فتح ملفات الفساد في ليبيا... «أمنيات مؤجلة» مع تعاقب الحكومات

سياسيون يرون أن «عودة الدولة» ستقضي على «لصوص المال العام»

رئيس الحكومة الليبية الجديد عبد الحميد دبيبة خلال مشاركته في احتفالات الذكرى العاشرة لـ«انتفاضة 17 فبراير» في العاصمة طرابلس الأربعاء الماضي (رويترز)
رئيس الحكومة الليبية الجديد عبد الحميد دبيبة خلال مشاركته في احتفالات الذكرى العاشرة لـ«انتفاضة 17 فبراير» في العاصمة طرابلس الأربعاء الماضي (رويترز)
TT

فتح ملفات الفساد في ليبيا... «أمنيات مؤجلة» مع تعاقب الحكومات

رئيس الحكومة الليبية الجديد عبد الحميد دبيبة خلال مشاركته في احتفالات الذكرى العاشرة لـ«انتفاضة 17 فبراير» في العاصمة طرابلس الأربعاء الماضي (رويترز)
رئيس الحكومة الليبية الجديد عبد الحميد دبيبة خلال مشاركته في احتفالات الذكرى العاشرة لـ«انتفاضة 17 فبراير» في العاصمة طرابلس الأربعاء الماضي (رويترز)

