القصص المصورة اليابانية تزدهر... ومبدعوها يعانون من الفقر

أدى رواج الصناعة إلى توسيع الفجوة بين الأرباح والأجور

TT

القصص المصورة اليابانية تزدهر... ومبدعوها يعانون من الفقر

لم تكن الأحوال أفضل من الآن بالنسبة لصناعة أفلام الرسوم المتحركة «الأنيمي» اليابانية. ولأجل هذا السبب تحديداً يفكر الفنان «تيتسويا أكوتسو» في التوقف عن ممارسة هذا العمل.
عندما أصبح السيد أكوتسو فنانا للأنيمي قبل ثمانية أعوام، كان سوق الأنيمي على مستوى العالم - بما في ذلك البرامج التلفزيونية، والأفلام، والبضائع ذات الصلة - تزيد قليلا على نصف ما بلغته تلك الصناعة بحلول عام 2019، وذلك عندما حامت التقديرات حول 24 مليار دولار على مستوى العالم. وأسفرت الطفرة المشهودة في البث المرئي المنزلي بسبب جائحة وباء «كورونا» المستجد في ارتفاع الطلب على تلك الأفلام في الداخل والخارج، حيث يحب الناس مشاهدة الأفلام المفضلة لدى الأطفال من شاكلة «بوكيمون» أو فيلم الخيال العلمي «غوست إن ذا شيل».
غير أن القليل للغاية من المكاسب المتوقعة كان يصل إلى أيدي السيد أكوتسو. فرغم أنه يواصل العمل باستمرار طيلة الوقت تقريبا، فإنه يتقاضى أجرا لا يقل عن 1400 دولار ولا يزيد على 3800 دولار في الشهر الواحد من عمله كفنان حر لأفلام الرسوم المتحركة، ومخرج لدى بعض أبرز شركات صناعة تلك الأفلام في اليابان.
وبرغم ذلك فهو يعد من أحد المحظوظين، إذ إن الآلاف من فناني الرسوم المتحركة من فئة المبتدئين لا يحصلون إلا على 200 دولار شهريا لقاء الأعمال الشاقة التي يقومون بها في فيلم واحد فقط. وبدلا من المكافآت المجزية، أسفر النمو الهائل الذي شهدته تلك الصناعة في الآونة الأخيرة عن اتساع الفجوة بين الأرباح التي يساعدون في جلبها مقابل الأجور الهزيلة التي يتقاضونها، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم إلى التساؤل عما إذا كان بإمكانهم فعليا الاستمرار على هذا النحو في العمل الذي يحبونه.
يقول السيد أكوتسو، 29 عاما، خلال مقابلة عبر الهاتف: «أود العمل في صناعة أفلام الرسوم المتحركة لبقية سنوات عمري، ولكنني أعلم أنه من المستحيل الزواج وإنجاب وتربية الأطفال بهذا الراتب الهزيل»، في إشارة إلى اعتزامه تكوين أسرة جديدة وشعوره بالضغوط المالية الهائلة بسبب المغادرة.
ألحقت الأجور المنخفضة للغاية مع ظروف العمل السيئة - إذ يعد الاستشفاء من شدة إرهاق العمل من أوسمة الشرف الرفيعة في المجتمع الياباني - الكثير من الحيرة والارتباك لدى القوانين المعتادة في عالم المال والأعمال. وفي المعتاد، من شأن ارتفاع الطلب أن يؤدي إلى تحفيز المنافسة على اقتناء المواهب، ورفع أجور العاملين الحاليين مع الاستمرار في جذب مهارات جديدة، وذلك من الناحية النظرية على أقل تقدير.
غير أن ذلك يحدث بالفعل وإنما لدى المستويات العليا من العمل. ولقد ارتفع المتوسط السنوي للأرباح بالنسبة للرسامين المحترفين وغيرهم من أصحاب المواهب البارزة إلى حوالي 36 ألف دولار في عام 2019 انطلاقا من حوالي 29 ألف دولار فقط في عام 2015، وذلك وفقا للبيانات الإحصائية المجمعة لدى رابطة فناني الرسوم المتحركة اليابانية، وهي رابطة عمالية.
يُعرف فنانو الرسوم المتحركة في اليابان باسم «غينغا مان»، وهو المصطلح الذي يشير إلى أولئك الذين يمارسون الرسومات بأسلوب الأطر الرئيسية. ويعتبر السيد أكوتسو واحدا منهم، وهو فنان حر ينتقل بين مختلف استوديوهات إنتاج الرسوم المتحركة في اليابان لكي يحصل على ما يكفي بالكاد لتغطية نفقات الطعام وإيجار شقة صغيرة متواضعة في إحدى ضواحي العاصمة طوكيو.
