إذا كنت من هواة العودة إلى الجذور واستكشاف تفاصيل حياة أيام زمان في القرى اللبنانية، ما عليك عزيزي السائح إلا أن تزور موقع «قرنعون فيلادج» شمال لبنان.
فهذا الموقع السياحي الذي فاز صاحباه مجيد ودورا حكيّم بجائزة «بريليانت ليبانيز أووردز» Brilliant Lebanese Awards ضمن مهرجان «المبدعين في الأعمال» الذي أقيم منذ فترة في لبنان، يعدّ واحدا من معالم السياحة القروية الفريدة من نوعها، التي أخذت على عاتقها التعريف بخصائص «الضيعة» اللبنانية لتكون نموذجا حيا عنها. وهدف المشروع إتاحة الفرصة أمام زواره لتمضية يوم كامل في ربوعه لاسترجاع لحظات الحنين والشوق لـ«أيام البركة» كما يحلو للبعض تسميتها.
* موقعه وخصائصه
* تقع «قرنعون فيلادج» في منطقة البترون (شمال لبنان) وتبعد نحو 35 كلم عن العاصمة بيروت، وبضع كيلومترات عن قلعة المسيلحة الأثرية المعروفة في المنطقة المذكورة. وإضافة إلى طبيعتها الخلابة التي تسود أي فصل من فصول السنة فيها، فهي بمثابة واحدة من أكبر المساحات الخضراء في تلك المنطقة المستثمرة سياحيا. تم بناؤها على عقار تبلغ مساحته 30 ألف متر مربع، أما هندستها فهي مطابقة لمواصفات القرية اللبنانية بكل معالمها. وتعود فكرة ابتكار هذا الموقع لمجيد حكيّم الذي تربطه بالطبيعة علاقة قوية، فبعدما عاد من بلاد الغربة حيث عمل شيف مطبخ تميّز في تحضير الأطباق اللبنانية التقليدية، وحط في ربوع الوطن حلم في استحداث «مرقد عنزة» فيه على طريقته فولدت على يديه «قرنعون فيلادج». سلّم مجيد حكيّم زوجته دورا مهمة إدارة حلمه والإشراف عليه وترك لها قرار اختيار البرامج الترفيهية الخاصة بزواره.
أما قرية «قرنعون» التي يقع فيها هذا الموقع السياحي، فتتألّف من بيوت قليلة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.
الهدوء والسكينة هما العنوانان البارزان لهذا الموقع، ففيه يغيب تماما ضجيج المدينة وزحمة شوارعها وكذلك أصوات أبواق السيارات المسيئة للسمع، لتستبدل بحفيف أوراق شجر أحراجها وبنقيق دجاج مزرعتها وبصوت وقع حوافر الخيل التي تجرّ العربة الخاصة للتجول فيها.
* التقاليد المتبعة في استقبال السائح
* ما أن تصل إلى «قرنعون فيلادج» حتى يكون في انتظارك فريق العمل هناك، والموزّع على طول الطريق المؤدي إلى مداخلها. فهنا تقف عربة خشبية محمّلة بعرانيس الذرة المشوية والمسلوقة وبالترمس البلدي والمنقوشة بالكشك والزعتر، وهناك عربة أخرى محمّلة بسلال القش وفيها الفواكه الموسمية كالجنارك والبطيخ أو البرتقال والتفاح، وكذلك المكسرات الطبيعية على أنواعها كالزبيب والجوز واللوز والتين المجفف وغيرها. وتلفتك من بعيد العمارة اللبنانية العريقة التي تتجلّى بالقناطر المرتفعة في حدائق الموقع والتي تحتضن مطعمها. أما الحجر الصخري الذي يرمز للعمارة القديمة في لبنان، فقد تم استخدامه في بناء منزل الضيافة الذي يتوسط «قرنعون فيلادج» الذي يحمل في نوافذه الخشبية وقضبانه الحديدية نفحة من ماضي الزمن الجميل قبل أن تجتاحه الهندسة الحديثة.
