إشكالية التجنيس بين الرواية والشعر والملحمة

«لبابة السر» لشوقي كريم نموذجاً

اللوح الأول من ملحمة جلجامش
اللوح الأول من ملحمة جلجامش
TT

إشكالية التجنيس بين الرواية والشعر والملحمة

اللوح الأول من ملحمة جلجامش
اللوح الأول من ملحمة جلجامش

تثير رواية «لبابة السر» للروائي شوقي كريم (2020) مجموعة من الإشكاليات منها: إشكالية تجنيس الرواية. فالرواية تهبط إلى القاع التاريخي لحضارة وادي الرافدين، وبشكل خاص في بابل وسومر، وتعيد بناء فضاء تأريخي تخييلي وافتراضي تتحرك فيه شخصيات الرواية، عبر تعالق خفي بين الماضي والحاضر، حتى لتتحول الرواية إلى مرموزة أليغورية تتخذ من التاريخ حاضنة لها، للتعبير عن سيرورة نسغ الاستبداد الممتد منذ أولى الحضارات وصولاً إلى العصر الحاضر، للوصول إلى «سر الأسرار» أو ما سماه المؤلف في عنوان الرواية «لبابة السر» في ملاحقة لتناسل أنماط الاستبداد والهيمنة والتحكم بمصائر الفرد العراقي عبر التاريخ.
تتخذ الرواية من بنية الميتاسرد إطاراً سردياً لها من خلال قصدية عملية التدوين على الرقم الطينية التي يقوم بها المدون أو «الرقّام» شوقياً، وهو اسم المؤلف الأول «شوقي» مكيفاً مع الأسماء التاريخية ليتنزل منزلة الآلهة، حتى ليذكرنا ببروميثيوس الذي سرق أسرار النار والمعرفة وسلمهما إلى الإنسان، أو بشخصية رسول الآلهة ومؤول خطاباتها (هرمس)، وربما ببطل رواية «أوراق معبد الكتبا» للروائي الأردني هاشم غرايبة المسمى «سفيان الثمودي»، رئيس النساخين في مملكة الأنباط في بترا.
كما أن الرواية عبارة عن متن مدون على رقم طينية كان يكتبها بانتظام الرقام (شوقياً) منذ نعومة أظفاره عندما كان حدثاً، إلى أن شبّ ونضج وراح يكتشف الحقائق والأسرار من خلال سلسلة الأسئلة التي كانت تحاصره، إلى أن حدث التحول الحاسم في شخصيته، وانكشفت له الرؤيا، بعد أن كان مجرد حدث تكنوقراط في مكاتب المعابد مطيع، ومنفذ لأوامر وتوجيهات الكهنة والآلهة كنموذج امتثالي إلى شاب ناضج متمرد رافض لكل هذا الإرث الكريه الذي أتاح حق الهيمنة على البشر واستغلالهم، وهو حق مزور وغير مشروع، ذلك أن البشر ليسوا بحاجة أصلاً إلى سلطة الكهنة، في ثورة فكرية وفلسفية رافضة لكل أشكال الميتافيزيقيا.
إن هذه النقلة في وعي البطل جعلت منه شخصية نامية ومتطورة. وقد أدى هذا الموقف المتمرد الرافض إلى تعريض المدون أو الرقّام (شوقياً) إلى صنوف من التعذيب والاستجواب، لكنه ظل حتى النهاية يحلم بغد أجمل لأرض السواد التي كانت دائماً عامرةً بالرجاء، وهذا ما اختتم به المدون كلمات الرواية الختامية:
«أنا شوقياً/ البابلي المنشأ... أدوّن ما يمكن تدوينه، لكني أبداً، أبداً أظل مشدوداً إلى فكرة قالها حلمٌ قد مضى:
- يا، لأرض السواد: كم أنت عامرة بالرجاء». (ص 46)
