يوجد ضمانات غيرنا. لن تأتي أي دولة لكي تضمن هذا الاتفاق، بسبب الخلاف داخل مجلس الأمن الدولي نفسه. روسيا والصين تحاولان عرقلة أي قرار. وهذا مؤشر لنا؛ فكل قرارات الأمم المتحدة، كما في القضية الفلسطينية، تتهدد بالتعطيل في مجلس الأمن لوجود نظام معطّل داخله.. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه للحصول على ضمانات. الضمان الوحيد هو الشعب السوري والجيش السوري الحر لتحقيق نجاحات على الأرض.
ولكن أمامنا مشكلة أخرى تتمثل بالمجموعات الإرهابية، مثل «داعش» و«النصرة» وإخوتهما. هذا الأمر يحتاج إلى تكاتف دولي، ولقد انطلقت جهود في هذا الإطار مع الدول الصديقة لبحث كيفية محاصرة تمدد «داعش» الذي يحتاج إلى حليف على الأرض لمواجهته. في بعض المناطق في دير الزور انسحب مقاتلو «داعش»، منها محيط مطار دير الزور، ولكن دخلها جنود النظام. هذا مؤشر على وجود تنسيق تام بين «داعش» والنظام، وكان هناك أيضا تنسيق بينهما في حلب. لكنني أقول إن ثمة عملية أعدت ببطء، لكنها قد تبدأ على الأرض في أول الشهر الثالث (مارس «آذار» المقبل) أو الرابع (أبريل «نيسان»)، بحيث يغدو الجيش الحر شريكا فعليا في محاربة الإرهاب على الأرض.
وكما أعلن اللواء سليم إدريس، فسيُشكل جيش قوامه 60 ألفا من «الجيش الحر» للعمل تحت إمرة وزارة الدفاع وهيئة الأركان، لمحاربة «داعش»، والدفاع عن النفس في حال هجوم النظام. هناك برامج سابقة قبل التدريب والتجهيز معدّة سلفا من قبل الدول «الصديقة»، ووزارة الدفاع. وهذه البرامج مستمرة، وحققنا بالفعل في جبهة الجنوب (بالذات في محافظة درعا) انتصارات كبيرة في محيط مدينة الشيخ مسكين حتى وصلنا إلى دمشق.. ويمكن فك الحصار عن دمشق في أي لحظة، إذا كان هناك عملية منسقة مخططة. أما في الشمال، فأمامنا تحدٍّ يتمثل بجمع الفصائل تحت مظلة وزارة الدفاع. بالمناسبة، عدد الجيش الحر أكبر من عدد الجيش النظامي الآن، وقدراته القتالية أكبر، ومع أن الجيش النظامي يحتمي بالقوة الجوية، فإنه على الأرض يفشل دائما. خذ على سبيل الغوطة المحاصَرة منذ أكثر من سنتين وهي على بعد 7 كيلومترات فقط من قلب العاصمة، ومع هذا لا يستطيع النظام أن يدخلها. كذلك حلب وحي الوعر في مدينة حمص وأجزاء كثيرة في الجنوب. النظام في حالة منتهية.. لكن المشكلة أن أميركا لا تريد أن ينهار نظام الأسد في ساعة غير محسوبة.
* بملف إدارة الأرض، ماذا أنجزت الحكومة المؤقتة؟
- الحكومة المؤقتة تعتمد في الأساس على الإدارات المحلية التي تشكلت في المدن والمناطق السورية، حتى في الغوطة المحاصَرة هناك مجلس إدارة ومكتب للائتلاف. وفي حمص وحلب وفي كل المناطق السورية توجد مجالس إدارة محلية، وتحتها هيئات (هيئة الأمن والقضاء وغيرهما). والتحدي بالنسبة لنا هو كيف نجعل هذه الهيئات هي الهيئات الحاكمة بهذه المناطق. أما في المناطق التي تسيطر عليها قوى مثل «داعش» و«النصرة» فالأمر مختلف تماما، لأن هؤلاء يشعرون بأن الائتلاف والحكومة المؤقتة عدو لهم. ولكن رغم هذا، في المناطق التي تسيطر عليها المجموعات الإرهابية، ونتيجة لعجز هذه المجموعات عن تأمين كل الخدمات، تستطيع الحكومة المؤقتة توصيل المساعدات إلى الإدارات المحلية.
