الخرطوم تدعو لتدويل مفاوضات سد النهضة بـ«وساطة أممية»

إثيوبيا تجدد تمسكها بسحب السودان لقواته قبل أي تفاوض

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)
TT

الخرطوم تدعو لتدويل مفاوضات سد النهضة بـ«وساطة أممية»

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)

شددت الخرطوم من لهجتها تجاه النزاع مع إثيوبيا حول «سد النهضة»، ودعت إلى إشراك أطراف دولية للتوسط بشأنه، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والأوروبي وأميركا. وفي غضون ذلك، أكدت إثيوبيا مجدداً تمسكها بسحب السودان لجنوده من المناطق التي استعاد السيطرة عليها قرب الحدود بين البلدين، قبل الدخول في أي تفاوض لإنهاء النزاع الحدودي الدائر بين البلدين منذ السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
ودأب السودان باستمرار على رفض طلب إثيوبيا الانسحاب، مؤكداً تمسكه هو الآخر بحقه في السيادة على أراضيه التي استعادها من إثيوبيا التي كانت تسيطر عليها منذ أكثر من 25 عاماً، ونفى بشدة الادعاءات الإثيوبية حول الاعتداء على حدودها، مشدداً على أن قواته أعادت الانتشار داخل حدودها الدولية، فيما قطع قادة عسكريون بأن القوات السودانية «لن تنسحب من شبر واحد» من أراضيها، بعد أن استعادته من إثيوبيا.
ويؤكد السودان باستمرار أن الحدود بينه وإثيوبيا مرسمة وفقاً لاتفاقيات دولية، مشيراً إلى أن المشكل الوحيد المتبقي هو إعادة وضع العلامات الحدودية، وتقريب المسافات بين العلامة والأخرى، بحيث تُرى بالعين المجردة. ومن هذا المنطلق، يرفض الدخول مع إثيوبيا في أي تفاوض جديد بشأن الحدود.
ومن جانبها، قالت المتحدثة باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، أمس (الثلاثاء)، إن بلادها متمسكة بعودة القوات السودانية إلى الوضع الذي كان قبل 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وذلك قبل الدخول في أي حوار على الحدود، على الرغم من قناعتها بأن الحوار هو الأنسب لحل النزاع الحدودي مع السودان.
وطلب السودان من إثيوبيا، مطلع الأسبوع الحالي، في بيان شديد اللهجة صادر عن الخارجية، الكف عما أطلق عليه «ادعاءات إثيوبية لا يسندها حق ولا حقائق»، وأكد أنه «لا يمكنه ائتمان إثيوبيا وقواتها في المساعدة على بسط الأمن والسلام، في الوقت الذي تعتدي عليه عبر الحدود»، في إشارة إلى قوات الأمم المتحدة (يونسيفا) لمراقبة حماية منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوبه، المكونة من جنود إثيوبيين.
ونقلت «الشرق الأوسط» وقتها عن الخارجية السودانية وصفها لتصريحات المسؤول الإثيوبي بـ«المؤسفة التي تخون تاريخ علاقات البلدين... وتحط في وصف السودان إلى درجة الإهانة التي لا تغتفر».
ومن جهة أخرى، دعا وزير الري والموارد المائية السوداني، ياسر عباس، إلى أن يكون «سد النهضة» الإثيوبي وسيلة للتعاون الإقليمي، بدلاً من تحوله لبؤرة للنزاع السياسي بين بلاده وإثيوبيا ومصر.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا) عن عباس قوله، مساء أول من أمس، إن إعلان إثيوبيا بدء الملء الثاني للسد في يوليو (تموز) المقبل «يشكل تهديداً مباشراً لتشغيل (سد الروصيرس) السوداني، ويؤثر على مشاريع الري ومحطات مياه الشرب» الواقعة على النيل الأزرق، ابتداء من الحدود الإثيوبية حتى مدينة عطبرة (شمال السودان).
وحذر عباس من مخاطر جمة تلحق بنحو 20 مليون سوداني يهددهم الملء الأحادي للسد، بقوله: «نأمل في التوصل إلى اتفاق قبل الملء الثاني، بصفته مهدداً خطيراً للأمن القومي السوداني»، كاشفاً عن اتخاذ وزارته عدة احتياطات فنية ودبلوماسية لمجابهة احتمالات ملء سد النهضة، وتحرك بلاده الآن بنشاط كبير لتقوية وساطة الاتحاد الأفريقي، وإدخال الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأميركا للعب دورهم، بصفتهم وسطاء، في أزمة «سد النهضة».
ويرفض السودان بشدة الملء الأحادي لـ«سد النهضة»، ويشترط قبل بدئه التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم للبلدان الثلاثة، وهو الأمر الذي رفضته إثيوبيا، واضطرت بسببه الخرطوم إلى مقاطعة آخر المفاوضات الثلاثية التي عقدت في العاشر من يناير (كانون الثاني) الماضي.
وتمسك السودان خلال تلك الاجتماعات بموقفه الداعي إلى تكليف خبراء الاتحاد الأفريقي الذين يشاركون في جلسات التفاوض بصفتهم خبراء، بطرح حلول للقضايا الخلافية لبلورة اتفاق على «سد النهضة»، وهو الطرح الذي تحفظت عليه كل من مصر وإثيوبيا.