وربما، لأن الروائي اختار التاريخ الرافديني البابلي والسومري تحديداً، في زمن التدوين على الرقم الطينية فقد وجد نفسه قريباً من نمط الكتابة في ذلك العصر، وبشكل أخص الشكل الملحمي، واللغة التأملية والتضرعية، فجاءت الرواية تحاكي البنية الملحمية، تحديداً في «ملحمة جلجامش»، حيث نجد تناصات كثيرة بين النصين، فضلاً عن استثمار لغة التراتيل والتضرعات والطقوس الدينية في المعابد البابلية والسومرية. إلا أن رواية «لبابة السر» لا تخرج عن إطار تجنيسها رواية «فنية حداثية» تأخذ من الأسلوب الملحمي ولغته، دون أن تصبح جزءاً منه. ففي الصفحات الأخيرة من الرواية نجد تراتيل تمجد البطل، بأسلوب ملحمة جلجامش «هو الذي جاء ليعرف سر الخلود، فغني باسمه يا بابل... هو الذي رأى كل ما يؤذي النفوس». (ص438)
في مغامرة بطل الرواية (شوقياً) للكشف عن «لبابة السر» ولبابة المعرفة، يتخلى عن منظوره العرفاني، الميتافيزيقي الذي فرضته الآلهة على الناس، وينتقل إلى منظور برهاني متمرد ورافض لسلطتها على البشر، من خلال الدعوة لتحرير البشر وعقولهم من أي سلطة من سلطات الاستبداد والهيمنة. وتتحقق هذه النقلة الفكرية الجذرية عبر طرح سلسلة من الأسئلة الفلسفية والوجودية عن معنى الوجود الإنساني، حيث تظل لازمة البطل المتكررة «أريد أن أعرف معنى وجودي» لازمة متكررة في كثير من حوارات البطل وتأملاته ومدوناته. كما يقذف البطل بأسئلة محرقة بوجه معلمه الذي يدعوه إلى امتلاك ناصية المعنى:
«لن يكون لخطوتك وقعٌ في صحراء المعرفة إن لم تكن مصحوبة بالمعنى». (ص 2)
«يعني ماذا معلمي... وأنا جالسٌ دونما معنى؟
معنى نفسك، معناها!». (ص 29)
وهكذا يجد البطل الشاب، الباحث عن المعرفة، نفسه وجهاً لوجه أمام المقولة السقاطية «اعرف نفسك». ولم تكن عملية الوصول إلى حافة الرؤيا سهلة، فقد مر البطل بصيرورة وعي جديدة ومعاناة ومكابدة فكرية وصوفية عميقة. إذْ جاءته لحظة الكشف والرؤيا بعد تكريس خاص بمباركة «ديموزي» و«عشتار» و«سين»:
«من أين أتتك الرؤيا يا فتى؟
- لا أدري معلمي، لكنني رأيت!». (ص 24)
ويمكن القول إن رواية «لبابة السر» تنفرد عن روايات المؤلف الأخرى وربما عن المتن الأكبر من الروايات العراقية، بانشغالها بهذا الهم الفلسفي، ما يمنحها خصوصيةً وتفرداً في هذا المجال. لكننا نأخذ على الرواية افتقادها إلى حبكة مركزية نامية ومتصاعدة، وبناءها على محور فكري وذهني وفلسفي حواري، دون وجود فعل أو حركة داخلية، وربما تحاوري من خلال إقامة سلسلة من الحوارات الثنائية بين بطل الرواية (شوقياً) مع شخصيات ثانوية منها معلمه، تذكرنا إلى حد كبير بمحاورات سقراط مع تلامذته في «جمهورية أفلاطون». ولذا فقد ظلت الحبكة ساكنة زمنياً ومكانياً إلى حد كبير، ولم نجد إلا زحزحة جزئية، وربما مكانية في تضاريس الحبكة.
كما أن الرواية، من الجهة الأخرى ظلت تزاوج بين لغة السرد ولغة الشعر الملحمي. فعلى مستوى السرد، يمكن أن نعد الرواية بوصفها مدونة كتابية سردية تضم أحد عشر رقيماً، وهو عدد الألواح التي تتكون منها «ملحمة جلجامش»، لكننا نكتشف رقماً أخرى تحمل أرقاماً أعلى موزعة عشوائياً داخل الرواية مثل الرقيم الرابع عشر. وفضلاً عن ذلك لا يمكن أن نتجاهل وجود عدد من العتبات النصية منها «توضيح المقصد» الذي يقصد منه الإيهام أو للتمويه على القارئ والإيحاء بأن النص الروائي لا يمت بصلة إلى الحاضر وشخصياته.