بيد أن الأجر الذي يحصل عليه أقل ما يكون بالمقارنة مع فناني الرسوم المتحركة في الولايات المتحدة، التي يبلغ متوسط أجر الفنان الواحد فيها حوالي 75 ألف دولار عن العام الواحد، وذلك وفقا للبيانات الحكومية، مع كبار الفنانين المحترفين الذين ربما يتقاضون أرقاما أكبر من ذلك بكثير.
ولم يمر وقت طويل على الفنان الياباني أكوتسو - الذي رفض التعليق على ممارسات الأجور الزهيدة لدى الاستوديوهات التي يعمل لديها في طوكيو - حتى انتقل من مستوى «دوغا مان» لفناني الرسوم المتحركة المبتدئين الذين يعملون بطريقة رسم الإطار تلو الإطار، حتى بلوغ مرحلة الاحتراف «غينغا مان» للرسامين الذين يحولون الأطر المرسومة إلى حركة مرئية سلسة. وكانت رابطة فناني الرسوم المتحركة اليابانية قد خلصت إلى أن هؤلاء الفنانين يحصلون على متوسط أجور يبلغ 12 ألف دولار في عام 2019 رغم إشارتها سابقا إلى أن هذا المبلغ يستند إلى شريحة محدودة من الفنانين لا تضم العديد من العاملين المستقلين الذين يتقاضون أجورا أقل بطبيعة الحال.
تنشأ المشكلة بصورة جزئية من هيكل الصناعة نفسها، والذي يقيد تدفق الأرباح إلى استوديوهات الإنتاج. تقول سيمونا ستانزاني، التي عملت كمترجمة في تلك الصناعة لما يقرب من 30 عاما: «يمكن لاستوديوهات الإنتاج الإفلات من الرقابة بسداد الرواتب الضئيلة للموظفين، ومرجع ذلك إلى وفرة الأعداد غير المحدودة من الشباب المتحمس للعمل في مجال الأنيمي والحالمين بتحقيق ذاتهم في تلك الصناعة».
وأضافت السيدة ستانزاني تقول: «هناك الكثير من الفنانين المحترفين المذهلين للغاية. غير أن الاستوديوهات لديها الكثير أيضا من السير الذاتية للراغبين في العمل، وبالتالي تنعدم الأسباب الدافعة إلى رفع الأجور».
تدفقت أموال الاستثمارات الهائلة على أسواق أفلام الأنيمي خلال السنوات الأخيرة. ودفعت شركات الإنتاج الصينية مبالغ مالية هائلة لاستوديوهات الإنتاج اليابانية من أجل إنتاج تلك الأفلام للسوق المحلية الصينية. واعتبارا من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، دفعت شركة سوني اليابانية - تلك التي تراجعت لديها شعبة الترفيه بشدة في سباق إضافة المحتوى الجديد على شبكة الإنترنت - ما يقرب من 1.2 مليار دولار لشراء موقع رسوم الأفلام المتحركة المرئية «كرانشيرول» من شركة «إيه تي آند تي» الأميركية.
وتعتبر أوضاع الأعمال جيدة للغاية في اليابان لدرجة أن كافة استوديوهات الأنيمي هناك محجوزة لأعمال مسبقة منذ سنوات طويلة مقدما. وقالت شبكة نيتفليكس الترفيهية إن عدد الأسر التي شاهدت أفلام الرسوم المتحركة عبر خدمات البث المنزلي في عام 2020 قد ارتفع بمقدار النصف عند المقارنة بالعام الماضي.
غير أن الكثير من استوديوهات الإنتاج قد فقدت الزخم الراهن بسبب نظام الإنتاج القديم الذي يعمل على توجيه كافة أرباح الصناعة تقريبا إلى قنوات لجان الإنتاج. وتلك اللجان هي عبارة عن التكتلات التجارية المخصصة لجهات صناعة الألعاب، ودور نشر الكتب المصورة، والشركات الأخرى التي أقيمت بهدف تمويل كل مشروع من المشاريع. وتسدد تلك اللجان رسوما محددة لاستديوهات إنتاج أفلام الأنيمي ثم يحتفظون بباقي عوائد الأرباح لأنفسهم.
يقول جاستين سيفاكيس، وهو مؤسس شبكة «أنايم نيوز نيتورك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميديا أو سي دي» التي تقوم بإنتاج أفلام الأنيمي لبثها في الولايات المتحدة: «تُدار تلك الاستديوهات في غالب الأمر بواسطة المبدعين الذين يرغبون فعلا في صناعة شيء ممتاز للغاية. وسوف يحاولون تحمل المزيد من الأعباء، وأن يكونوا أكثر طموحا وإبداعا في المستقبل».
