مارتن سكورسيزي في «هاربرز» يحيي فيلليني وفن السينما

كَتَبَ عن شبابه وأفلام الأمس الرائعة

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي
TT

مارتن سكورسيزي في «هاربرز» يحيي فيلليني وفن السينما

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

نشرت مجلة «هاربرز» الأميركية (ثاني أقدم مجلة أميركية ما زالت مستمرة في الصدور منذ إنشائها سنة 1850) مقالة للمخرج مارتن سكورسيزي، قبل ثلاثة أيام، تحدث فيها عن موضوعه الآثر وهو، بطبيعة الحال، السينما.
لكن السينما موضوع شاسع جداً يتكوّن مما تتكوّن منه الحياة ذاتها. هناك الحاضر وهناك التاريخ. هناك الفرد وهناك المجتمع. وما يجول داخل الفرد والمجتمع من أفكار وما يقع من أحداث مروراً بالمواضيع والدلالات الوجودية كما مفردات اللغة التي نختارها لكي نعبّر فيها عما يجول داخل أنفسنا.
السينما هي حياة موازية لحياتنا. مرآة بحجم الكوكب الذي نعيش عليه وبل أكبر إذا أضفنا قدراتها غير المحدودة على النفاذ للكواكب البعيدة والفضاء الشاسع أو قدرتها على اختراق الزمن في الاتجاهين.
اختار المخرج الأميركي العريق، الذي ما زال نشطاً رغم سنوات حياته التي تبلغ 79 سنة موضوعاً محدداً ليدلف منه إلى موضوع آخر. كما الحال في الأفلام التي يحققها يلج المخرج ميدان اهتمام محدداً لكنه يطرح في موازاته خطوطاً أخرى تثريه.
والموضوع المحدد الذي اختاره سكورسيزي في مقالته هو فديريكو فيلليني، المخرج الإيطالي العبقري الذي تميّز، ككل مخرج رائع، بأسلوب لا يستطيع أحد حتى تقليده كونه نابعاً من داخل عقل وبصيرة وروح المخرج بالإضافة إلى ملكيّته لمفردات لغته السينمائية الخاصة.
لكن ما جاء في المقالة من خطوط يشي بأن سكورسيزي وظّف جزءاً من مقالته الرائعة عن فيلليني كمناسبة لموضوع سبق وتطرّق إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 2018 وهو حال السينما اليوم في الواقع الجديد المفروض عليها. عن سينما اليوم وكيف أن اختلافها عن سينما الأمس ليس في صالح الفن السينمائي، بل يتجه به نحو إبادة شاملة.

من صالة لأخرى
يبدأ بوصف مشهد مكتوب كصفحة من سيناريو بطله شاب يمشي في حي غرينيتش فيلدج النيويوركي متأبطاً كتباً في يد ونسخة من مجلة «ذا فيلدج فويس» في اليد الأخرى. يمشي بسرعة ويمر، والمشهد يقع في سنة 1959 كما حدد المخرج في السطر الأول، بالمشاة من كل صنف ونوع.
يمضي سكورسيزي في نصّه هذا فإذا بالشاب يصل إلى صالة «آرت ثيتر» التي تعرض، حسب وصف المخرج الذي غالباً ما يتحدث عن نفسه هنا، فيلم جون كازفيتز «ظلال» وفيلم كلود شابرول «بنات العم». لكن الشاب يمضي ليصل إلى صالة «بلايهاوس» التي تعرض «الكركيات تطير» (The Cranes Are Flying) و«هيروشيما مونامور».
يواصل سكورسيزي وصف بطله وهو ينتقل من صالة في ذلك الحي إلى أخرى وكل منها تعرض واحداً من تلك الكلاسيكيات الفنية الرائعة. وما يختاره من نماذج معروضة هو لأفلام كانت القاسم الكبير المشترك لكل الإنتاجات السينمائية قاطبة. أفلام لأساطير الفن السابع أمثال إنغمار برغمن ومايكل أنجلو أنطونيوني وميخائيل كالاتوزوف وأندريه فايدا وجان - لوك غودار وصولاً إلى المخرج الذي اختار الحديث عنه أساساً وهو فديريكو فيلليني.
الحديث عن فديريكو يبدأ بعد ما سبق من استعراض وفيه يأتي على كيف اكتشف المخرج الأميركي فيلليني وما عناه فيلليني آنذاك له ولهواة السينما وما زال. يقول، على سبيل المثال: «في الستينات أصبح فديريكو فيلليني أكثر من مجرد صانع أفلام. مثل تشابلن وبيكاسو وذا بيتلز، كان أكبر من فنه الحاص. وعند لحظة معيّنة لم يعد المهم هذا الفيلم أو ذاك الفيلم له بل كل الأفلام»
يواصل فيصف بعض إنجازات فيلليني بدءاً من سنة 1963 عندما حقق «8 ونصف» حيث «تجلت سيادة فيلليني البصرية». ويمر على فيلم La Strada ثم يتحدث عن كيف أن فيلليني عكس القلق الناتج عن الحياة في زمن السلاح النووي في «الحياة الحلوة» (La Dolce Vita). يصف ذلك بالقول: «هنا نجد الفنان القادر على التعبير عن قلقه من العصر النووي. الحس بأن لا شيء بات يهم لأن كل شيء صار يمكن إبادته في أي لحظة. شعرنا بتلك الصدمة لكننا شعرنا أيضاً بحب فيلليني للفن وللسينما وللحياة ذاتها».
في مكان يقع بين مقدّمته التي تصفه وهو ينتقل ما بين كلاسيكيات السينما المعروضة لجمهور حاشد، وبين الحديث عن فديريكو فيلليني، متوقفاً عن العديد من أفلامه وتأثيراته عليه، يعرج سكورسيزي للموضوع الظل: السينما اليوم في وضعها الراهن الذي يهدد فنّها بالاندثار.