ومن هنا يمكننا الجزم بأن رواية «لبابة السر» هي رواية عن الحاضر العراقي، بقدر ما هي رواية عن الماضي، تحديداً عن الواقع العراقي الرافديني في عصور آشور وبابل وأوروك ونفر، والوركاء، وهي تهدف إلى الكشف عن جوهر أو «جرثومة» الاستبداد التي تناسلت وتواصلت عبر تاريخ العراق الطويل والمتمثلة في سلطة الآلهة والأرباب والكهنة على مقدرات الناس. وخلال ذلك تعلو صرخة بطل الرواية (شوقياً) لرفض هذه السلطة، لأن الناس ليسوا بحاجة إليها لتقرير مصيرهم، وإدارة شؤونهم بحرية، بعيداً عن أي تدخل عرفاني أو ميتافيزيقي، كأن المؤلف يطرح ميثاقاً جديداً للفصل بين سلطة الكهانة الميتافيزيقية وسلطة السياسة الزمانية، التي هي برهانية في جوهرها.
وفي هذه المدونة نرى هيمنة بنية السرد الروائي، المبأر، في الغالب من خلال السرد المدون على الرقم الطينية الذي دوّنه بطل الرواية شوقياً، الذي يتحدث فيه أحياناً بضمير المتكلم الأوتوبيوغرافي (أنا):
«كنت أبصر الأكباد تطير بتثاقل». (ص 13)
وقد يعمد المؤلف إلى توظيف ضمير الغيبة (هو) للحديث عن شخصية البطل بوصفه ذلك الفتى الذي يحترق بالسؤال، وهو توظيف فني مبأر يعبر عن «أنا الراوي الغائب» بتعبير تودوروف: «ولكن ليس ثمة من يسمع همس فتى يحترق بالسؤال، فتى كان ذات يوم صبي معلم يكتب حكايات الأزمنة الغابرة».
كما وجدنا مواضع كثيرة يهيمن فيها سرد الراوي العليم، غير المبأر، لكنها لم تؤثر على مركزية السرد المبأر للراوي المركزي بطل الرواية (شوقياً).
وإلى جانب هذه البنية السردية، نجد حضوراً قوياً لبنية الشعر، وبشكل خاص الشعر الملحمي، في صياغات فيها الشيء الكثير من الشعرية والخيال والأساليب البلاغية، ومنها الاستعارة والتشبيه والصورة والانزياح وما إلى ذلك. وإذا كانت بعض هذه المقاطع الشعرية تقيم تناصات واضحة، أسلوبياً ورؤيوياً، مع الشعر الرافديني، وبشكل خاص مع شعر ملحمة جلجامش و«نشيد الإنشاد»، فإن ثمة مستويات أخرى للخطاب الشعري تبرز في ثنايا الرواية تنطوي على مقاطع لقصيدة النثر، وأحياناً لشعر التفعيلة، فضلاً عن وجود أناشيد وأغانٍ متنوعة.
رواية شوقي كريم هذه مغامرة في الكتابة السردية حاولت أن تصنع شكلاً سردياً خاصاً بها، تزاوج فيه بين البنية السردية والبنية الشعرية، وبنية الملحمة الرافدينية، وتقيم في الوقت ذاته تعالقاً بين الحاضر والماضي، في لعبة سردية ماكرة، توهم القارئ، وتدفعه إلى التأمل والمراجعة لاكتشاف لعبة الإيهام هذه. ولذا فالرواية بحاجة إلى قارئ من نوع خاص يمتلك معرفة بتاريخ الحضارات العراقية القديمة، فضلاً عن تاريخ العراق السياسي وتناسل أشكال الاستبداد والقمع والعنف فيه. كما يتعين على هذا القارئ أن يدرك الفواصل الفنية بين الأجناس الأدبية وحدود تداخلها ويضع ذلك كله نصب عينيه، وهو يفك بصعوبة أسرار هذه اللعبة السردية مثلما حاول الروائي ذاته أن يفك الأسرار أو «لبابة السر» في محنة الوجع العراقي المتواصل عبر التاريخ.



