أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

تأهباً لمواجهة الجائحات المقبلة

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية
TT

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

الجميع سيتذكر اختراع لقاحات «كوفيد – 19» على أنه حدث مهم في تاريخ الطب، ولا سيما أنه تم تطويرها في غضون أشهر بعد أن كان ابتكار اللقاحات يتطلب عشر سنوات على الأقل. ولكن الدكتور كيفون مودجارّاد، مدير فرع الأمراض المعدية الناشئة في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث في سيلفر سبرينغ، ماريلاند، لا يشعر بالرضى.
رأى مودجارّاد، أن «التوصل إلى هذه اللقاحات لم يكن سريعاً بما يكفي»؛ إذ فقد نحو 2.3 مليون إنسان حياتهم بسبب هذا الفيروس حول العالم، ولن تستطيع دول كثيرة الحصول على الكميات الكافية من اللقاحات قبل سنة أو سنتين؛ ما دفع الدكتور للقول «سرعة... السرعة الحقيقية تقضي باختراع اللقاح في يوم واحد».
جائحات فيروسية
يرجح العلماء أن المستقبل سيشهد انتشارات متعددة لفيروسات «كورونا»؛ لأن الخفافيش وغيرها من الثديات مليئة بسلالات، وأنواع كثيرة من هذه العائلة الفيروسية الغنية، ولا شك أن بعضها سيتجاوز حواجز الأنواع السابقة، ويتحول إلى جوائح جديدة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.
مودجارّاد هو واحد من علماء كثر طالبوا لسنوات بصناعة نوع جديد من اللقاحات: لقاح واحد يعمل في مواجهة جميع أنواع الفيروسات التاجية. ولكن هذه الدعوات والمطالبات قوبلت بالتجاهل حتى أثبت «كوفيد - 19» القدرات الكارثية لهذه العائلة التاجية.
بدأ الباحثون اليوم في تطوير نموذج تجريبي لما يُعرف بلقاح عام للفيروسات التاجية، ويمكن القول إنه أظهر بعض النتائج الواعدة في التجارب التي أجريت على الحيوانات. ويعتقد الدكتور إريك توبول، أستاذ محاضر في الطب الجزيئي في معهد «سكريبس ريسرتش» في سان دييغو، أن على العلماء أن يوحدوا جهودهم فوراً في مشروع كبير لصناعة اللقاحات.
ويقول توبول «علينا أن نجمع قوى عاملة حقيقية لتسريع هذا المشروع وإنهائه هذا العام». وكان توبول ودينيس بورتون، عالما مناعة في معهد «سكريبس»، قد دعيا إلى إطلاق مشروع واسع خاص بصناعة لقاحات للفيروسات التاجية في الثامن من فبراير (شباط) في دورية «نيتشر» العلمية.
سلالات تاجية
وضعت الدوائر العلمية تعريفاً للفيروسات التاجية لأول مرة عام 1969، ولكنها لم تصبح أولوية قصوى لصانعي اللقاحات؛ لأن نشاطها انحصر لعقود بنزلات برد طفيفة. ولكن في عام 2002. برز نوع جديد منها عُرف بالـ«سارس – كوف» يُسبب التهاباً رئوياً مميتاً يعرف بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة والتي اشتهرت باسم «سارس». في ذلك الوقت، وحّد العلماء جهودهم لصناعة لقاح لها.
لم نشهد في السابق صناعة لقاح بشري لفيروس كورونا؛ لهذا السبب كانت توجد الكثير من المعلومات التي يجب تعلمها حول تكوينه الحيوي. وأخيراً، اختار الباحثون هدفاً للمناعة، وهو بروتين شوكي يغطي سطح الفيروس. تساعد الأجسام المضادة التي تلتصق بهذا البروتين على منع الفيروس من الدخول إلى الخلايا ووقف العدوى.
