أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

تأهباً لمواجهة الجائحات المقبلة

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية
TT

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

الجميع سيتذكر اختراع لقاحات «كوفيد – 19» على أنه حدث مهم في تاريخ الطب، ولا سيما أنه تم تطويرها في غضون أشهر بعد أن كان ابتكار اللقاحات يتطلب عشر سنوات على الأقل. ولكن الدكتور كيفون مودجارّاد، مدير فرع الأمراض المعدية الناشئة في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث في سيلفر سبرينغ، ماريلاند، لا يشعر بالرضى.
رأى مودجارّاد، أن «التوصل إلى هذه اللقاحات لم يكن سريعاً بما يكفي»؛ إذ فقد نحو 2.3 مليون إنسان حياتهم بسبب هذا الفيروس حول العالم، ولن تستطيع دول كثيرة الحصول على الكميات الكافية من اللقاحات قبل سنة أو سنتين؛ ما دفع الدكتور للقول «سرعة... السرعة الحقيقية تقضي باختراع اللقاح في يوم واحد».
جائحات فيروسية
يرجح العلماء أن المستقبل سيشهد انتشارات متعددة لفيروسات «كورونا»؛ لأن الخفافيش وغيرها من الثديات مليئة بسلالات، وأنواع كثيرة من هذه العائلة الفيروسية الغنية، ولا شك أن بعضها سيتجاوز حواجز الأنواع السابقة، ويتحول إلى جوائح جديدة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.
مودجارّاد هو واحد من علماء كثر طالبوا لسنوات بصناعة نوع جديد من اللقاحات: لقاح واحد يعمل في مواجهة جميع أنواع الفيروسات التاجية. ولكن هذه الدعوات والمطالبات قوبلت بالتجاهل حتى أثبت «كوفيد - 19» القدرات الكارثية لهذه العائلة التاجية.
بدأ الباحثون اليوم في تطوير نموذج تجريبي لما يُعرف بلقاح عام للفيروسات التاجية، ويمكن القول إنه أظهر بعض النتائج الواعدة في التجارب التي أجريت على الحيوانات. ويعتقد الدكتور إريك توبول، أستاذ محاضر في الطب الجزيئي في معهد «سكريبس ريسرتش» في سان دييغو، أن على العلماء أن يوحدوا جهودهم فوراً في مشروع كبير لصناعة اللقاحات.
ويقول توبول «علينا أن نجمع قوى عاملة حقيقية لتسريع هذا المشروع وإنهائه هذا العام». وكان توبول ودينيس بورتون، عالما مناعة في معهد «سكريبس»، قد دعيا إلى إطلاق مشروع واسع خاص بصناعة لقاحات للفيروسات التاجية في الثامن من فبراير (شباط) في دورية «نيتشر» العلمية.
سلالات تاجية
وضعت الدوائر العلمية تعريفاً للفيروسات التاجية لأول مرة عام 1969، ولكنها لم تصبح أولوية قصوى لصانعي اللقاحات؛ لأن نشاطها انحصر لعقود بنزلات برد طفيفة. ولكن في عام 2002. برز نوع جديد منها عُرف بالـ«سارس – كوف» يُسبب التهاباً رئوياً مميتاً يعرف بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة والتي اشتهرت باسم «سارس». في ذلك الوقت، وحّد العلماء جهودهم لصناعة لقاح لها.
لم نشهد في السابق صناعة لقاح بشري لفيروس كورونا؛ لهذا السبب كانت توجد الكثير من المعلومات التي يجب تعلمها حول تكوينه الحيوي. وأخيراً، اختار الباحثون هدفاً للمناعة، وهو بروتين شوكي يغطي سطح الفيروس. تساعد الأجسام المضادة التي تلتصق بهذا البروتين على منع الفيروس من الدخول إلى الخلايا ووقف العدوى.
