بايدن يجدد {الشراكة} مع الأوروبيين ويحذرهم من الصين وروسيا

ميركل تشدد على {الوحدة}... وماكرون يحدد الخطوط العريضة للتعاون من الإدارة الأميركية الجديدة

ميركل تعتبر الصين منافساً كبيراً وتؤكد ضرورة التوحد لمواجهتها (إ.ب.أ)
ميركل تعتبر الصين منافساً كبيراً وتؤكد ضرورة التوحد لمواجهتها (إ.ب.أ)
TT

بايدن يجدد {الشراكة} مع الأوروبيين ويحذرهم من الصين وروسيا

ميركل تعتبر الصين منافساً كبيراً وتؤكد ضرورة التوحد لمواجهتها (إ.ب.أ)
ميركل تعتبر الصين منافساً كبيراً وتؤكد ضرورة التوحد لمواجهتها (إ.ب.أ)

فتح مؤتمر ميونيخ للأمن رسمياً صفحة جديدة في العلاقات الأوروبية الأميركية، بعد ٤ سنوات من التوتر في ظل عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. وفيما اعترف الطرفان باستمرار وجود خلافات في الرأي حول عدة موضوعات، فإنهما اتفقا على ضرورة مواجهتها معاً. وكانت أوروبا مدت يدها لبايدن بعد تسلمه منصبه في يناير (كانون الثاني) الماضي بالاتفاق على ورقة تدعو لفتح صفحة تعاون جديدة. ورغم أن الخطابات ألقيت عن بُعد عبر دائرة الفيديو بسبب إلغاء المؤتمر بنسخته الأصلية بسبب فيروس كورونا، فإن مضمونها لم يكن أقل أهمية. وافتتح الرئيس الأميركي جو بايدن كلمته التي كان ينتظرها الأوروبيون، وحدد فيها أطر العلاقة المستقبلية معهم بالقول إن «أميركا عادت»، في إشارة إلى كلمته التي ألقاها شخصياً قبل عامين أمام المؤتمر في ميونيخ وقدّم فيها وعداً حينها بأن «أميركا ستعود»، وقال: «العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة كانت ويجب أن تبقى أساس كل ما نريد تحقيقه، والولايات المتحدة ستعمل عن قرب مع شركائها في أوروبا لمواجهة التحديات معاً». وكبادرة حسن نية، أعلن رسمياً أنه طلب وقف سحب القوات الأميركية من ألمانيا، وهو قرار كان اتخذه الرئيس السابق دونالد ترمب قبل أيام من مغادرته منصبه. وعدّد بايدن جوانب تتطلب تعاوناً دولياً وثيقاً مع أوروبا، بدأها بتأكيد التزامه بالناتو ثم مواجهة الصين وروسيا والتعاون في مسألة توزيع لقاحات فيروس كورونا، وصولاً إلى التعاون لحل الملف النووي الإيراني. ورغم أن بايدن لم يعطِ الكثير من التفاصيل حول مقاربته لهذا الملف، فقد أكد أن الحوار مع الأوروبيين حول إيران «سيتضمن تحركات إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط».
ولكن رغم الحرارة الكبيرة التي أعلن فيها الرئيس الأميركي عودة بلاده للشراكة مع أوروبا، فهو لم يتردد في إرسال «تحذيرات» مبطنة للأوروبيين، خاصة عندما تحدث عن العلاقة مع الصين وروسيا. فالاتحاد الأوروبي كان قد وقع قبل تسلم بايدن منصبه اتفاقية تجارة ضخمة مع الصين، متجاهلاً دعوة أحد مساعدي بايدن إلى عدم التسرع في التوقيع وانتظار تسلم الرئيس الجديد منصبه. واستغل بايدن خطابه أمام مؤتمر ميونيخ، ليقول عن الصين: «يجب أن نتحضر لمواجهة استراتيجية وطويلة مع الصين، المنافسة معها ستكون صعبة»، ليضيف متوجهاً للأوروبيين ليقول: «أنا أؤمن بأننا وأوروبا يمكننا أن نملك السباق إلى المستقبل، ولكن يجب أن نكون واعين للشراكات التي نعقدها». ويضيف: «يجب أن نواجه خطط الصين الاقتصادية، ونجعلها تلعب بنفس القوانين التي نلعب بها نحن». وما زال يتعين على البرلمان الأوروبي أن يصادق على الاتفاقية التجارية مع الصين ويمكن أن يرفضها.