الغلاء والطقس يؤثران في تنزه مصريين خلال عيد الفطر

قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية
قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية
TT

الغلاء والطقس يؤثران في تنزه مصريين خلال عيد الفطر

قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية
قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية

فوجئ أحمد بهجات، وهو رب أسرة في نهاية العقد الثالث من عمره، عند اصطحاب أسرته لمشاهدة أحد أفلام العيد بسينما التحرير في حي الدقي بقرار زيادة سعر التذكرة في الحفلة المسائية بواقع 20 في المائة ليصبح سعر التذكرة 120 جنيهاً (الدولار يساوي 52.3 جنيه في البنوك) مما اضطره إلى زيادة ميزانية حضور فيلم وسهرة أول أيام العيد.

يقول بهجات لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادة لم تكن في سعر التذكرة فقط ولكن أيضاً في سعر الفيشار والمياه الغازية التي قام بشرائها لنجليه عن آخر مرة قاموا فيها بدخول السينما خلال إجازة نصف العام الدراسي قبل أقل من شهرين، وهو أمر جعله يفكر في حساب نسب الزيادة على أي تحرك جماعي لرغبته في تجنيب نفسه مواقف محرجة».

ودفعت زيادة أسعار المحروقات منتصف الشهر الجاري بنسب تجاوزت 30 في المائة بعض مقدمي السلع والخدمات لتطبيق زيادات سعرية مع اختلافها من مكان لآخر، بوقت غيَّرت فيه بعض دور العرض أسعار التذاكر نتيجة ارتفاع تكلفة التشغيل.

الطقس السييء تسبب في الحد من إقبال المواطنين على الشواطئ (محافظة جنوب سيناء)

في هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي كريم العمدة لـ«الشرق الأوسط» أن الأمور الترفيهية على غرار دخول دور العرض السينمائية أو التنزه تعد من البنود الاقتصادية الأكثر تضرراً في ظل الأزمات الاقتصادية، لكون الترفيه يعد من الأمور التي يسهل الاستغناء عنها سريعاً.

وأضاف أن تقليص نفقات التنزه أو وقفها بشكل كامل أمر يحدث في أي مجتمع وليس فقط في مصر، لافتاً إلى أن «الأمر لن يقتصر على فترة العيد فقط ولكن سيستمر أيضاً خلال الفترة المقبلة مما قد يؤثر في الإقبال على بعض القطاعات الترفيهية من جانب المواطنين».

طقس سيئ

وشهدت البلاد موجة من الطقس السيئ بالتزامن مع عيد الفطر وسط تحذيرات من السفر على بعض الطرق السريعة خلال أول أيام العيد بالإضافة إلى سقوط أمطار ورياح على كثير من المناطق، لكن رئيس الإدارة المركزية لحدائق الحيوان، إبراهيم متولي، أكد لـ«الشرق الأوسط» إن إسعار تذاكر مختلف حدائق الحيوان في المحافظات لم تتغير، وأن بعض الحدائق التي شهدت تطوير بإضافة حيوانات جديدة أو تطويرات داخلية شهدت إقبالاً أكبر من المواطنين.

مشيراً إلى أنه حتى منتصف اليوم الثالث من عيد الفطر بلغت نسبة الزيادة في التذاكر المباعة مقارنةً بنفس الفترة في العيد الماضي نحو 30 في المائة.

وأضاف أنه على الرغم من موجة الطقس غير المستقر التي شهدتها البلاد فإنه كان لافتاً إقبال المواطنين على زيارة الحدائق والبقاء في الأماكن المفتوحة والاستمتاع بقضاء العيد فيها بأجواء احتفالية، لافتاً إلى أن الإقبال كان من مختلف الأعمار وليس مرحلة عمرية محددة.

تأثرت الاحتفالات في العيد بزيادات الأسعار وموجة الطقس (محافظة جنوب سيناء)

ودفع الطقس المتقلب عدداً ليس بالقليل من رواد نادي الصيد في الدقي إلى الاكتفاء بالبقاء في الأماكن المغلقة بالنادي مع تجنب الخروج والسير في أروقة النادي الذي يوجد به عديد من المساحات الخضراء والاكتفاء بتحركات محدودة في أوقات اعتدال الطقس.

وشهدت الفنادق في عدد من المدن السياحية على غرار شرم الشيخ والغردقة إقبالاً ملحوظاً من المواطنين لقضاء عطلة العيد وفق برامج حجوزات سابقة اعتمدت غالبيتها على رحلات الإقامة ما بين 3 و4 أيام في فنادق غالبيتها مطلة على البحر أو لديها شواطئ خاصة قريبة.