الجوع يتفاقم بمناطق الحوثيين... والموانئ تخسر 1.4 مليار دولار

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
TT

الجوع يتفاقم بمناطق الحوثيين... والموانئ تخسر 1.4 مليار دولار

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)
انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

حذر تقرير مشترك من «برنامج الأغذية العالمي» و«منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)» من توابع تفاقم أزمة الأمن الغذائي في اليمن خلال مايو (أيار) الماضي، مع تسجيل مؤشرات أعلى حدة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية؛ نتيجة تراجع دخول السكان وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إلى جانب تقلص النشاط الإنساني وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت قدرت فيه خسائر موانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة الجماعة بنحو 1.4 مليار دولار.

وأفاد التقرير بأن 62 في المائة من الأسر اليمنية واجهت صعوبات في تلبية احتياجاتها الغذائية خلال مايو الماضي، مقارنة بـ59 في المائة خلال أبريل (نيسان) الذي سبقه، فيما ارتفع معدل «الحرمان الغذائي الشديد» إلى 36 مقابل 31 في المائة خلال الشهر السابق، في استمرار لمسار التدهور لثاني شهر على التوالي.

وأوضح التقرير أن نحو 10 في المائة من الأسر بمناطق سيطرة الحوثيين اضطرت إلى قضاء يوم كامل وليلة كاملة من دون طعام بسبب نقص الغذاء، مقابل 8 في المائة من الأسر بالمناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

ورغم أن نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي بلغت 27 في المائة بمناطق سيطرة الحوثيين مقابل 36 في المائة بمناطق الحكومة، فإن التقرير حذر بأن استمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع النشاط الإنساني، قد يدفعان بمستويات الجوع في مناطق سيطرة الجماعة إلى مستويات أشد خطورة خلال الأشهر المقبلة.

«برنامج الأغذية العالمي» خفض عدد المستفيدين إلى 1.7 مليون يمني (إعلام محلي)

وأرجع التقرير تفاقم الأزمة في مناطق الحوثيين إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسبة وصلت إلى 13 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، متأثرة بزيادة الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، في وقت أكد فيه 70 في المائة من السكان في تلك المناطق تراجع دخولهم الشهرية.

وأشار إلى أن هذا التراجع في الدخول، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، أدّيا إلى تآكل القوة الشرائية للأسر اليمنية، ودفع بكثير منها إلى تبني وسائل تكيّف قاسية، شملت تقليص عدد الوجبات اليومية، وخفض الحصص الغذائية، وتقليل استهلاك البالغين الطعام لمصلحة الأطفال.

وأكد التقرير أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع أسعار الغذاء، بل باتت تعكس ضغوطاً اقتصادية أوسع تشمل استنزاف احتياطي النقد الأجنبي، وأزمة السيولة، والعقوبات، ونقل البنوك من صنعاء إلى عدن، وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

وأضاف أن تدهور قدرات موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين أدى إلى خسائر قدرت بنحو 1.4 مليار دولار، في حين كثفت سلطات الجماعة حملات الجباية ومصادرة الأصول، الأمر الذي زاد من تآكل مصادر دخل السكان وتقويض سبل معيشتهم.