تبدأ «قرنعون فيلادج» في استقبال زوارها من 11 صباحا لتقفل أبوابها في 6 مساء، فيقوموا بالتجول في أرجائها على متن عربة خيل قديمة تنقلهم من محطة إلى أخرى مع أولادهم وأفراد عائلتهم. أما إذا زاد عدد الزوار عن 40 شخصا، فقد خصصت لهم إدارة الموقع وسيلة نقل أخرى، وهي كناية عن «بوسطة الضيعة» التي كانت تشكّل رمزا من رموز وسائل النقل الشهيرة في القرى اللبنانية التي غنّتها فيروز تحت عنوان «عهدير البوسطة». وعلى متن هذه «البوسطة» المكشوفة خصيصا للتمتع بمشاهد الطبيعة يبدأ المشوار.
* برنامج النشاطات الترفيهية
* تمضية يوم كامل في «قرنعون فيلادج» تلبي رغبات أفراد العائلة بأكملها. فعلى مساحة لا تزيد عن 200 متر يقع «بيدر قرنعون». فالقرى اللبنانية بمجملها كانت على موعد موسمي مع درس القمح على بيدرها. ويتم درسها (عملية تنقية القمح وتنظيفه ليصبح جاهزا للبيع) بواسطة المورج الذي يجرّه الحمار أو الحصان بقيادة المزارع. هذا التقليد القديم أعاده أصحاب هذا المشروع السياحي إلى الحياة من جديد، من أجل إعطاء أبناء الجيل الجديد، ولا سيما من هم من سكان المدينة فكرة واضحة عن رموز القرية اللبنانية. ويتخلل المشوار على البيدر نزهة على «تراكتور الضيعة» الذي كان يهتم في الماضي بنقل شوالات القمح إلى الأسواق البعيدة.
وبعد مشوار البيدر يأتي دور الكبار ليمارسوا ألعابا قروية بامتياز، كشدّ الحبال، ولعبة الكراسي، وغيرها. ومن هناك يتوجه الجميع إلى المزرعة التي تحتضن حيوانات أليفة كانت في الماضي تشكّل مصدر رزق أهل القرى ورفيقا دائما لهم. فهناك نجد الدجاجة والديك والهرة والكلب والماعز والغنم والبقر التي يستخرج منها الحليب الطازج.
ومن المزرعة يمكن أخذ قسط من الراحة في «بيت الضيافة» حيث في استطاعة السائح تناول فنجان قهوة أو شاي أو شراب التوت، أو البطاطا والكستناء المشوية على المدفأة (الصوبيا) في فصل الشتاء.
وعند نحو الثالثة يتوجه الجميع إلى مطعم ساحة القرية، لتناول طعام الغداء. تتألف هذه اللائحة من 12 طبقا رئيسيا كالمغربية، والخروف المحشي، والصيادية، والسمكة الحارة، وغيرها. أما المازة اللبنانية فيمكنك تناولها هناك طازجة ومحضرة بمكونات طبيعية كالأجبان، والألبان، والشنكليش، وسلطات الزعتر، والبقلةن والفتوش، والتبولة، وغيرها.
وبعد وجبة الغداء يمكن للزائر أخذ فترة استراحة في «بيت الضيافة» أيضا، أو الاستلقاء تحت ظل أشجار الحرج القريبة من موقعه.
كما يستطيع الزائر أيضا الاستمتاع بتذوق حلويات قروية كالـ«صفوف بالدبس» والـ«نمورة» باللبن، والمعكرون والعوامات والمعمول بالجوز واللوز في مواسم الأعياد.
في 6 مساء تقفل أبواب القرية ليعود زوّارها أدراجهم وهم يحفظون في ذاكرتهم، لحظات لا تنسى أمضوها في موقع لا يشبه غيره من المواقع السياحية في لبنان.
كثيرون هم الأشخاص الذين تأثّروا برحلتهم إلى «قرنعون فيلادج» التي يسميها أصحابها «حكاية عزّ» تيمنا بلبنان أيام زمان، ولذلك أصر عدد منهم على إقامة حفلات زواجهم أو خطوبتهم وحتى أعياد ميلادهم هناك، فإدارة المشروع خصصت فريقا كاملا من موظفيها للقيام بهذه المهمة، مما جعله عنوانا شهيرا للاحتفالات المشابهة.