وعن روسيا التي تربطها بألمانيا علاقات اقتصادية وثيقة جداً وستصبح أكبر بعد الانتهاء من مشروع غاز «نورد ستريم ٢»، الذي شارف على الانتهاء، لم يتردد بايدن في توجيه انتقادات لاذعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقال إن الكرملين يريد إضعاف الديمقراطيات الغربية «وهو يريد أن يقنع العالم بأن أنظمتنا فاسدة مثله». وأضاف عن الرئيس الروسي: «بوتين يريد أن يضعف وحدتنا، ولهذا يجب الوقوف في وجه روسيا في التأكيد على وحدة أوكرانيا، ومواجهتها في قرصنتها للعالم، فهذا أساسي للحفاظ على أمننا».
ورحبت ميركل بالكثير مما أعلنه بايدن، من عودته لاتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية والاستعداد للتعاون في توزيع لقاحات فيروس كورونا على الدول الفقيرة والنامية، ولكنها كانت أيضاً حريصة على ذكر الفروقات رغم أنها أبدت استعدادها للحديث بها. وعن الصين مثلا، أشارت مروراً إلى أنها تحولت إلى منافس كبير وكسبت قوة أكبر في السنوات الماضية، مشيرة إلى ضرورة التوحد لمواجهتها، من دون أن تشير إلى الاتفاق التجاري معها الذي لا تريده واشنطن. وعن روسيا، اعترفت ميركل بالحاجة لمقاربة جديدة موحدة لمواجهتها، وقالت إن السياسة الأوروبية لم تغير الكثير من موقف روسيا من أوكرانيا. ولكنها أيضاً لم تأتِ على ذكر مشروع غار «نورد ستريم ٢»، الذي تفرض واشنطن عقوبات عليه وتعارضه بشدة، للاعتقاد بأنه سيضعف ألمانيا وأوروبا أكثر أمام روسيا. وحرصت ميركل، من جهة أخرى، على أن تظهر ألمانيا «شريكاً متعاوناً ومتجاوباً»، فذكرت أن الإنفاق الدفاعي ارتفع في السنوات الماضية ليقترب من ٢ في المائة التي يحددها الناتو للدول الأعضاء.
ورحبت ميركل بنية إدارة بايدن العودة للحوار مع إيران فيما يتعلق بالبرنامج النووي، رغم اعترافها بصعوبة الأمر. واقترحت كذلك تعاوناً أكبر مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب في دول الساحل، وقالت إنها تريد حواراً حول كيفية تمكين هذه الدول من مواجهة المنظمات الإرهابية.
واختمت ميركل التي لم يتبقَّ على ولايتها إلا أشهر قليلة تمكنها من العمل خلالها مع بايدن قبل تقاعدها في سبتمبر (أيلول) المقبل، بالقول إن «هناك الكثير لفعله ونحن مستعدون لذلك». واختصر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تعداد جوانب الشراكة الجديدة مع الولايات المتحدة. واكتفى بذكر خطوط عريضة للتعاون مع إدارة بايدن حول إيران التي وصفها بأنها «مشكلة أساسية يجب مواجهتها معاً»، وتحدث أيضاً عن ضرورة مواجهة روسيا والعمل على مكافحة الإرهاب وبناء أجندة أمنية مشتركة. وركز ماكرون في كلمته على ضرورة التعاون لإيصال لقاحات فيروس كورونا إلى كل العالم.
والواقع أن فيروس كورونا حظي على جانب كبير من النقاشات في المؤتمر، وتخللته مشاركة أمين عام منظمة الصحة العالمية تيدروس غبريوسوس، الذي استغل المؤتمر للترحيب بعودة الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية. ودعا حكومات العالم إلى المساهمة في تمويل آلية «كوفاكس»، التي تشتري لقاحات كورونا لصالح الدول الفقيرة وتوزعها عليها. وكان أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد شارك في المؤتمر كذلك، وركز في كلمته على ضرورة التوحد لمواجهة وباء كورونا، ودعا إلى مضاعفة قدرة إنتاج اللقاحات ومشاركة تركيبتها بهدف إنتاجها في أكبر عدد ممكن من المصانع. وانتقد غوتيريش الدول الغنية التي قال إنها تتصرف بأنانية في أزمة الوباء، مشيراً إلى أن ٧٥ في المائة من اللقاحات استحوذت عليها ١٠ دول فقط. وحذر من أن عدم إيصال اللقاحات لكل دول العالم، سيؤدي إلى تحورات في الفيروس، ويسهم في انتشاره أكثر.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».