عقارب الساعة
هنا يصب سكورسيزي نقده على هوليوود اليوم. يصف صانعي القرار السينمائي بالجهلة الذين لا يعرفون تاريخ الفن. بالنسبة إليهم، فإن «فيلماً لديفيد لين وفيديو عن قطّة ودعاية في حفل سوبر باول وجزء ثان لفيلم سوبرهيرو ليس أكثر من صور».
هذا الوصف مؤلم بقدر ما هو حقيقي. مثير للحزن من قرب وداع من نحب بقدر ما هو مثير للخوف مما هو قادم.
بعض الظواهر باتت حقائق لا مفر من الاعتراف بها: صانعو القرار السينمائي (المموّلون، رؤساء الإنتاج في الشركات والاستوديوهات والمتعاملون بجزئيات «البزنس» في صناعة السينما ليست لديهم فكرة عما يردمونه من حضارة كلما بنوا الصرح التجاري الكبير الذي بات كل شيء مهم في صناعة السينما.
وحتى من قبل أن يساهم وباء «كوفيد - 19» أو ما تلاه، في تعميم العروض المنزلية بديلاً للعروض في الصالات السينمائية، كان العمل لبدء توجيه الجمهور للاستغناء عن الصالة على قدم وساق. عقدان من الزمن فقط (من عام 2000 وإلى اليوم) كانتا كفيلان بالسعي لدحر السينما كفن وانعكاس إبداعي وروحاني خالص، ودفع سينما تؤمن بالمضمون وليس بالشكل الذي على هذا المضمون العمل تحت ستاره.
صحيح أن هذا التعامل القاصر بدأ قبل العقدين السابقين. لكن حتى في أفلام ما قبل الثمانينات، كانت الأفلام المسمّاة بالتجارية تكتنز أساليب وتعابير إبداعية وفنية. التنفيذ لم يكن مجرد تقنيات يهرع المخرج إليها لجذب الجمهور الكبير كما هو حاصل اليوم، بل كان عرضاً متواصلاً لمفردات اللغة السينمائية التي يشيدها. لولا إسهامات جون فورد وهنري هاذاواي وأورسن وَلز وسامويل فولر وأنطوني مان وألفريد هيتشكوك وعشرات سواهم لما أحببنا السينما. الفنانون الأوروبيون هضموا أعمال هؤلاء لكنهم نسجوا منوالهم الخاص للسينما رافعين أكثر من شأن فن السرد وفن العرض وفن الطروحات وبالتالي فن السينما بأسره.
مشاهدة أفلام اليوم على النت ما هي إلا سبيل آخر لهدم التذوّق الفني للفيلم وللثقافة. هنا يرتفع المضمون بما فيه من تصنيف العمل تبعاً لنوعه وبما فيه تركيز العمل السينمائي لبلورته تقنياً وليس فنيّاً.
عقارب الساعة قد لا تعود إلى الوراء والتاريخ حبيس الأمس، لكن سكورسيزي وعشّاق السينما ونقادها مطالبون بالوقوف بحزم حيال سيادة النوع الواحد من السينما وذلك دفاعاً عن كل السينما.
ما هو ساطع في مقالة المخرج اللامع هو الجمع بين ذكرياته الخاصة وذكريات السينما كلها، وإذ يكتب يفعل ذلك من داخل هوليوود كاشفاً عن حبه للماضي ونقده للحاضر.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.