وأكد الخبير السياحي وليد البطوطي لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية الحجوزات التي تم تنفيذها خلال موسم عيد الفطر لم تتأثر بتغيرات الأسعار التي طرأت بالفعل على الحجوزات الجديدة، مشيراً إلى أن غالبية المترددين على الفنادق خلال موسم العيد كانت حجوزاتهم في أوقات تسبق الزيادات الجديدة.

وأضاف البطوطي أن الفنادق ملتزمة بالأسعار التي حددتها مسبقاً لكن في الوقت نفسه لديها زيادات جديدة بدأت تطبيقها بالفعل لتجنب التعرض لخسائر مالية، وهو أمر متفهم يجري بشكل دوري مع إعادة التسعير ليس فقط للمواطنين المصريين ولكن للأجانب أيضاً.

Your Premium trial has ended


سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)
قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)
TT

سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)
قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)

لا يكاد يكون هناك شخص لم تُوجَّه إليه أصابع الاتهام، في وقتٍ ما، بارتكاب أكبر سرقة فنية في تاريخ الولايات المتحدة: السطو على متحف «إيزابيلا ستيوارت غاردنر» في بوسطن عام 1990. ففي 18 مارس (آذار) 1990، وبعد الساعة الواحدة صباحاً بقليل، حضر رجلان متنكران بزيّ شرطيين إلى باب المتحف، في حين كانت المدينة تستريح عقب احتفالات «يوم القديس باتريك». قيَّدا الحارسين المناوبين، ثم غادرا حاملين 13 قطعة فنية، من بينها روائع لرامبرانت ويوهانس فيرمير.

وعلى مدى العقود التالية، تكاثرت النظريات حول الجهة التي تقف وراء الجريمة: المافيا الكورسيكية، العصابات الآيرلندية، لصوص فنون محترفون، مجرمون صغار مجهولون، أشخاص عملوا داخل المبنى، بل حتى «الجيش الجمهوري الآيرلندي».

جيفري كيلي، عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أمضى 22 عاماً في متابعة القضية، استمع إلى هذه الروايات وحقق في كثير منها. وفي كتابه الجديد «ثلاثة عشر هارباً مثالياً»، يفنّد العديد من هذه الفرضيات، ويعرض تصوّره لمن يعتقد أنهم ارتكبوا الجريمة، رغم أنه لم يكن بالإمكان ملاحقتهم قضائياً.

وفيما يلي أبرز قراءاته لبعض هذه النظريات، وروايته لما يُرجَّح أنه حدث:

هل كانت المافيا الكورسيكية؟

رسم توضيحي للسرقة (نيويورك تايمز)

من بين القطع المسروقة عنصر غير مألوف: قطعة زخرفية من رأس سارية علم كانت تحمل راية الفوج الأول من الحرس الإمبراطوري لنابليون. ليست من روائع الصف الأول، لكن في عام 2006 أبلغ محققون من الشرطة الوطنية الفرنسية مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنهم سمعوا معلومات تفيد بأن جماعة إجرامية كورسيكية تسعى إلى بيع بعض مقتنيات المتحف.

وعلى أثر ذلك، تسلل عميل فيدرالي متخصص في جرائم الفن متنكراً في هيئة وسيط لمشترٍ مهتم بشراء أعمال فنية مسروقة، ضمن تحقيق عُرف باسم «عملية التحفة». وشملت العملية كميناً على متن يخت، إلى جانب تحركات سرية أخرى. وقد كشفت التحقيقات عن أنشطة إجرامية مرتبطة بالفن، غير أن كيلي يؤكد أن الكورسيكيين كانوا يدّعون فحسب؛ إذ لم يكن بحوزتهم أي من مسروقات «غاردنر».

هل لم تغادر اللوحات المتحف أصلاً؟

طُرحت فرضية مفادها أن الأعمال لم تغادر المتحف أصلاً، بل ظلت مخبأة في مكانٍ ما داخله. ويشير كيلي إلى أن هذه النظرية، المعروفة بـ«نظرية أن اللوحات لم تغادر المتحف»، كانت تتكرر باستمرار، خصوصاً مع عدم ظهور أي أثر لتلك القطع في الأسواق أو في أي مكان آخر.