إن ما خصصه النظام من ميزانية خلال 4 سنوات لإدارة المناطق مبلغ 78 مليار دولار، لكن ما وصل للمعارضة قبل الائتلاف، والمجلس الوطني السوري، والحكومة المؤقتة، على مدى 3 سنوات لا يتجاوز 214 مليون دولار. في المقابل، حين أعلن «داعش» ميزانيته لعام 2015 تبين أنها تبلغ مليارا و250 مليون دولار، بفائض 200 مليون دولار. هذا يعني أن 120 دولة لم توفر للمعارضة على مدى 4 سنوات سوى 214 مليون دولار، مقابل ما وفرته روسيا وإيران فقط للنظام من أموال. لذا سنطالب في المرحلة القادمة الدول «الصديقة»، إذا كانت حقا «صديقة»، توصيل المساعدات عبر مؤسسات المعارضة، لأننا نحن مَن يتحكم بالأرض، ونستطيع أن نوصل هذه المساعدات، وعندنا وزارات (الطاقة والمواصلات والدفاع والتربية والصحة والبنى التحتية والإدارات المحلية، وهيئات الدفاع المدني وهيئات الأمن). وللعلم، وزارة التربية وحدها تحتاج إلى 50 مليون دولار لإدارة برامج التربية والمدارس في المناطق المحررة، ولكن كل ما وصلنا في العام الماضي هو 5 ملايين دولار، أي 10 في المائة، لذلك إلقاء اللوم على المعارضة جائر.
في أي حال، في المرحلة المقبلة سنسعى ضمن مجموعة «الأصدقاء» لأن نجلب مزيدا من الدعم. لدينا ميزانيات وخطط وبرامج نعمل عليها وسنفرغ منها بعد 10 أيام، وعندها سنعرضها أمام مجموعة «الأصدقاء»، ونطلب منهم تقديم الدعم مباشرة إلى الحكومة المؤقتة ومؤسسات الائتلاف.
* هل كان وصولك إلى رئاسة الائتلاف بداية لتغليب الدور التركي داخل ائتلاف السوري؟
- عنوان وصولي إلى رئاسة الائتلاف كان إحلال التوافق بدلا من الاصطفاف داخل مؤسسة الائتلاف. والواقع أنني لم أرشح نفسي حتى صبيحة الانتخابات، وكان المرشح لرئاسة الائتلاف هو الأمين العام الحالي يحيى مكتبي، والمرشح لمنصب الأمين العام رياض الحسن مقابل مرشح كتلة أخرى تضم الإخوان المسلمين والديمقراطيين. أنا من أصول تركية، ومع هذا أول من تلفظ بأن يكون خالد خوجة رئيسا للائتلاف هم أعضاء من المجلس الوطني الكردي، وزكى هذا الاقتراح عضو كتلة التوافق سمير نشار، وأكده خالد الناصر من التيار الاشتراكي، ولم يحصل اعتراض على وجود خالد خوجة رغم أنني أبلغتهم أني غير مرشح، لكنهم قرروا أنه إذا تم الاتفاق على اسمي فلا خيار لي بالانسحاب.
وبعد الانتخاب أتت الكتل الأخرى التي لم تنتخبني إليّ، وزارتني، ووعدوا أنهم معي في سياسة التوافق. التوافق بالنسبة لنا أصبح أمرا حتميا، وحالة الاصطفاف لا تلائم الثورة ولا يجوز أن يكون هناك فائز ومهزوم.. نحن كلنا ثوار.
طبعا هذه السياسة الجديدة فيها أولا بعض المصاعب، لأن بعض المكونات لم تستطع بعد أن تخرج من القالب القديم. وثانيا، التعامل مع الأمور أصبح سياسيا واستوجب أن يكون هناك غض النظر عن ترهل الكوادر، سواء في الائتلاف أو الحكومة أو هيئة تنسيق الدعم. كل مكون وضع لنفسه كوادر. وإذا نظرنا إليها الآن نجد أن عدد الموظفين كبير جدا، أو أن المبالغ التي نحن أولى بصرفها على الداخل نصرفها على مؤسسات الائتلاف في الخارج. وهكذا، فعملية إعادة الهيكلة تحتاج إلى عملية إصلاح داخل مؤسسات الائتلاف، وهذا أخذ من وقتنا الكثير، بسبب التعامل مع ملفات موسكو، ولكن النصف الأول من هذا الشهر سيفضي حتما إلى أن نخرج بهيكلية جديدة وبكوادر مهنية جيدة.