لم ينتظر المسؤولون الصحيون في آسيا ومناطق أخرى اختراع لقاح للمتلازمة للبدءِ في العمل، بل عمّموا الحجر الصحي وغيره من الجهود التي أثبتت فاعلية ملحوظة. وفي غضون أشهر، استطاعوا التخلص من فيروس «سارس – كوف» الذي سجل 774 وفية.
ازدادت خطورة الفيروسات التاجية وضوحاً عام 2012 عندما ظهرت سلالة جديدة مصدرها الخفافيش تسبب مرضاً تنفسياً قاتلاً آخر هو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو «ميرس». بدأ الباحثون في العمل على لقاحات لهذه المتلازمة، ولكن بعضهم تساءل ما إذا كانت صناعة لقاح لكل نوع من أنواع الفيروسات التاجية أو ما أسماه مودجارّاد «مقاربة فيروس واحد، علاج واحد» هي الاستراتيجية الأذكى. ألن يكون من الأفضل إذا استطاع العلماء صناعة لقاح واحد لمواجهة متلازمتي «سارس» و«ميرس»، وأي فيروس تاجي آخر؟
ولكن الفكرة لم تشهد أي تقدم لسنوات، لا سيما أن أعداد الوفيات التي سببتها المتلازمتان لم تكن كبيرة إلى جانب بروز فيروسات أخرى أكثر خطورة كالإيبولا والزيكا.
في عام 2016، تقدمت ماريا إيلينا بوتازي، خبيرة الفيروسات في كلية «بايلور للطب» وزملاؤها بطلب للحصول على دعم من الحكومة الأميركية لتطوير لقاح عام للفيروسات التاجية، ولكنهم لم يحصلوا عليه. وعن الرد الحكومي في ذلك الوقت، قالت بوتازي «لقد أجابوا بأنهم غير مهتمين بلقاح عام للفيروسات التاجية». علاوة على ذلك، خسر فريقها تمويلاً كان مخصصاً لتطوير لقاح لـ«سارس» رغم إظهاره فاعلية في تجارب أجريت على الفئران، وخلوه من السمية على الخلايا البشرية، وإمكانية صناعته بكميات كبيرة. باختصار، لم يكن فيروس كورونا الذي اختفى من المشهد الطبي أولية قصوى.
بعد انقطاع التمويل المالي المطلوب للبدء في التجارب السريرية، خزّن العلماء لقاح السارس الذي طوروه في الثلاجة وانتقلوا للعمل في أبحاث أخرى، ووصفت بوتازي الأمر بالمعاناة.
يصف الدكتور ماثيو ميمولي، خبير الفيروسات في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، هذه القرارات بالخطأ الفادح، ويقول «إنها بمثابة الفشل لنظامنا العلمي؛ لأن الجهات الممولة تفضّل العمل على الأمور التي تحدث ضجة».
بعد مضي ثلاث سنوات، برز نوع جديد ثالث من الفيروسات التاجية هو «سارس – كوف – 2» الذي يقف خلف جائحة «كوفيد - 19»، ويختلف هذا الفيروس أقل عن الفيروسين المسببين لمتلازمتي «سارس» و«ميرس»، بأنه أسرع وأكثر انتشاراً من شخص إلى آخر، وسبب أكثر من 106 ملايين إصابة حول العالم والعدد مستمر بالارتفاع.
ساعدت الدروس التي تعلمها الباحثون من الفيروسات التاجية الماضية في التحرك سريعاً لصناعة لقاح للسلاسة الجديدة، فاستخدمت بوتازي وزملاؤها التقنية التي كانوا قد طوروا من خلالها لقاح للسارس لصناعة لقاح جديد لـ«كوفيد - 19» لا يزال في مرحلة مبكرة من تجاربه السريرية.