ويتساءل كيلي: «لماذا لم نفكر في ذلك؟»، قبل أن يجيب: «في الواقع، فعلنا». ففي منتصف تسعينات القرن الماضي، خضع المتحف لأعمال تحديث شملت نظام التهوية والتكييف، وكجزء من تلك الأعمال دخلت فرق متخصصة وزحفت عبر كل زاوية وركن في المبنى أثناء تركيب القنوات الجديدة. وقد عثروا على الغبار، لكن لم يعثروا على أي لوحات.

هل كان الجيش الجمهوري الآيرلندي وراءها؟

ثمة وقائع صحيحة: جيمس (وايتي) بولغر، الزعيم سيئ الصيت لعصابة «وينتر هيل» في جنوب بوسطن، كان متورطاً في تمرير الأموال والأسلحة إلى الجيش الجمهوري الآيرلندي. وفي عام 1974، سرقت روز دوغديل ومسلحون من الجيش الجمهوري الآيرلندي أعمالاً فنية من متحف آيرلندي في محاولة لمبادلتها مقابل إطلاق سراح سجناء.

ومع ذلك، يؤكد كيلي أنه لا يوجد ما يدعم نظرية تربط الجيش الجمهوري الآيرلندي، وربما بولغر، بسطو «غاردنر». فبعد فرار بولغر، وُجِّهت اتهامات إلى أفراد من مجموعته، وكانوا، بحسب كيلي، مستعدين للتعاون مقابل تخفيف العقوبات. وعندما سُئلوا عن أعمال «غاردنر»، أكدوا أنهم لا يملكون أي معلومات.

هل دُفنت الأعمال في فلوريدا؟

في عام 2018 أعادت تقارير إعلامية إحياء تساؤلات حول ما إذا كانت الأعمال الفنية مدفونة في فلوريدا، في أرض كان يستأجرها رجل متوفى تقول السلطات إنه كان على صلة بعالم الجريمة في أورلاندو. وكانت هذه شائعة قديمة، لكن عودتها إلى الواجهة دفعت مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى النظر فيها، رغم اعتقاده بأنها غير مرجحة.

ويتساءل كيلي ساخراً: «مَن الذي يدفن أعمالاً فنية مسروقة؟». ومع ذلك، جرت أعمال حفر في الموقع، لتنتهي إلى خزان صرف صحي مهجور، من دون العثور على أي أثر للأعمال.

هل كان ذلك الرجل الذي قال إنه نام داخل المتحف؟

لصٌّ من بوسطن قال إنه نام تحت طاولة داخل المتحف (نيويورك تايمز)

برز اسم لويس رويس، وهو مجرم من بوسطن، في مرحلةٍ ما. فقبل سنوات من السرقة، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد تلقى معلومات من مخبرين تفيد بأن رويس وشريكاً له ناقشا خطة لسرقة المتحف. وبعد عقود من الواقعة، صرّح رويس في مقابلات بأنه، خلال مراهقته، كان يتسلل إلى داخل المتحف في الليالي الباردة لينام فيه، أحياناً تحت طاولة أثرية في الطابق الثالث، في إشارة إلى سهولة الدخول إليه.

كان رويس في السجن ليلة السرقة، لكنه قال لصحافي إنه يعتقد أن شركاءه سرقوا فكرته. غير أن كيلي لا يرى رويس مصدراً موثوقاً، ويشكك في قصة النوم تحت الطاولة التي عاينها بنفسه، قائلاً: «حتى مراهقاً نحيلاً من أبناء ساوثي لا يمكنه الانزلاق تحت تلك الطاولة».

إذن... مَن نفَّذ العملية؟

وفق كيلي، خلص مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن السرقة كانت من تنفيذ مجموعة عشوائية من رجال العصابات في بوسطن. وكان زعيمهم، كارميلو ميرلينو، على صلة بأحد الأشخاص الذين قال رويس إنه أطلعهم على نقاط ضعف المتحف، وإن لم يكن واضحاً ما إذا كانت تلك المعلومة هي مصدر الفكرة.

