شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم

كره هيغل وعانى من التجاهل والحرمان العاطفي

شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم
TT

شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم

شوبنهاور... الوجه الآخر لفيلسوف التشاؤم

حياة اجتماعية ونفسية مضطربة شكلت شخصية الفيلسوف الألماني الشهير شوبنهاور (1788-1860)، وأدت دوراً مهماً في النزعة التشاؤمية التي اتسمت بها أفكاره ورؤاه، حتى لقب بـ«فيلسوف التشاؤم»... فصول من هذه الحياة، خاصة مراحل النشأة والتكوين، يكشفها كتاب «شوبنهاور: مقدمة موجزة»، من تأليف أستاذ الفلسفة الباحث الأميركي كريستوفر جاناواي الذي يشرف على ترجمات شوبنهاور إلى الإنجليزية، بالتعاون مع جامعة كمبردج. وتولى ترجمة الكتاب الصادر في القاهرة عن «المركز القومي للترجمة» إلى العربية سعيد توفيق، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة. ولد أرتور شوبنهاور بمدينة دانتسج، وتوفي في فرانكفورت. ويرصد الكتاب أثر هذه النشأة في ملامح وجهه، مشيراً إلى أن كثيراً من الصور الفوتوغرافية التي التقطت له خلال العقد الأخير من حياته يبدو فيها بهيئة غير تقليدية ذا عزيمة وإصرار في تجهم، ولكن الوميض الذي يشع من عينيه يبدو معبراً عن شخص ما يقظ في حذر صارم. وقد وصفه نيتشه قائلاً: «إن الطاقة الإبداعية المتمردة لرجل في العشرينيات من عمره هي التي أنتجت كتابه العمدة (العالم إرادة وتمثل)».

علاقات مضطربة
يشدد جاناواي على أن الروح الاستقلالية هي أكثر السمات المميزة لطبيعة شوبنهاور، فهو يكتب بلا خوف، وبقليل من الاحترام للسلطة، ويمقت الخضوع للتقاليد السائدة التي وجدها في المؤسسة الأكاديمية الألمانية، لكن وراء هذا تكمن حقيقة لها دلالتها، وهي أنه كان أيضاً مستقلاً مادياً. فحينما أصبح بالغاً عام 1809، ورث ثروة كانت مع قليل من المهارة في إدارة الأعمال كافية لتؤمن معاشه بقية حياته. وكان أبوه يعد واحداً من أكثر رجال الأعمال ثراء في دانتسج، غير أنه في أثناء رحلة والديه لبريطانيا، تم إلحاقه بمدرسة داخلية في ويمبلدون، وهي ذات رؤية دينية ونظام تعليمي ضيق الأفق، وهو ما كان له تأثير سلبي عليه دام بقية حياته. إن هذه الفترة تنبئ بالكثير عن شخصية شوبنهاور وتنشئته، إذ كان تلميذاً غاضباً مشاكساً لا ينصاع للممارسات السخيفة التي كانت تحيط به، وقد بدا منعزلاً تماماً ينظر بشيء من الاستخفاف إلى ما حوله.
ويذكر المؤلف أن أباه كان رجلاً قلقاً صارماً مهيباً يؤمل كثيراً في ابنه، أما الأم فهي يوحنا شوبنهاور، من عائلة تجارية ناجحة، لكنها مختلفة تماماً عن زوجها، فقد كانت شخصية اجتماعية مفعمة بالحياة، لها مواهب أدبية بلغت ذروتها لتصبح «كاتبة» تؤلف روايات رومانسية على نحو جعلها أكثر شهرة في أثناء حياتها من ابنها. وكان لها نفوذ مؤثر في حياته، ولكن العلاقة بينهما لم تكن حميمية أبداً. وفيما يتعلق بزواجها، كتبت هي نفسها قائلة إنها رأت أنه لا حاجة بها لأن تتظاهر بالحب المشبوب لزوجها، مضيفة أنه هو نفسه لم يكن يتوقع منها ذلك. وبعد أن توفي الأب، راحت يوحنا المتحررة عقلياً تواصل مشروعها المهني الخاص، وانتقلت إلى فيمار، حيث أسست صالوناً ثقافياً كان يفد إليه كثير من الشخصيات البارزة. ولقد استفاد شوبنهاور من خلال الصلات التي أقامها مع رواد الصالون، خاصة أديب ألمانيا الأشهر جوته، والمستشرق فريدريك ماير الذي أثار لديه اهتماماً بالفكر الهندي لازمه طيلة حياته، غير أن علاقته بأمه أصبحت شديدة الاضطراب، فطردته إلى الأبد، ولم تره بعد ذلك.