تعاني ليبيا من تفشي ظاهرة الفساد، وفق تقارير محلية ودولية، مما سهل تحول أشخاص عاديين وعناصر مسلحة إلى أصحاب ثروات ضخمة. لكن مع قرب تولي سلطة تنفيذية جديدة بالبلاد، طرح متابعون أسئلة حول قدرة الحكومة الجديدة على فتح ملفات الفساد، ومدى إخضاع كبار الشخصيات في ليبيا للمساءلة عن فترة توليهم المسؤولية.
واقترح عضو مجلس النواب الليبي بطبرق، حسن البرغوثي، تشكيل لجان من قبل الجهات الرقابية كديوان المحاسبة والرقابة الإدارية لمتابعة عملية تسليم السلطة لحكومة عبد الحميد دبيبة. وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن المطالبة بالتحقيق في قضايا الفساد هي مسؤولية هذه الجهات، و«يمكن لها أن ترفع إلى البرلمان جميع التقارير التي رصدت ووثقت فيها التجاوزات التي وقعت في السنوات الماضية ولم تجد الاهتمام الكافي».
ورأى البرغوثي أن مجلس النواب هو الجهة التشريعية المخولة بمناقشة هذه التقارير و«يمكن للحكومة الجديدة بعد نيل الثقة من البرلمان أن تتعاون معه بشكل فعال وإيجابي فيما تكشفه التقارير الرسمية عن وقوع مخالفات وتجاوزات مالية»، منوهاً إلى أنه «ربما تتمكن هذه الحكومة من وضع آليات عمل أكثر انضباطاً تضمن غلق الثغرات التي استغلها الفاسدون السابقون».
ورهن البرغوثي نجاح الحكومة الجديدة في أداء دورها وتفاعلها الإيجابي مع السلطة التشريعية «بتشكيلها من شخصيات اعتمد في اختيارها على عوامل الكفاءة والخبرة قبل أي شيء».
ومنذ عام 2014 تتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان، الأولى هي حكومة «الوفاق» المعترف بها من قبل الأمم المتحدة وتتخذ من طرابلس بالغرب الليبي مقراً لها ويترأس مجلسها الرئاسي فائز السراج، والثانية هي الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني وتحظى بدعم كل من مجلس النواب الليبي و«الجيش الوطني» وتتخذ من مدينة البيضاء شمال شرقي البلاد مقرا لها.
واستبعد أبو بكر الغزالي، عضو مجلس النواب، أن «يتم الاقتراب والتفاعل مع ملفات الفساد الكبيرة من قبل الحكومة الجديدة»، إلا في إطار ما وصفه بـ«رفع الشعارات البراقة لكسب ود الشارع». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لم ينس أحد وجود شبهات حول دفع أموال لتزكية وتعزيز فرص شخصيات بعينها في السلطة الجديدة قد تردد صداها بقوة خلال جلسات أعمال الملتقى السياسي بقيادة البعثة الأممية والتي نتج عنها في نهاية المطاف هذه السلطة والحكومة الجديدة».
في السياق ذاته، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة بطرابلس سعد بن شرادة، تعهد رئيس الوزراء المكلف بـ«دعم القضاء» إشارة إلى «نية الحكومة الجديدة التصدي للتجاوزات، رغم ثقل ملف الفساد بالنسبة لأي حكومة سواء دائمة أو مؤقتة». ومع ذلك، دعا بن شرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «تقليل سقف التوقعات بشأن إمكانية فتح قضايا الفساد بدرجة كبيرة كما يطمح ويأمل البعض»، متحدثاً عن «إشكالية هشاشة الدولة ومؤسساتها في حين تتطلب عملية محاربة الفساد آليات وأجهزة أمنية قوية لضبط وإيقاف المفسدين الذين نهبوا المال العام، خاصةً أن هؤلاء قد يملكون المال والسلاح».
وأشار بن شرادة إلى أن «دعم الحكومة للقضاء راهناً يمكن أن يساعد في التوثيق الدقيق لكافة الجرائم الإدارية والمالية التي وقعت في الفترة الماضية». وتابع: «بما أن هذه النوعية من القضايا لا تسقط بالتقادم فيمكن عندما تقوى وتستقر الدولة أن تتم ملاحقة الفاسدين داخل ليبيا أو خارجها والعمل على استرجاع الأموال المنهوبة، خاصةً أن ليبيا عضو بالعديد من الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بتسليم المطلوبين للقضاء».
ولم يبتعد وكيل وزارة الخارجية بالحكومة المؤقتة حسن الصغير عن الطرح السابق، وقال إن «الأجهزة الرقابية مثل مكتب النائب العام أو ديوان المحاسبة لم تقم خلال الفترة الماضية إلا بتوجيه الملاحظات والاتهامات إلى وزراء ومسؤولين لا يتمتعون بدعم الميلشيات المسلحة». واستبعد الصغير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» لجوء كبار المسؤولين من وزراء ومستشارين في شرق البلاد وغربها «للهرب بغنائم تجاوزاتهم المالية خوفاً من أن تطالهم يد العقاب مستقبلاً». وقال: «المفارقة أن ليبيا قد تكون الخيار الأفضل (للفاسدين) لأسباب عديدة في مقدمها الفوضى الأمنية وغياب الوعي المجتمعي وتولي الحواضن الاجتماعية كالقبائل والمدن تبرير التجاوزات التي يرتكبها المسؤول الذي ينتمي إليهم، ومن ثم يطالبون بتأجيل محاسبته».
ووفقاً لتقرير مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2020، احتل اسم ليبيا قائمة أكثر عشر دول فساداً في العالم من أصل 180 دولة تناولها التقرير الذي يعتمد في تقييمه لأداء مؤسسات الدول على عدة عوامل أبرزها «العمل والمال السياسي ومؤشرات الديمقراطية وحرية التعبير».
غير أن الصغير استبعد أن «تلجأ الحكومة الجديدة لفتح ملفات الفساد عن الفترة السابقة»، مشيراً إلى أن «الجميع يدرك أن محاربة الفساد لا تحدث كطفرة غير متوقعة وإنما هي نهج مؤسسي ومجتمعي. كما يدرك الجميع أن العشرية السوداء التي مرت على الشعب الليبي أكسبتهم خبرة كشف أكاذيب أهل السلطة، وبالتالي لن تنطلي عليهم أي محاولات بالحديث عن الفساد السابق وتوظيفه للتغطية على الفشل أو لتصفية حسابات».
كما استبعد السياسي الليبي عبد الله الكبير أن «تجازف الحكومة الجديدة وتفتح ملف الفساد، ليس لثقل المواجهة الأمنية وإنما لرغبتها في التفاف كافة القوى والأطراف الليبية حولها ومساندتها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «فتح هذا الملف يعني المواجهة مع شخصيات ذات نفوذ مناطقي وأطراف سياسية وهذا يعارض هدف الحكومة الرئيسي بالابتعاد عن الصدام مع أي طرف، ويمكنها أن تكسب رضا الناس - حتى لو أخفقت في أي استحقاق - إذا تمكنت من تحسين الخدمات الحياتية من الكهرباء وتوافر السيولة وعودة المهجرين».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.