ويؤكد كيلي أن ميرلينو أبلغ المحققين في تسعينات القرن الماضي بأنه، رغم عدم حيازته الأعمال، قد يعرف من يمتلكها. وعرض عليه المحققون الحصانة مقابل استعادة أي من القطع، لكنه أصبح لاحقاً غير متعاون، وانتهت المفاوضات.

واشتبه المحققون في أن اثنين من أفراد مجموعته، ليونارد دي موزيو وجورج رايسفيلدر، هما من تنكّرا بزيّ الشرطيين، نظراً لتشابه ملامحهما مع الرسوم المستندة إلى إفادات الحراس. وقد تُوفي رايسفيلدر عام 1991، لكن بعد نحو عقدين أقر شقيقه بأنه شاهد إحدى اللوحات المسروقة، وهي عمل للفنان إدوار مانيه، داخل شقته.

وفي عام 2010 أفادت زوجة أحد شركاء ميرلينو بأن زوجها عرض عليها، قبل سنوات، بعض الأعمال داخل سيارة في مزرعتهما بولاية مين، قبل أن ينقلها لاحقاً إلى رجل يُدعى بوبي جنتيلي من كونيتيكت. غير أن جنتيلي رفض التحدث، بحسب كيلي.

وخلال السنوات التالية نفذ مكتب التحقيقات الفيدرالي عدة مذكرات تفتيش لمنزل جنتيلي. وفي إحدى هذه العمليات عثر العملاء على قائمة مكتوبة بخط اليد تضم القطع الـ13 المفقودة، مع مبالغ مكافآت مدونة بجانب كل منها، لكن لم يُعثر على أي عمل فني، حتى بعد حفر أجزاء من الأرض.

وقد تُوفي ميرلينو ودي موزيو. وحتى وفاته عام 2005، ظل ميرلينو يؤكد أنه لم يعرف مكان الأعمال. أما جنتيلي، الذي تُوفي عام 2021، فظل يصرّ على أنه لا يعرف شيئاً عنها، ولم يفسر قَطّ سبب امتلاكه تلك القائمة.

وقد دافع محاموه عنه بشدة لسنوات، مشيرين إلى التناقض في موقفه: رجل مريض، بحاجة إلى المال، وعُرضت عليه الحصانة، ومع ذلك رفض فرصة للحصول على مكافأة كبيرة، رغم أن الأعمال كانت قد أصبحت شديدة الحساسية بحيث يصعب بيعها. وقال أحد محاميه عام 2015: «هل يُعقل أن يرفض 5 ملايين دولار لو كان يعلم شيئاً؟».

ويقر كيلي بأن عجز مكتب التحقيقات الفيدرالي عن استعادة الأعمال طوال هذه السنوات أثار كثيراً من الانتقادات، بعضها وُجِّه إليه شخصياً. ويكتب: «لا شك أن كونك عميل القضية في تحقيق متحف (غاردنر) هو تميّز ملتبس». ويضيف أنه كان يُعرَّف أحياناً لزملائه بأنه «صاحب قضية (غاردنر)»، فتكون ردود الفعل غالباً مزيجاً من العبوس وتعاطف صامت.

ويرد كيلي على «المحققين الهواة» الذين يعتقدون أن العثور على الأعمال كان أمراً سهلاً، قائلاً: «إذا كنتم ترون الأمر بهذه السهولة، فاذهبوا واعثروا عليها».

أما قيمة المكافأة المعلنة حالياً، فقد بلغت 10 ملايين دولار.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مصر تنتهي من ترميم مبانٍ أثرية بقلعة صلاح الدين

جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر تنتهي من ترميم مبانٍ أثرية بقلعة صلاح الدين

جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم عدة مبانٍ أثرية بمنطقة القلعة في القاهرة التاريخية، وذلك في إطار جهود الوزارة للحفاظ على التراث الأثري والحضاري وتعزيز المقومات السياحية للمقصد المصري، حيث تم الانتهاء من الأعمال التي يشرف عليها المجلس الأعلى للآثار، لترميم ثلاثة من أبرز المعالم الأثرية بمنطقة القلعة، وهي إيوان أقطاي، وساقية الناصر محمد بن قلاوون، ومسجد محمد باشا.

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن هذه المشروعات تأتي في إطار استراتيجية الوزارة الهادفة إلى صون التراث الحضاري المصري والحفاظ عليه للأجيال القادمة، إلى جانب تعظيم الاستفادة منه كأحد أهم عناصر الجذب السياحي.