* إذن سنشهد في هذه المرحلة عملية «شدشدة» لمؤسسات الائتلاف، وفصل بين سلطاته؟
- نعم، بحيث يكون الائتلاف هو المظلة السياسية التشريعية.
* والحكومة أداة تنفيذية ممنوع أن تتعاطى بالسياسة؟
- تماما.
* والجيش الحر؟
- تحت مظلة الأركان.
* سمعنا بفترة من الفترات خطابا يقول إنه يجب أن تكون هناك هيئة جديدة تمثل المعارضة السورية، والائتلاف أصبح مكونا من مكونات المعارضة، وليس المكون الأساسي فيها. ما رأيكم بهذا الموضوع؟
- الائتلاف مؤلف من جميع مكونات وفسيفساء الشعب السوري، وإذا ما نظرنا إلى أي لون من ألوان المعارضة الأخرى خارج الائتلاف، نجد أنها من لون واحد. إذا كانت هذه الفسيفساء ينقصها لون، فأهلا بهم لاستكمال اللوحة الكلية، ولكن أن تذهب هذه الفسيفساء كلها، ويُصار إلى دمجها بلون واحد فهذا خطأ كبير، خطأ دمجنا الكل في الجزء.. والمنطق لا يقبل هذا الطرح.
يمكن أن نغير الاسم، لا مشكلة في ذلك، لكن من ناحية المضمون «التنوع العرقي والطائفي والديني والسياسي» لا نراه في أي طيف آخر من أطياف المعارضة. لذلك الائتلاف سيكون القاطرة في أي عملية حوار بين المعارضة.
* يقال إن لديك علاقات مميزة مع العسكر على الأرض، خصوصا الجماعات المتشددة؟
- أنا لست رجلا عسكريا ولا أفهم بالعسكر، ولكن قبل أن أكون رئيسا للائتلاف، كان لديّ جهود طرحت من خلالها أمام العسكر فكرة الهوية السورية العليا، كما كان يراها حمزة الخطيب، بغض النظر عن الخطاب الذي تحول فيما بعد إلى خطاب آيديولوجي، لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تعاطى في المدينة وفق عبارة «يا أيها الناس»، وليس «يا أيها المؤمنون». وعندما تحولت الثورة إلى خطاب «يا أيها المؤمنون» فقدنا البوصلة، لأن الحرية مكفولة للجميع، لذلك الخطاب يجب أن يكفل حرية الجميع.
وجاء الخطاب المتخلف البعيد عن روح الإسلام، كان ماديا.. تماما كالحملات الصليبية من أوروبا إلى مسيحيي الشرق، بهدف مادي، بينما الحجة دينية.. هذا ما نعيشه اليوم في سوريا. لقد أصبح هدفا خطابيا إحلال الخطاب السوري الخالص الوسطي المعتدل، لكن العنصر الأجنبي دخل إلى سوريا واستطاع مع الأسف أن يفكِّك اللحمة الوطنية السورية. وهنا أكرر مصلحة النظام اليوم في استراتيجية الخروج من المأزق، ولو أراد أن يحتفظ بمنطقة معينة، فهو يرى أن حرب الاستنزاف لصالحه.. وليست لصالح الشعب السوري.
* يقال إن المعارضة فشلت في تطمين الأقليات بخطابها؟
- أعتقد أن بداية خطاب المعارضة كانت جيدة، لكن فترة السنة والنصف سنة الماضية تراجعنا إعلاميا. ومن أهم الخطط الإصلاحية ستكون التواصل مع الإعلام العالمي والإعلام السوري. ويهمنا جدا الحاضنة الشعبية بكل مكوناتها، لأن سوريا ستكون للجميع. لقد تراجعنا إعلاميا بسبب نقص الإمكانيات الكافية لبناء استراتيجية علاقات عامة تظهر رؤيتنا الصحيحة للغرب.
أما في سوريا، فإن الشعب السوري يعلم جيدا أن العناصر المتطرفة تلعب ضدنا وضد الشعب لصالح النظام، لذلك يوجد الآن إجماع على ضرورة إعادة اللحمة الشعبية والخطاب الجماهيري للداخل، وإظهار أنفسنا أمام الرأي العام الغربي كما نحن حقا. وبذا سنعطي دفعة أمل جديدة للشعب السوري.



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.