استخدم باحثون آخرون وسائل أكثر حداثة للتحرك بسرعة نحو تطوير اللقاح. فقد صنعت شركة «بيونتيك» الألمانية جزيئية جينية أسمتها «الحمض النووي الريبوزي المرسال» يعمل على ترميز البروتين الشوكي. دخلت «بيونتيك» في شراكة مع «فايزر» الأميركية وحصلتا معاً على ترخيص من الحكومة الأميركية لإنتاج لقاحهما في 11 شهراً فقط. وتجدر الإشارة إلى أن صناعة آخر لقاح من هذا النوع تطلبت أربع سنوات.
صحيح أن اختفاء جائحة «كوفيد - 19» لا يزال بعيداً، ولكن عدداً من الباحثين يدعون للبدء بالتحضيرات للجائحة القاتلة المقبلة.
لقاح موحد
من جهته، رأى دانيال هوفت، خبير الفيروسات في جامعة سانت لويس، أن «هذا الأمر حصل ثلاث مرات في الماضي، وسيحصل مجدداً على الأرجح».
تقدم باحثون في شركة «في بي آي فاكسينز» في مدينة كمبردج خطوة صغيرة باتجاه صناعة لقاح عام للفيروسات التاجية هذا الصيف. لقد صنعوا أصدافاً تشبه الفيروس تغطيها بروتينات شوكية مصدرها الفيروسات التاجية الثلاثة المسببة لـ«سارس» و«ميرس» و«كوفيد - 19».
عندما حقن الباحثون هذا اللقاح الذي يضم ثلاثة أنواع من الأشواك في الفئران، أنتجت هذه الحيوانات أجساماً مضادة حاربت الفيروسات التاجية الثلاثة المذكورة. ولكن ما أثار اهتمام الباحثين هو أن هذه الأجسام المضادة التصقت أيضاً بفيروس تاجي بشري رابع يسبب نزلات برد موسمية على الرغم من أن الأشواك البروتينية الخاصة به لم تكن مستخدمة في اللقاح. نشر العلماء هذه البيانات للجمهور، ولكنهم لم يعلنوا عنها بعد في دورية علمية.
الشهر الفائت، نشرت باميلا بيوركمان، المتخصصة في علم الأحياء الحيوي في معهد «كالتك» وزملاؤها تجربة موسعة لاختبار لقاح شامل للفيروسات التاجية في دورية «ساينس». لصناعة هذا اللقاح، وصّل الباحثون أطراف البروتينات الشوكية من ثمانية فيروسات تاجية مختلفة ببروتين أساسي يسمى «الجسيم النانوي». بعد حقن هذه الجسيمات النانوية في الفئران، دفعت الفئران لتوليد أجسام مضادة قادرة على الالتصاق بثمانية فيروسات تاجية وأربعة فيروسات إضافية من العائلة نفسها لم يستخدم الباحثون أثراً منها في اللقاح.
اليوم، يقود الباحث مودجارّاد فريقاً علمياً في معهد والتر ريد لتطوير لقاح آخر يعتمد على جسيم نانوي مرصع بأجزاء صغيرة من البروتين، ويتوقعون انطلاق التجارب السريرية على المتطوعين الشهر المقبل. يعتمد اللقاح حالياً على أجزاء من أشواك فيروس «سارس – كوف – 2»، ولكن مودجارّاد وفريقه يعتزمون تعديله ليصبح من فيروس عام لمواجهة الفيروسات التاجية.
بدوره، يعمل هوفت من جامعة سانت لويس على تطوير لقاح شامل لا يعتمد على الأجسام المضادة والبروتينات الشوكية. فقد طور، بالتعاون مع شركة «غريتستون أونكولوجي» ومقرها كاليفورنيا، لقاحاً يحث الخلايا على إنتاج بروتينات سطحية قد تعمل على إنذار الجهاز المناعي عند اختراق أي فيروس تاجي للجسم. يتحضر هؤلاء العلماء اليوم للبدء في التجارب السريرية لتبيان ما إذا كان هذا اللقاح فعالاً على فيروس «سارس – كوف – 2». وأخيراً، قال هوف «نحن مهتمون بتطوير لقاح من الجيل الثالث ربما ليكون جاهزاً لمواجهة أي جائحة مستقبلية».
* خدمة «نيويورك تايمز»



كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.