كما نبه التقرير إلى أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز زادت من تعقيد أزمة الوقود في اليمن، مع انخفاض الإمدادات وارتفاع تكاليف الاستيراد، بصورة عدّها أكبر اضطراباً من أزمة البحر الأحمر خلال العام الماضي، لما لها من تأثير مباشر على أسعار الوقود والخدمات الأساسية.

الملايين مهددون

توقع التقرير الأممي أن يواجه من لا يقلون عن 5.4 مليون شخص في المناطق الخاضعة للحكومة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من يونيو الماضي وحتى سبتمبر (أيلول) المقبل؛ نتيجة تزامن موسم الشح مع الفيضانات، إلى جانب استمرار تراجع الاستجابة الإنسانية.

ورأى أن تقليص برامج المساعدات الغذائية الواسعة منذ عام 2024 أسهم في تسريع تدهور الأوضاع، لا سيما في مناطق الحكومة، حيث ارتفعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي إلى 36 مقابل 27 في المائة بمناطق الحوثيين، فيما زاد معدل «الحرمان الغذائي الشديد» بنحو الضعف في المناطق الحكومية خلال الفترة نفسها.

ميناء الحديدة تعرض لأضرار كبيرة وتراجعت قدراته التشغيلية (إعلام محلي)

وأكد معدو التقرير أن أزمة الأمن الغذائي في اليمن لا تعود إلى نقص الغذاء في الأسواق، وإنما إلى ضعف القدرة الشرائية للأسر، مشيرين إلى أن نحو 75 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ويضطر كثير منهم إلى اتباع استراتيجيات تكيّف قاسية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ولفت التقرير إلى أن استقرار سعر صرف الريال اليمني نسبياً في مناطق الحكومة لم يمنع بروز ضغوط إضافية على تكلفة المعيشة، بعد رفع سعر الدولار الجمركي من 750 إلى 1550 ريالاً، إلى جانب فرض رسم جمركي بنسبة 20 في المائة على واردات الوقود، مع تحذيرات من انعكاس ذلك على أسعار دقيق القمح والسلع الأساسية.

وأشار إلى أن واردات الوقود عبر الموانئ الخاضعة للحكومة اليمنية تراجعت خلال الأشهر الـ5 الأولى من العام الحالي بنسبة 73 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنسبة 60 في المائة مقارنة بالموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين؛ مما أدى إلى تكرار نفاد الوقود من محطات التعبئة، وانقطاعات كهرباء تراوحت بين 18 و20 ساعة يومياً في بعض المديريات، بينما تجاوز الطلب على الوقود بنحو 3 أضعاف الكميات المتاحة.

تحسن محدود

في المقابل، أظهر «برنامج المساعدة الغذائية الطارئة المستهدفة»، الذي ينفذه «برنامج الأغذية العالمي» في المناطق الخاضعة للحكومة، نتائج إيجابية في الحد من مستويات الحرمان الغذائي بين المستفيدين، رغم تقليص نطاقه بسبب نقص التمويل.

وأوضح التقرير أن «البرنامج» بدأ مرحلته الأولى في منتصف فبراير (شباط) الماضي، بعد خفض عدد المستفيدين من 3.4 مليون شخص إلى 1.7 مليون فقط نتيجة شح التمويل.

وأظهرت بيانات المتابعة انخفاض نسبة «الحرمان الغذائي الشديد» بين المستفيدين من 46 إلى متوسط 25 في المائة خلال مايو الماضي، كما تراجعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي من 75 إلى 52 في المائة، بتحسن بلغ 23 نقطة مئوية.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء إلى التسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

كما سجلت مؤشرات التنوع الغذائي تحسناً؛ إذ انخفضت نسبة المستفيدين الذين يستهلكون 4 مجموعات غذائية أو أقل أسبوعياً من 72 إلى 56 في المائة، بينما ارتفع استهلاك الأغذية الغنية بالبروتين بنحو 18 نقطة مئوية، بعد إدراج البقوليات ضمن الحصص الغذائية.