وأضاف في بيان، الأحد، أن منطقة القلعة تُعد من أهم المواقع الأثرية في مصر، وتطويرها بشكل مستمر يسهم في إبراز تنوع وتفرد التراث الإسلامي، ويعزز من مكانة مصر الثقافية عالمياً.

ترميم أحد المواقع الأثرية بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتأتي هذه الأعمال ضمن استراتيجية الدولة لإعادة تخطيط وتطوير منطقة القلعة وميدان السيدة عائشة ليصبح أقرب إلى متحف مفتوح تطل عليه قلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية، وقد تم بالفعل تطوير مجموعة من الأماكن الأخرى، بالإضافة إلى فتح محاور مرورية جديدة لتسهيل الحركة في المنطقة السياحية وتأهيلها لجذب المزيد من السياح.

ونُفذت أعمال الترميم للمواقع الثلاثة بواسطة فريق عمل متخصص من مرمّمي قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، وفق أحدث الأساليب العلمية والفنية، بما يضمن الحفاظ على أصالة المواقع وقيمتها التاريخية والأثرية، مع العمل في الوقت ذاته على تحسين تجربة الزائر ورفع كفاءة الخدمات المقدمة داخل المواقع، بحسب تصريحات الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي.

وأشار رئيس قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، مؤمن عثمان، إلى أن أعمال ترميم إيوان أقطاي تضمنت تنظيف وترميم الأحجار المتدهورة بالواجهات، إلى جانب ترميم العناصر الخشبية والأعتاب، وتدعيم الإيوان من الداخل، واستكمال أعمال السقف، واستكمال الأجزاء المفقودة باستخدام مواد متوافقة مع الأصل. «كما شملت الأعمال تنسيق الموقع العام المحيط بالإيوان، وإعادة تركيب البوابة الحديدية، وتنظيف الساقية المجاورة والأرضيات، بالإضافة إلى تنفيذ أعمال الترميم الدقيق للحوائط الداخلية، وإعادة طبقات البياض بما يتماشى مع الطابع الأثري، وتنظيف المحراب ومعالجة أرضية الإيوان»، وفق قوله.

وتعود ساقية الناصر محمد بن قلاوون إلى عام 712هـ/ 1312م، وأوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن أعمال الترميم بها تضمنت معالجة الشروخ بالواجهات، وحقن الحوائط، واستكمال الأجزاء المفقودة باستخدام نوعية الأحجار الأصلية نفسها، إلى جانب رفع المخلفات والوصول إلى منسوب الأرضية الأصلية، وتنظيف الواجهات وإزالة آثار العوامل الجوية، وإعادة تأهيل العرانيس وتكحيلها بما يحافظ على الطابع المعماري الأصيل.

ترميم مواقع أثرية بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أما مسجد محمد باشا، الذي يعود تاريخه إلى عام 1112هـ/ 1701م، فقد تضمن مشروع ترميمه فك وإعادة بناء الغرف الملحقة المتضررة باستخدام الأحجار الأصلية واستبدال التالف منها، بالإضافة إلى حقن الحوائط الداخلية، واستكمال جوسق المئذنة وفقاً للصور والوثائق التاريخية، وفتح القبة وتركيب أبواب خشبية لها، وإعادة عزل السقف، إلى جانب إعادة تبليط ساحة المسجد والمصلى.

وقبل أيام قام الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر بجولة في منطقة آثار القلعة، تفقد خلالها أعمال الترميم بعدة مواقع، من بينها مسجد محمد علي باشا بالقلعة، وأعمال ترميم قصر الجوهرة، حيث تم استعراض نسب الإنجاز التي شملت الانتهاء من الدراسات التاريخية والتوثيقية للأثر، ومسجد سليمان باشا الخادم والمدافن الملحقة به التي تضم مجموعة متميزة من شواهد القبور العثمانية، فضلاً عن تفقد منطقة محكى القلعة والحديقة المتحفية، وكذلك جامع الناصر محمد بن قلاوون، حيث تابع أعمال تنظيف الأعمدة الرخامية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية المحددة للانتهاء من جميع مشروعات الترميم الجارية بالمنطقة.