لم ينتظر المسؤولون الصحيون في آسيا ومناطق أخرى اختراع لقاح للمتلازمة للبدءِ في العمل، بل عمّموا الحجر الصحي وغيره من الجهود التي أثبتت فاعلية ملحوظة. وفي غضون أشهر، استطاعوا التخلص من فيروس «سارس – كوف» الذي سجل 774 وفية.
ازدادت خطورة الفيروسات التاجية وضوحاً عام 2012 عندما ظهرت سلالة جديدة مصدرها الخفافيش تسبب مرضاً تنفسياً قاتلاً آخر هو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو «ميرس». بدأ الباحثون في العمل على لقاحات لهذه المتلازمة، ولكن بعضهم تساءل ما إذا كانت صناعة لقاح لكل نوع من أنواع الفيروسات التاجية أو ما أسماه مودجارّاد «مقاربة فيروس واحد، علاج واحد» هي الاستراتيجية الأذكى. ألن يكون من الأفضل إذا استطاع العلماء صناعة لقاح واحد لمواجهة متلازمتي «سارس» و«ميرس»، وأي فيروس تاجي آخر؟
ولكن الفكرة لم تشهد أي تقدم لسنوات، لا سيما أن أعداد الوفيات التي سببتها المتلازمتان لم تكن كبيرة إلى جانب بروز فيروسات أخرى أكثر خطورة كالإيبولا والزيكا.
في عام 2016، تقدمت ماريا إيلينا بوتازي، خبيرة الفيروسات في كلية «بايلور للطب» وزملاؤها بطلب للحصول على دعم من الحكومة الأميركية لتطوير لقاح عام للفيروسات التاجية، ولكنهم لم يحصلوا عليه. وعن الرد الحكومي في ذلك الوقت، قالت بوتازي «لقد أجابوا بأنهم غير مهتمين بلقاح عام للفيروسات التاجية». علاوة على ذلك، خسر فريقها تمويلاً كان مخصصاً لتطوير لقاح لـ«سارس» رغم إظهاره فاعلية في تجارب أجريت على الفئران، وخلوه من السمية على الخلايا البشرية، وإمكانية صناعته بكميات كبيرة. باختصار، لم يكن فيروس كورونا الذي اختفى من المشهد الطبي أولية قصوى.
بعد انقطاع التمويل المالي المطلوب للبدء في التجارب السريرية، خزّن العلماء لقاح السارس الذي طوروه في الثلاجة وانتقلوا للعمل في أبحاث أخرى، ووصفت بوتازي الأمر بالمعاناة.
يصف الدكتور ماثيو ميمولي، خبير الفيروسات في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، هذه القرارات بالخطأ الفادح، ويقول «إنها بمثابة الفشل لنظامنا العلمي؛ لأن الجهات الممولة تفضّل العمل على الأمور التي تحدث ضجة».
بعد مضي ثلاث سنوات، برز نوع جديد ثالث من الفيروسات التاجية هو «سارس – كوف – 2» الذي يقف خلف جائحة «كوفيد - 19»، ويختلف هذا الفيروس أقل عن الفيروسين المسببين لمتلازمتي «سارس» و«ميرس»، بأنه أسرع وأكثر انتشاراً من شخص إلى آخر، وسبب أكثر من 106 ملايين إصابة حول العالم والعدد مستمر بالارتفاع.
ساعدت الدروس التي تعلمها الباحثون من الفيروسات التاجية الماضية في التحرك سريعاً لصناعة لقاح للسلاسة الجديدة، فاستخدمت بوتازي وزملاؤها التقنية التي كانوا قد طوروا من خلالها لقاح للسارس لصناعة لقاح جديد لـ«كوفيد - 19» لا يزال في مرحلة مبكرة من تجاربه السريرية.
استخدم باحثون آخرون وسائل أكثر حداثة للتحرك بسرعة نحو تطوير اللقاح. فقد صنعت شركة «بيونتيك» الألمانية جزيئية جينية أسمتها «الحمض النووي الريبوزي المرسال» يعمل على ترميز البروتين الشوكي. دخلت «بيونتيك» في شراكة مع «فايزر» الأميركية وحصلتا معاً على ترخيص من الحكومة الأميركية لإنتاج لقاحهما في 11 شهراً فقط. وتجدر الإشارة إلى أن صناعة آخر لقاح من هذا النوع تطلبت أربع سنوات.