وخلص التقرير الأممي إلى أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب توفير تمويل إضافي؛ لتوسيع برامج المساعدات الغذائية، ودعم برامج التغذية وسبل العيش، والمياه، والصرف الصحي، والتحويلات النقدية؛ لمنع اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي في المناطق الأعلى هشاشة.


إيرادات الحوثيين الضخمة دون موازنات أو شفافية مالية

مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

إيرادات الحوثيين الضخمة دون موازنات أو شفافية مالية

مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون من أنصار الحوثيين خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)

على امتداد أكثر من عشر سنوات من الانقلاب الحوثي، تمكنت الجماعة من بناء منظومة مالية موازية، أتاحت لها إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها وتأمين موارد مستمرة لتمويل أنشطتها العسكرية والإدارية، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية للسكان مع استمرار توقف رواتب معظم موظفي الدولة، وتراجع الخدمات العامة.

وفي حين تغيب الموازنات الرسمية والبيانات المالية، تزداد تساؤلات الاقتصاديين والباحثين حول حجم الإيرادات التي تجنيها الجماعة وكيفية إنفاقها.

ولا تنشر الجماعة الحوثية، التي تدير المؤسسات في مناطق سيطرتها، موازنات عامة أو حسابات ختامية، كما لا تقدم بيانات تفصيلية عن الإيرادات أو أوجه الصرف، وهو ما يجعل أي تقديرات تعتمد على دراسات اقتصادية وتقارير أممية وتحليلات خبراء يمنيين ودوليين، وسط اتفاق واسع على أن غياب الإفصاح المالي يحول دون الوصول إلى أرقام دقيقة.

وتعتمد الجماعة منذ انقلابها وإشعال الحرب على شبكة واسعة ومتنوعة من مصادر التمويل، تضم الضرائب العامة، والجمارك، والزكاة، ورسوم المشتقات النفطية، وعائدات قطاع الاتصالات، ورسوم إصدار الوثائق الرسمية، إلى جانب الإيرادات المتحصلة من الموانئ الواقعة تحت سيطرتها، وفي مقدمها ميناء الحديدة.

بوابة البنك المركزي اليمني في صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن الجماعة استحدثت خلال سنوات الحرب رسوماً وإتاوات إضافية على الأنشطة التجارية، وفرضت رسوماً على نقل البضائع بين المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، فضلاً عن مساهمات إلزامية تُحصّل من الشركات والمؤسسات التجارية تحت أسماء متعددة، مثل دعم المناسبات أو ما يعرف بـ«المجهود الحربي».

ويرى خبراء اقتصاديون أن تعدد هذه الموارد منح الجماعة قدرة على تعويض أي تراجع في بعض مصادر الدخل التقليدية، خصوصاً مع استمرار حركة الاستيراد عبر موانئ البحر الأحمر، وهو ما حافظ على تدفق الإيرادات رغم الظروف الاقتصادية المعقدة.

ورغم غياب الأرقام الرسمية، فإن تقديرات فريق الخبراء الأمميين التابع للجنة العقوبات في مجلس الأمني تضع حجم الإيرادات السنوية للجماعة عند أكثر من 13 مليار دولار، مع اختلاف التقديرات تبعاً لحجم الواردات وأسعار الوقود ونشاط التجارة ومستويات الرسوم المفروضة سنوياً.

ويحذر مختصون من التعامل مع هذه الأرقام بوصفها حقائق نهائية، مؤكدين أن غياب البيانات المالية المنشورة يجعل التحقق من الإيرادات الفعلية أمراً بالغ الصعوبة.

إنفاق خارج الرقابة

بشأن أوجه الإنفاق، يعتقد باحثون في الاقتصاد اليمني أن الجزء الأكبر من الموارد يذهب إلى تمويل النفقات العسكرية والأمنية، بما يشمل شراء المعدات، ودعم الجبهات، وصرف مخصصات للمقاتلين، وتمويل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

ويضيف الباحثون أن جزءاً آخر من الأموال يُستخدم في دعم الأنشطة التعبوية والإعلامية والفعاليات الجماهيرية، إضافة إلى تمويل برامج اجتماعية تستهدف الموالين للجماعة عبر ما يسمى «هيئة الزكاة» وغيرها من المؤسسات المستحدثة، من دون نشر بيانات مالية توضح حجم هذه النفقات أو آليات توزيعها.

