الحب في مرآة الكبار

شكسبير ـ بلزاك ـ ستندال ـ هيغو ـ طاغور ـ فرويد

فرويد - شكسبير- فرويد - فيكتور هيغو - بلزاك
فرويد - شكسبير- فرويد - فيكتور هيغو - بلزاك
TT

الحب في مرآة الكبار

فرويد - شكسبير- فرويد - فيكتور هيغو - بلزاك
فرويد - شكسبير- فرويد - فيكتور هيغو - بلزاك

هل يمكن أن يمر عيد الحب دون أن نحتفل به؟ لكن الشيء الذي يزعجني فيه هو أنهم اتخذوا يوم 14 فبراير (شباط) للاحتفال به؟ ولا أعرف لماذا؟ كان ينبغي أن يكون 14 مارس (آذار) أو 14 أبريل (نيسان) أي في عز الربيع لا في عز الشتاء. من هو هذا الأحمق الذي قرر 14 فبراير؟ بصراحة لا أعرف. ولكن دعونا نتجاوز هذه القضايا الشكلانية الفارغة ولنحاول أن نتفلسف قليلا حول موضوع يتجاوز كل فلسفة وكل فهم وكل عقل. ومعلوم أن أول صفة من صفات الحب هي أنه يلغي العقل. فما أن تقع في حب امرأة ما حتى تصبح قدس الأقداس بالنسبة لك وتفقد كل ملكاتك العقلية والنقلية. لا تعود تستطيع أن تراها كما هي: أي امرأة بين النساء. وإنما تصبح هي وحدها في جهة، وكل نساء العالم في الجهة الأخرى. وعندئذ قد يبلغ بك الحمق مبلغه فتعتقد أن الله خلقها ولم يخلق غيرها وأنها خالية كليا من النواقص والعيوب. وربما غصت في الغباء وأوغلت في الصحراء واعتقدت أنها فوق مستوى البشر. في أحيان نادرة تكون السيدة تستحق ذلك ولكن في معظم الأحيان لا تستحق. ومع ذلك فلا تستطيع أن تتراجع أو أن تسترد قلبك بعد أن وقعت في حبها، في شراكها. إنك تصبح عبدا لها بكل بساطة. ولذلك قالوا قديما: الحب يذل. وهذه هي الصفة الثانية من صفات الحب: لا حب بدون ذل، بدون خضوع وتركيع. المحبوبة تخضع حبيبها وتستمتع بإذلاله على رؤوس الأشهاد. حتى أعاظم الرجال، حتى نابليون بونابرت، ركع أمام المرأة التي يحبها. وكان يفتح البلدان والقارات وتخضع له الجبابرة. ولكن جوزيفين أذلته وأهانته بل ودمرته عندما خانته مع أحد ضباطه من الشباب الحلوين. وكان يستعطفها، يستجديها، يطلب رضاها. ولكنه انتقم منها لاحقا عندما تزوج أميرة صغيرة في عمر بناتها أو حتى أقل. ولذلك يمكن القول بأن هناك علاقة بين الحب والانتقام. ألم تشاهدوا فيلم: غرام وانتقام؟
يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر أندريه كونت سبونفيل: الحب هو الموضوع الأكثر أهمية. إنه أهم من الموضوعات الفلسفية الأخرى كالأخلاق، والسياسة، والمعرفة، والحرية، والإلحاد، والفن، والزمن، وبالطبع الموت. لماذا نقول بأنه الأكثر أهمية؟ لأنه ممتع جدا وحميمي. ثم يضيف: ما دمنا نحب ونعشق ونتألم ونستمتع فلا توجد أي مشكلة. أين تكمن المشكلة إذن؟ عندما نصبح عاجزين عن الحب. هذا يعني أننا انتهينا. ولذلك قال فرويد عبارته الشهيرة: «إن المرض النفسي يكمن في شيء واحد أساسي هو: فقدان القدرة على الحب بما فيها حب الذات». عندما تصل إلى هذه الدرجة من الاكتئاب، فهذا يعني أنك وصلت إلى أسفل سافلين وعلى الدنيا السلام. من لا يستطيع أن يعشق، أن يحب، أن يتلهف، فهو شخص ميت أكل عليه الدهر وشرب. وليس المهم هنا أن تصل إلى المحبوبة أو المعشوقة. أبدا، أبدا. المهم أن تشعلك من الداخل. وحتى لو رفضتك ينبغي أن تشكرها لأنها أيقظت فيك أنبل عاطفة على وجه الأرض: أي عاطفة الحب. بمعنى آخر ليس المهم أن تصل إليها: المهم هو أن تكون في حالة حب، أن تكون قادرا على الحب. تخيل نفسك بدون حب، تخيل قلبك مقفرا كصحراء الربع الخالي... شكرا لك لأنك موجودة يا سيدتي. هذا يكفيني. شكرا لأن الله قد خلقك وصورك. لا أريد شيئا آخر. وربما لهذا السبب قال الفيلسوف الألماني الكبير لايبنتز هذه العبارة: «أن تحب فهذا يعني أن تسعد لسعادة المرأة التي تحبها». طيب فهمنا. وماذا إذا كانت المحروسة سعيدة في أحضان رجل آخر؟ هل سنظل سعداء أيضا لسعادتها؟ أنا شخصيا سأكون أتعس البشر وسأكفر بالحب والعشق والمعشوقات. ولكن ليس لايبنتز لسبب بسيط هو أنه فيلسوف كبير وأنا غيور، حسود، حقود. أما الروائي الفرنسي الشهير بلزاك فيقول هذه العبارة التي لا أرى لها مثيلا وأعتقد أنها تمثل أعمق تعريف للحب: الحب كالبحر: لكن بلا ضفاف! بمعنى أن الحب واسع كالبحر بل وأكثر اتساعا من البحر بملايين المرات. لماذا؟ لأن البحر رغم ضخامته وعظمته يظل محصورا بالضفاف. أما الحب فلا ضفاف له: إنه لا محدود، لا نهائي، مطلق الغايات.
وأما فيكتور هيغو الذي لم يترك واحدة تنجو من شره فقال: «الحب يجعلنا نحلم، ونعيش، ونؤمن». هذا هو الحب: إنه ينعش الروح، يفجر الطاقات، يصنع المعجزات. ثم يقول أيضا: «الرجل يريد أن يكون أول حب في حياة المرأة، والمرأة تريد أن تكون آخر حب في حياة الرجل». بمعنى: إياك أن تعشق علي أيها الشيطان! بعدي الطوفان. أو وهذا أفضل: لا قبلي ولا بعدي!
وأما الكاتب الشهير ستندال صاحب رواية «الأحمر والأسود» فقد كان الحب في الصميم من اهتماماته بل وألف كتابا ضخما عن الموضوع ودخل في التفاصيل أو تفاصيل التفاصيل. وهذا يعني أنه كان مهووسا بالقصة. أليس هو القائل: «إن الحب هو القضية المركزية، وربما الوحيدة، في حياتي»؟ ومعلوم أن إحدى الإيطاليات الفاتنات سلبت لبه وأذلته أمام الناس وجعلته ينتظر على الأبواب سنوات وسنوات. ومع ذلك فقد كان سعيدا محبورا. ويبدو أن حب الإيطاليات لا يقاوم فما بالك بالعربيات؟ ثم لم تعطه شيئا في نهاية المطاف. ولكنها ألهمته إحدى الروايات العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلا. ماذا يريد الكاتب أكثر من ذلك؟ للأدب المجد والخلود! ألم نقل لكم بأن الأدب لا يزدهر إلا على أنقاض حب مدمر؟ رجعنا إلى ابن زيدون وأجمل قصيدة حب في الشعر العربي. يقول ستندال: «أعظم سعادة يمكن أن يعطيها الحب هي أن تصافح يد المرأة المعشوقة لأول مرة». ثم يضيف: «وبخاصة إذا ما أبقت يدها الصغيرة الناعمة في يدك الهمجية الخشنة لفترة طويلة عن قصد، وذلك لكي تشعلك وتدمرك أكثر». ثم يقول أيضا: «الحب هو معجزة الحضارات». رائع.
وأما هذا الشخص النكرة المدعو شكسبير فيقول ما معناه: «الحب لا يرى بالعيون وإنما بالأرواح والقلوب». بمعنى آخر فللحب لغة خاصة تعلو على كل اللغات. وليس من الضروري أن تكون هناك لغة مشتركة بينك وبينها لكي يحصل التفاهم على المخدة. لغة الحب تكفي.
ويقول إدغار آلان بو: «أسمع فوقي ضوضاء، أسمع أصواتا في السماء. إنها الملائكة وهي تطرب وتغني فيما بينها. إنها لا تجد كلمة حب أعظم من هذه الكلمة: ماما!». ماذا يمكن أن نقول عن هذه العبارة؟ لا شيء. لا شيء يرقى إلى مستواها. إنها أعلى من كل تعليق.
أنتقل الآن إلى شاعر الهند الأكبر رابندرانات طاغور الذي أشعر نحوه بإعجاب يصل إلى حد القداسة تقريبا. ماذا يقول عن الموضوع؟ «الحب هو المعنى النهائي والأخير لكل ما يحيط بنا. إنه ليس فقط مجرد عاطفة خاصة بين الرجل والمرأة. وإنما هو الحقيقة التي لا حقيقة بعدها. إنه البهجة التي هي أصل كل خلق وإبداع على هذه الأرض». أيضا لا تعليق. بلى تعليق بسيط: كل الإنجازات الحضارية العظيمة تقف وراءها عاطفة وحيدة هي الحب: أقصد الحب الذي يعمر القلوب، يشحذ الهمم، ينبت الزرع في الأرض البوار. بحياته كلها لم يخلق الحقد أو الكره ذرة حضارة. وبالتالي فحتى لو فشلتم ألف مرة عاودوا الكرة!



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.