ميساء الخواجا: القصيدة الحديثة تتطلب قارئاً قادراً على الانسلاخ من ذاكرة القصيدة العمودية

الناقدة السعودية تقول إنها لا تحبّذ تقسيم الأدب وفق جنس المبدع

د. ميساء الخواجا
د. ميساء الخواجا
TT

ميساء الخواجا: القصيدة الحديثة تتطلب قارئاً قادراً على الانسلاخ من ذاكرة القصيدة العمودية

د. ميساء الخواجا
د. ميساء الخواجا

تعمل الدكتورة ميساء الخواجا أستاذاً مشاركاً في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة الملك سعود في الرياض، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها.
وفي هذا الحوار الذي أجريناه معها عبر وسائل التواصل، بسبب إجراءات التباعد التي فرضتها جائحة كورونا، تتحدث عن القصيدة الحديثة التي ترى أنها تتطلب «قارئاً مثقفاً قادراً على أن ينسلخ من ذاكرة القصيدة العمودية»، وتتناول معاناة المرأة التي «تحمل إرثاً كبيراً من التهميش والسلطة الذكورية»، كما ترى أن سلطة المجتمع لها هيمنتها بصورة مضاعفة على المرأة الكاتبة، لا سيما حين تدخل في منطقة «التابو» وتتناول المحرم... ولذلك؛ كما تقول، تلجأ بعض الكاتبات للنشر باسم مستعار، كوسيلة حماية من سلطة الثقافة وسلطة المجتمع. هنا نص الحوار:

> ماذا يعني لكِ «الغموض» في التجربة الشعرية الحداثية...؟ لماذا تميلين للقصيدة التي تحتوي على قدر من الغموض، كما كتبتِ مرة؟
- الغموض هو حالة شعرية في الأساس، وفي رأيي أنه يرتبط بتكثيف اللغة والصورة. اللغة الشعرية تحمل قدراً من الانزياح عن اللغة العادية ونوعاً من لعب الدوال الذي ينشئ عالماً خاصاً بالقصيدة، كما تحمل ميلاً إلى بناء الصورة وفق عالم الشاعر الخاص، وهو عالم قد لا يتفق بالضرورة مع عالم المتلقي أو مع وعيه وإدراكه. ومن تعارض هذه العوالم قد تنشأ حالة من الغموض التي تتطلب إعادة القراءة لفك شيفرات النص وملء فراغاته. وقد وجدت نفسي أميل إلى هذا النص المراوغ الذي لا يسلم قياده بسهولة، النص الذي يثير نوعاً من التحدي في كشف طبقاته والغوص إلى عوالمه.
> أليست هذه الرؤية قريبة من الصورة الرمزية في شعر أدونيس، الذي يقول «أنا مع الحلم، أريد أن تكونَ القصيدة حلماً»؟
- قد ألتقي مع أدونيس حين يطلب ألا تكون القصيدة حاضرة أمام القارئ كالرغيف، لكني في الوقت نفسه لا يستهويني النص الذي يتحول إلى أحجية ولعب لغوي لا يصل إلى شيء. دوماً أرى أن هناك منطقة من الظلال التي يلتقي فيها القارئ والنص لينشأ بينهما حوار يعيد فيه القارئ كتابة النص مرة أخرى وتتحول القراءة إلى شيء منتج وفعال وممتع في الوقت نفسه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغموض ليس هو المقوم الأول والوحيد في شعرية القصيدة، فهناك قصائد تستمد شعريتها من التفاصيل ومن مفردات الحياة اليومية، وتلك لها جمالياتها الخاصة بها التي يصعب تجاهلها أو إنكارها.
> قلتِ إن القصيدة الحديثة تتطلب «قارئاً مثقفاً قادراً على أن ينسلخ من ذاكرة القصيدة العمودية»، علماً بأنك لاحظتِ أن «الذاكرة الثقافية تساعد متلقي القصيدة العمودية على فكّ شفراتها»... هل تختلف آلية تلقي النصّ القديم عن آلية تلقي النصّ الجديد؟
- نعم، القصيدة الحديثة تتطلب مثل هذا القارئ المثقف، فهي قصيدة تمتلئ بمحمولات كثيرة وتماس مع ثقافات متعددة، وفي الوقت نفسه تعتمد على لغة مراوغة وصورة شعرية لا تبنى وفق مفاهيم البلاغة المألوفة. ولا ننسى أيضاً وجود قصيدة النثر التي تهدم الذاكرة الثقافية المألوفة عند متلقي الشعر العربي القديم، فهي أيضاً تعيد صياغة مفهوم الشعر وفق مقاييس قد لا تتقبلها تلك الذاكرة. هذا كله يتطلب قارئاً مثقفاً وقارئاً قادراً على فهم التحولات وتقبل الحوار مع المفاهيم التي تناقض ذائقته الشعرية.
صحيح أن الذاكرة الشعرية تساعد متلقي القصيدة العمودية على فك شفراتها، فهي تضعه في المنطقة المألوفة والمريحة، وتمده بآليات القراءة والتفاعل أيضاً. لكن تلك الذاكرة ستصدم بما هو أقرب إلى هدم مفاهيم الشعرية المألوفة كأن يُطلب من المتلقي أن يتفاعل مع شعر يخلو من الوزن، أو مع لغة تفرغ الألفاظ من دلالاتها، وصور تحاول التواؤم مع تناقضات العالم كما يراها الشاعر. عندها يجد المتلقي نفسه خارج تلك المنطقة المألوفة ويضطر إلى إعادة صياغة مفاهيمه ليتمكن من تلقي تلك القصيدة أو تذوقها.
- الشعراء الشباب
> كيف ترين أثر «التجريب» في أعمال الشعراء الجدد؟ هل هو محاولة انفتاح على المدارس الغربية؟
- التجريب في أعمال الشعراء الجدد يأخذ جوانب مختلفة، ولا أستطيع أن أحيله بشكل مطلق على الانفتاح على التجارب الغربية، لكن أيضاً لا أنكر تأثير الاطلاع على النماذج الغربية وهيمنة نمط معين من القراءات على تجربة الشعراء الشباب. لاحظت من خلال قراءتي لعدد من التجارب حضور لأسماء شعرية غربية معينة، إضافة إلى حضور ثقافات فكرية تحيل في جزء منها إلى من عرفوا بأساتذة اليأس، وكان لهذا أثره في هيمنة ثيمات معينة في تجارب عدد من أولئك الشعراء الشباب.
لا يعني هذا أن كل الشعراء الشباب قد أخذوا هذا المنحى الكتابي، كما لا يعني أيضاً الحكم على تلك الأعمال بالضعف والتراجع الفني بقدر ما يعني بروز ملامح قد ترجع إلى هيمنة ثقافة العولمة والتكنولوجيا ونوع من التأثير الفني والفكري لشعراء وفلاسفة غربيين.
> قلتِ إن الظاهرة الشعرية الجديدة، أسفرت عن «تراجع الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير»... و«غياب الصوت الإنساني الجمعي، وتراجعه إلى خلفية المشهد الشعري، مع تراجع دور المثقف الفاعل والإيمان بقدرة الإنسان على التغيير. لقد بدت النصوص وكأن أصحابها لا ينتمون إلى مكان أو زمان محددين»... ماذا يبقى من الشعر إذا تمّ تجريده من فردانيته وذاتيته؟