وفي المقابل، تستمر معاناة موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، إلى جانب تراجع الخدمات الأساسية، وهو ما يعزز التساؤلات بشأن أولويات الإنفاق.

إلى جانب خفض التمويل أعاقت ممارسات الحوثيين العمل الإنساني (إكس)

ويقول «أمين»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات لم تعد الرواتب تُصرف بانتظام، بينما تستمر عمليات التحصيل من مختلف القطاعات، والمواطن يتساءل أين تذهب كل هذه الموارد».

ويرى اقتصاديون أن أبرز سمات الإدارة المالية في مناطق سيطرة الحوثيين تتمثل في وجود اقتصاد موازٍ لا يخضع لآليات الرقابة التقليدية، من خلال هيئات وصناديق مستحدثة تتولى جمع الرسوم والإيرادات بصورة منفصلة عن أي موازنة عامة معلنة.

ويقول خبير اقتصادي في صنعاء، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «غياب الموازنة العامة والإفصاح المالي يجعل من المستحيل معرفة الحجم الحقيقي للإيرادات، وما نعرفه هو أن تعدد مصادر الجباية خلق اقتصاداً موازياً خارج الأطر التقليدية للرقابة والمحاسبة».

وأضاف أن الجمارك والضرائب والزكاة ورسوم الوقود والاتصالات أصبحت تمثل أبرز مصادر الإيرادات، إلا أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الأموال، وإنما في غياب الشفافية بشأن كيفية إنفاقها.

انعكاسات مباشرة

تشير تقارير ودراسات اقتصادية إلى أن الإيرادات الجمركية والرسوم الداخلية من أهم مصادر التمويل، مع توسع شبكة نقاط الجباية داخل مناطق سيطرة الجماعة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على النشاط التجاري والأسعار.

ويقول عدد من تجار الجملة إنهم يدفعون رسوماً في أكثر من نقطة جباية مستحدثة، الأمر الذي يرفع تكاليف نقل البضائع مع كل إجراء جديد، مؤكدين أن هذه الزيادات لا يتحملها التاجر وحده، وإنما تنتقل في نهاية المطاف إلى المستهلك عبر ارتفاع أسعار السلع.

ملايين اليمنيين تتهددهم المجاعة فيما يهرب الحوثيون نحو التصعيد (إكس)

ويقول مالك شركة استيراد في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «أصبح التاجر يحسب تكلفة الرسوم والإجراءات قبل أن يحسب تكلفة البضاعة نفسها»، مضيفاً أن استمرار فرض الرسوم والإتاوات على القطاع الخاص أدى إلى زيادة تكاليف الاستيراد، وهو ما انعكس على أسعار السلع الأساسية وزاد من الأعباء المعيشية في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويرى باحثون أن اقتصاد الحرب لا يعتمد على مورد واحد، بل على شبكة واسعة من الضرائب والرسوم والإيرادات غير التقليدية، وهو ما يجعل تقدير الدخل الحقيقي للجماعة بالغ الصعوبة في ظل غياب البيانات الرسمية.

ويؤكد أحد الباحثين في اقتصاد النزاعات أن هذا النمط يتوافق مع ما تناولته تقارير أممية ودراسات سابقة بشأن تعدد مصادر الإيرادات في مناطق سيطرة الحوثيين وغياب الإفصاح المالي، مشيراً إلى أن أي تقديرات متاحة تبقى قابلة للمراجعة مع ظهور بيانات أكثر اكتمالاً.


الزنداني: الحوثيون أفشلوا السلام وجرّوا اليمن للصراعات

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
TT

الزنداني: الحوثيون أفشلوا السلام وجرّوا اليمن للصراعات

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

حمّل رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني، الجماعة الحوثية مسؤولية تعثر جهود السلام، واتهمها بإفشال المبادرات الإقليمية والدولية، والزج باليمن في صراعات إقليمية، داعياً السكان في مناطق سيطرة الجماعة إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بـ«الدعاية المضللة»، ومؤكداً أن الحكومة لا تزال تتمسك بخيار التسوية السياسية الشاملة.