الألم والسأم
تجلت وجهة شوبنهاور الحقيقية في الجزء الأول من «العالم إرادة وتمثل» الذي أنجزه في دريسدن، ونشره عام 1818، رغم أن السنة المدونة هي 1819. يشير المؤلف إلى أن أسلوب البحث الهادئ الرزين الذي سار فيه شوبنهاور على منوال إيمانويل كانط في كتابه السابق «الجذر الرباعي» (1813) لم يكشف عن القوة المحركة لفلسفته، فهو لم يوجه أسئلة تتعلق بالمعاناة والخلاص والأخلاق والفن والنزعة النرجسية والموت ومعنى الحياة؛ تلك التساؤلات التي تشكل عماد فكره وانشغاله الأكبر، حتى أنه بقي في طور تأليف هذا الكتاب ما يزيد على عشر سنوات. وهو بتبنيه فكر كل من أفلاطون وكانط أصبح على قناعة بأن هناك انفصالاً بين الوعي العادي والوضع الأسمى الذي يتمكن فيه العقل البشري من النفاذ فيما وراء مجرد المظاهر إلى معرفة ما هو أكثر حقيقية.
ويوضح جاناواي ذلك، قائلاً إن الفكرة الأساس في كتابه العمدة تتعلق بالإرادة، حيث يقدم لنا شوبنهاور العالم بصفته ذا جانبين: جانب «التمثل»، أي الأسلوب الذي به تُقدم لنا الأشياء ذاتها وكيف «نتمثلها» نحن؛ وجانب الإرادة، أي رغبة الإنسان في السمو فوق ما يتمثله، ليصنع من العالم حقيقة تتجاوز مجرد المظاهر الوجودية المعتادة. بعبارة أخرى، فإن البشرية موزعة بشكل متوازن بين طبيعة كائن حي مدفوع نحو البقاء والتناسل، وعقل خالص يناهض طبيعة ذلك الكائن، ويتوق إلى تأمل أبدي لحقيقة أسمى. ومع أن شوبنهاور ما زال يتصور نوعاً من الخلاص الذي يقوم على التخلي، فإنه يعتقد أن الوجود في صورته العادية يتضمن بالضرورة بؤساً مزدوجاً من الألم والسأم.