صحيح أن اختفاء جائحة «كوفيد - 19» لا يزال بعيداً، ولكن عدداً من الباحثين يدعون للبدء بالتحضيرات للجائحة القاتلة المقبلة.
لقاح موحد
من جهته، رأى دانيال هوفت، خبير الفيروسات في جامعة سانت لويس، أن «هذا الأمر حصل ثلاث مرات في الماضي، وسيحصل مجدداً على الأرجح».
تقدم باحثون في شركة «في بي آي فاكسينز» في مدينة كمبردج خطوة صغيرة باتجاه صناعة لقاح عام للفيروسات التاجية هذا الصيف. لقد صنعوا أصدافاً تشبه الفيروس تغطيها بروتينات شوكية مصدرها الفيروسات التاجية الثلاثة المسببة لـ«سارس» و«ميرس» و«كوفيد - 19».
عندما حقن الباحثون هذا اللقاح الذي يضم ثلاثة أنواع من الأشواك في الفئران، أنتجت هذه الحيوانات أجساماً مضادة حاربت الفيروسات التاجية الثلاثة المذكورة. ولكن ما أثار اهتمام الباحثين هو أن هذه الأجسام المضادة التصقت أيضاً بفيروس تاجي بشري رابع يسبب نزلات برد موسمية على الرغم من أن الأشواك البروتينية الخاصة به لم تكن مستخدمة في اللقاح. نشر العلماء هذه البيانات للجمهور، ولكنهم لم يعلنوا عنها بعد في دورية علمية.
الشهر الفائت، نشرت باميلا بيوركمان، المتخصصة في علم الأحياء الحيوي في معهد «كالتك» وزملاؤها تجربة موسعة لاختبار لقاح شامل للفيروسات التاجية في دورية «ساينس». لصناعة هذا اللقاح، وصّل الباحثون أطراف البروتينات الشوكية من ثمانية فيروسات تاجية مختلفة ببروتين أساسي يسمى «الجسيم النانوي». بعد حقن هذه الجسيمات النانوية في الفئران، دفعت الفئران لتوليد أجسام مضادة قادرة على الالتصاق بثمانية فيروسات تاجية وأربعة فيروسات إضافية من العائلة نفسها لم يستخدم الباحثون أثراً منها في اللقاح.
اليوم، يقود الباحث مودجارّاد فريقاً علمياً في معهد والتر ريد لتطوير لقاح آخر يعتمد على جسيم نانوي مرصع بأجزاء صغيرة من البروتين، ويتوقعون انطلاق التجارب السريرية على المتطوعين الشهر المقبل. يعتمد اللقاح حالياً على أجزاء من أشواك فيروس «سارس – كوف – 2»، ولكن مودجارّاد وفريقه يعتزمون تعديله ليصبح من فيروس عام لمواجهة الفيروسات التاجية.
بدوره، يعمل هوفت من جامعة سانت لويس على تطوير لقاح شامل لا يعتمد على الأجسام المضادة والبروتينات الشوكية. فقد طور، بالتعاون مع شركة «غريتستون أونكولوجي» ومقرها كاليفورنيا، لقاحاً يحث الخلايا على إنتاج بروتينات سطحية قد تعمل على إنذار الجهاز المناعي عند اختراق أي فيروس تاجي للجسم. يتحضر هؤلاء العلماء اليوم للبدء في التجارب السريرية لتبيان ما إذا كان هذا اللقاح فعالاً على فيروس «سارس – كوف – 2». وأخيراً، قال هوف «نحن مهتمون بتطوير لقاح من الجيل الثالث ربما ليكون جاهزاً لمواجهة أي جائحة مستقبلية».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.