وجاءت تصريحات الزنداني في رسالة وجهها إلى اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري، إذ قال إن الجماعة اعتادت، كلما اقتربت فرص السلام، على تصعيد الموقف العسكري والسياسي، وافتعال مبررات ضد الحكومة الشرعية والتحالف العربي والمكونات السياسية والقبلية، وصولاً إلى جر البلاد إلى جولات جديدة من الصراع.

وأكد الزنداني أن الحكومة، بدعم من التحالف بقيادة السعودية، وبمساندة سلطنة عمان، انخرطت خلال السنوات الماضية في مختلف المبادرات التي رعتها الأمم المتحدة لوقف الحرب، مشيراً إلى أن الهدنة التي أُعلنت في عام 2022 كانت تمثل فرصة حقيقية للانتقال إلى عملية سياسية شاملة.

جانب من آخر اجتماع للحكومة اليمنية في عدن (سبأ)

وأضاف أن الحكومة وافقت كذلك على خريطة الطريق التي صاغها المبعوث الأممي خلال المشاورات التي جرت في عام 2023، بينما اتهم الحوثيين بالمماطلة والتراجع عن التفاهمات، قبل أن يربطوا اليمن بالأزمة الإقليمية، وهو ما تسبب - بحسب قوله - في خسائر كبيرة طالت البنية التحتية والمنشآت الحيوية.

ملف مطار صنعاء

في ما يتعلق بملف مطار صنعاء، قال الزنداني إن الحكومة لم تمنع تشغيل الرحلات الجوية، موضحاً أن المطار ظل مفتوحاً خلال مدة الهدنة، كما استمرت الرحلات عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية إلى الأردن، إلى جانب استمرار دخول السلع والمشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة.

واتهم الحوثيين باحتجاز 4 طائرات تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية منذ عام 2024، وبعرقلة المقترحات الحكومية الرامية إلى استئناف الرحلات من صنعاء عبر شراء أو استئجار طائرات جديدة، أو التعاقد مع شركات طيران أخرى، معتبراً أن الجماعة أصرت على التدخل في إدارة الشركة وإيراداتها، وهو ما قال إنه يهدد مستقبل الناقل الوطني.

كما أشار إلى أن الحكومة اقترحت الإفراج عن أكثر من 120 مليون دولار من أموال الشركة المحتجزة في صنعاء لتمويل شراء أو استئجار الطائرات، إلا أن الحوثيين - بحسب روايته - رفضوا تلك المقترحات.

انتقادات لسلوك الجماعة

اتهم الزنداني الحوثيين بتصعيد الضغوط على السكان في مناطق سيطرتهم، من خلال فرض الجبايات والإتاوات ورفع الأعباء المعيشية، إلى جانب استهداف المعارضين واعتقالهم، والإساءة إلى الأعراف القبلية، ومهاجمة شيوخ القبائل وتفجير منازلهم.

كما اتهم الجماعة بتقييد عمل المنظمات الإنسانية والأممية، واحتجاز عدد من موظفيها، الأمر الذي انعكس سلباً على الوضع الإنساني، وأدى إلى تراجع أنشطة الإغاثة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وجدد رئيس الوزراء اليمني تأكيد تمسك الحكومة بخيار السلام، داعياً الحوثيين إلى العودة إلى طاولة الحوار والانخراط في عملية سياسية تضمن مشاركة جميع المكونات اليمنية على قدم المساواة، بعيداً عن استخدام القوة أو فرض الأمر الواقع.

كما شدد على أن استمرار التصعيد العسكري أو الإقدام على أي هجمات جديدة لن يكون مقبولاً، مؤكداً أن الحكومة ستتعامل بحزم مع أي اعتداء يستهدف الأمن والاستقرار، بما يضمن حماية اليمن وأمن المنطقة، معتبراً أن إنهاء الحرب لا يزال ممكناً إذا غلّبت الجماعة الحوثية خيار الحوار على خيار التصعيد.