- كما تحدثتُ سابقاً، عن هيمنة ثيمات العزلة والانقطاع عند عدد من الشعراء الشباب، وتراجع دور المثقف في تجربة بعضهم. وفي رأيي، أن هذه السمات تعود بالشعر إلى الذاتية، لكن بصورة تختلف عما طرحته بعض الاتجاهات السابقة كالرومانسية مثلاً. إنها عودة إلى الإيمان بالفرد وإلى انعزاله في عالمه الذاتي وغياب الجمعي كما ذكرت. هذا يخلق عالماً شعرياً تدور فيه الذات حول نفسها ولا ينفي ذلك الشعرية عن ذلك العالم. الشعر فضاء فسيح ويصعب تحديده بمنطقة دون أخرى، أي أننا يصعب أن نربط الشعرية فقط بالحديث عن الجماعة وإحداث التغيير، كما يصعب أن نربطه بالتعبير الفردي عن العالم الحميم والفضاءات الخاصة بالشاعر فقط؛ فالأمر منوط بآليات الكتابة وكيف تقدم القصيدة نفسها للمتلقي.
> قلتِ أيضاً «إن المشهد الشعري قد أخذ يشهد تحولاً صوب الهامشي والعرضي»، ومع ذلك، كما أشرت، فإن ما يكتبه الشعراء الشباب في الخليج العربي يندرج في إطار التحولات الكبرى التي يشهدها العالم (...) واستجابة للتحولات السريعة التي تمر بها أوطانهم»... ألا يوجد تناقض بين الرؤيتين؟.
- لا تناقض هنا؛ فالهامشي والعرضي هو جزء من التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، فهناك أصوات تتعالى ضد قوانين الهيمنة وثقافة المركز، وترى أن المهمش له دوره وصوته الذي لا يقل أهمية عن صوت ما عرف بالمركز.
- المرأة والكتابة
> ما هو الاختلاف بين ما تكتبه المرأة عما يكتبه الرجل...؟ هل يمكن التسليم بوجود أدب نسوي له سماته الخاصة؟
- ما زال هذا الأمر يشكل اختلافاً كبيراً عند دارسي الأدب النسوي إلى الآن، وأنا لم أجد – بشكل دقيق - معجماً خاصاً يمكن أن تستخدمه المرأة عند الكتابة فيميز لغتها عن لغة الرجل، كما أني لا أتفق مع من يقولون إن المرأة تكتب عن عالمها الخاص وتجربتها الأنثوية بشكل أكثر دقة من الرجل، فالأدب تخييل في المقام الأول، وهناك أدباء رجال كتبوا عن عوالم المرأة بشكل عميق. هناك أدب تكتبه المرأة وآخر يكتبه الرجل ولا أحبذ تقسيم الأدب وفق جنس المبدع، لكن دراسة سمة معينة في الروايات التي تكتبها المرأة أمر مشروع نقدياً دون أن يعني التراتبية بأي شكل من الأشكال.
> يلاحظ الدكتور عالي القرشي، في دراسة له حول القصيدة الجديدة، أن «من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية التي تجد دعماً لها في التبني الاجتماعي لما تلوح به من قيم، وما تفرضه، نتيجة للإرث التاريخي الطويل...»؟ ماذا تقولين عن ذلك؟
- الإنسان يكتب عالمه في المقام الأول، والمرأة تحمل إرثاً كبيراً من التهميش والسلطة الذكورية التي حصرتها في عوالم ضيقة، وذاكرة ثقافية قسمت الفضاء إلى عالمين منفصلين، فكل ما هو خارجي يرتبط بالرجل، وما هو داخلي يرتبط بالمرأة. وحين كتبت المرأة فإنها كتبت هذا الصراع الذي عاشته، وجاءت كتابتها تمردا واعيا، أو غير واع، على تلك السلطة. من هنا، فإن ملاحظة الدكتور عالي القرشي فيها الكثير من الدقة، ويمكن أن تنسحب أيضاً إلى النصوص الروائية التي كتبتها المرأة. وهذا أمر طبيعي، لكن المشكلة هي أن تظل المرأة حبيسة تلك العوالم وذلك الصراع فتقع في تكرار التجربة وانغلاقها.
> كيف رسمت الروايات السعودية صورة المرأة، ألا ترين أنها جنت على تلك الصورة بتكريس التهميش والسطحية؟
- نعم، هذا جزء آخر من المشكلة، أن تقع المرأة في تقديم صور نمطية للمرأة فتكثر نماذج النساء المستسلمات اللاتي يعانين من قمع المجتمع وسلطته الذكورية، أو نماذج النساء المتمردات الخارجات على سلطة المجتمع بطريقة أو بأخرى، في حين يمكن أن تغيب صور نساء فاعلات لديهن من الوعي ما يمكنهن من ممارسة أدوارهن في المجتمع دون انسحاب مطلق أو تمرد مطلق. لا ننسى هنا أن بعض الروائيات قد نجحن في تقديم صورة مختلفة للمرأة بعيدا عن البكائيات التي وقعت فيها روائيات أخريات، المرأة التي تعي نفسها ودورها وتعرف موقعها، والتي تعمل وتمارس التغيير.
> نلاحظ أن بعض الروائيات اختبأن خلف قناع الأسماء المستعارة حين اقتحمن بجرأة التابوهات المحرمة؛ روايتا: «القران المقدس» لطيف الحلاج، و«الآخرون» لصبا الحرز، مثلاً...
- يرتبط بما قلناه سابقاً... حيث يحيل مباشرة إلى سلطة المجتمع. إن تجربة الكتابة باسم مستعار ليست حكراً على الروائية السعودية، فقد نشر هيكل روايته في المرة الأولى تحت اسم «مصري فلاح»، وفي الأدب العالمي اختفت روائيات تحت أسماء مستعارة لرجال في الوقت الذي كانت في الكتابة منطقة محرمة على المرأة. كل ذلك يقول إن سلطة المجتمع لها هيمنتها التي يصعب تجاوزها، والتي تمارس بصورة مضاعفة على المرأة، لا سيما حين تدخل في منطقة التابو وتتناول المحرم، تلك مناطق قد يتقبلها المجتمع نسبياً إذا كان الكاتب رجلاً، لكنها سترفض مطلقاً حين تكتبها امرأة، لا سيما أن الأمر يحيل إلى مفاهيم مسبقة عن المرأة تربطها بالعاطفية والخجل، كما تربط فكرة الكتابة في حد ذاتها بالرجل لتبقى المرأة مجرد حكّاءة تروي الحكايات ولا تصنعها. الاسم المستعار هنا يحمي المرأة من سلطة الثقافة وسلطة المجتمع، ويعطيها مساحة حرية كبرى، لا سيما إن كانت لا تستطيع المواجهة أو الوقوف في وجه تلك السلطة.



المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».