وأضاف السيد سيفاكيس قائلا: «لكن بحلول الوقت الذي ينتهون فيه من العمل، من المرجح للغاية أن يكونوا قد خسروا بعض الأموال في المشروع. يعلم الجميع حجم المشكلة، ولكن مما يؤسف له أنها مشكلة منهجية لدرجة أنه لا أحد يعرف على وجه التحديد ما ينبغي فعله لحلها».
وينسحب نفس المعنى على الطبيعة المجهدة للغاية للعمل في اليابان. حتى في الدولة التي تحترم التفاني المهلك في العمل، تشتهر صناعة أفلام الأنيمي بمطالبها المتوحشة على الموظفين، ويتحدث الفنانون عن الأوضاع بإحساس عنيد من الفخر بهذا القدر من التفاني في العمل، من شاكلة النوم في محل العمل لأسابيع متتالية من أجل استكمال أحد المشاريع على سبيل المثال.
في الحلقة الأولى من مسلسل الأنيمي «شيروباكو»، الذي تدور قصته حول جهود الشباب في اقتحام تلك الصناعة، سقطت إحدى الفنانات مريضة بالحمى بسبب العمل المتواصل مع اقتراب موعد العرض النهائي. ولم يكن الأمر يتعلق بصحتها بأكثر مما كان يتعلق بالعمل الذي ترسمه وميعاد تسليمه لعرضه في الوقت المناسب على الهواء!
بدأ جون سوغاوارا، وهو ناشط وفنان الرسوم المتحركة الحاسوبية ويدير منظمة غير هادفة للربح توفر للرسامين الشباب سكنا بتكلفة ميسورة، حملة بالنيابة عنهم في عام 2011 بعد إدراكه لظروف العمل القاسية التي يعاني منها هؤلاء الذي يقومون بصناعة أفلام الرسوم المتحركة المفضلة لديه.
يبدو أن ساعات العمل الطويلة لفناني الرسوم المتحركة تتعارض مع لوائح العمل اليابانية، غير أن السلطات لا تعبأ بذلك كثيرا، رغم أن الحكومة قد جعلت من تلك الأفلام المتحركة إحدى الأدوات الأساسية للدبلوماسية العامة من خلال برنامج «كوول» الياباني.
وقال السيد سوغاوارا عن ذلك: «حتى الآن، ليست هناك سياسة واضحة وفعالة لدى الحكومة الوطنية أو الحكومات المحلية للتعامل مع هذه المسألة. ولا أرى من فائدة لبرنامج (كوول) الياباني؛ إذ لا صلة له بالقضية المطروحة من الأساس».
أفاد مسؤول من وزارة العمل اليابانية، في مقابلة أجريت معه مؤخرا، بأن الحكومة على دراية بتلك المشكلة، ولكن لا يمكن لها التدخل المباشر ما لم يتقدم الرسامون والفنانون بشكوى رسمية.
ولقد تقدمت مجموعة صغيرة منهم بالشكوى فعليا في العام الماضي. ولقد توصل استوديوهان على الأقل إلى تسوية مع الموظفين بشأن مزاعم انتهاك لوائح العمل اليابانية، وذلك من خلال دفع أجور العمل الإضافية إليهم.
يقول جوزيف تشو، وهو يملك استوديو للرسوم المتحركة الحاسوبية في اليابان: «خلال السنوات الأخيرة، قامت بعض الشركات الكبرى في تلك الصناعة بتغيير الممارسات العمالية بعد تعرضها للضغوط الكبيرة من الجهات الرقابية ومن الرأي العام في البلاد».
ولقد انخرطت شبكة نيتفليكس الترفيهية في الأمر كذلك، إذ أعلنت خلال الشهر الجاري عن تعاونها المقبل مع شركة «ويت استوديو» في توفير الدعم المالي والتدريب إلى فناني الرسوم المتحركة من الشباب الذي يعملون على تطوير محتوى الاستوديو. وبموجب ذلك البرنامج، سوف يتلقى 10 فنانين ما يقرب من 1400 دولار في الشهر ولمدة 6 شهور.
قال السيد تشو: «هناك العديد من الاستوديوهات الصغيرة التي تعمل بالكاد وليس أمامها مجال متسع لزيادة أجور العاملين. إنه مجال من الأعمال بهامش أرباح منخفض للغاية، رغم كثافة العمالة فيه، وبالتالي فإن الاستوديوهات التي تنجح في التأقلم مع تلك الظروف الصعبة هي الاستوديوهات الكبيرة والشهيرة فقط».

- خدمة «نيويورك تايمز»



«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.