تجربة فاشلة
يذكر الكتاب أنه في سنة 1820، تم قبول شوبنهاور محاضراً في جامعة برلين، بعد أن ألقى محاضرة أمام حشد من أعضاء هيئة التدريس، برئاسة فيلسوف ألمانيا الكبير جورج فريدريش هيغل الذي كان أستاذاً للفلسفة بالجامعة. وقام شوبنهاور نفسه على نحو سديد ليحاضر تحت هذا العنوان الفاتن «مجمل الفلسفة: أي نظرية جوهر العالم وجوهر العقل البشري»، ولكنه اختار أن يحاضر في التوقيت ذاته الذي يحاضر فيه هيغل، فحضر مائتان من الطلاب محاضرة الأستاذ الذي كان في قمة مجاله المهني، بينما بقي لشوبنهاور غير المعروف قلة هزيلة من الطلاب. ورغم أن اسمه بقي مدوناً في جدول المحاضرات في السنوات التالية، فإنه لم يعد لتكرار هذه التجربة، وكان هذا هو نهاية ممارسته لمهنة التدريس الجامعي. لقد كان هيغل مثالاً على كل ما يكرهه شوبنهاور في الفلسفة، فقد كان أستاذاً أكاديمياً استفاد من السلطة الرسمية التي ظل فيلسوفنا يزدريها، كما كان هيغل يؤيد الكنيسة والدولة، ولم يستطع شوبنهاور هضم تصوره للدولة بصفتها تمنح «أسلوباً جباراً في الكتابة»، كما أنها مجرد وسيلة ملائمة لحماية الملكية وكبح فرط الأنانية. ورأى شوبنهاور في كتابات هيغل أنها تتسم بتكلف الادعاء والغموض، بل هي مضللة، فالشعار الذي ينبغي وضعه عنواناً للفلسفة الجامعية الهيغلية هو أنها «سمكة حبّار» تضع فوق نفسها سحابة من التعتيم كي لا يرى أي أحد ما كنهها، متخذة تلك المقولة شعاراً لها: غموضي يحصنني! وليس من الصواب القول إن فلسفة شوبنهاور قد قامت على أساس من معارضة هيغل، فالأخير كان بمنأى تماماً عن عقل شوبنهاور، حينما أبدع عمله الفذ «العالم إرادة وتمثل»، ولكن نجاح هيغل المظفر الذي صاحب افتقاد شوبنهاور المستمر للعرفان ترك في نفسه ضغينة لازمته فترة طويلة من حياته المهنية.

الهروب من الكوليرا
يذكر الكتاب أن فترة العشرينيات من القرن التاسع عشر الأقل إنتاجاً في حياة شوبنهاور، فقد سافر إلى إيطاليا، وعاني أثناء ذلك وبعد عودته من مرض خطير ومن اكتئاب، كما ارتبط بعلاقة غرامية مع كارونيه ريشتر، وهي ممثلة استعراضية في المسرح القومي ببرلين.
وفي سنة 1831، وصلت الكوليرا العاصمة الألمانية، وتبين أن هيغل من بين ضحاياها، وغادر شوبنهاور المدينة. وبعد فترة من الحيرة، استقر في فرانكفورت، حيث بدا أنه يواصل هناك حياته الإبداعية التي توزعت بتوازن بين الكتابة والاستجمام، كالذهاب إلى المسرح والأوبرا والتريض والعزف على الفلوت، وتناول العشاء في المطاعم، وقراءة جريدة «التايم» في مكتبة المدينة. وحينئذ، أصبح قادراً على إنتاج مزيد من الأعمال. ففي سنة 1836، نشر كتابه عن «الإرادة في الطبيعة» الذي أعده ليكون داعماً لمذهبه في الإرادة. وفي سنة 1844، تم نشر مجلد ثان من «العالم إرادة وتمثل»، مع طبعة جديدة من المجلد الأول. وكان حكيماً في أنه لم يحاول أن ينسخ العمل الذي أنجزه في فترة الشباب، وبدلاً من ذلك أدخل تنقيحاً جوهرياً على الأصل، وأكسبه مزيداً من الوضوح والإفاضة بما استفاده من تأملات فترة النضج. وقد أعيد نشر الجزأين معاً في طبعة ثالثة صدرت عام 1859، قبيل وفاته. أما آخر ما نشره شوبنهاور من مؤلفات جديدة، فكان كتاباً آخر من جزأين، بعنوان «الحواشي والبواقي»، وهو الكتاب الذي ظهر عام 1851، بعنوانه المثير للتأمل، حيث تتراوح المحتويات بين مقالات فلسفية مطولة ومأثورات عن حكمة الحياة بأسلوب أكثر شعبية، وهي المأثورات التي كثيراً ما كان يتم نشرها منفصلة.
ومن الغريب أن هذا العمل تحديداً وجد ترحيباً في إنجلترا أولاً، وهو ما أدى إلى شهرة شوبنهاور، فأصبح هناك احتياج إلى طبعات جديدة من كتاباته، وأصبح موضوعاً لمقررات في الجامعة الألمانية، وراح يستقبل كثيراً من الزوار وكثيراً من المراسلات، من بينها النص الأوبرالي الكامل «خاتم النيبلونج» الذي أرسله واحد من أشد المعجبين به، وهو ريتشارد فاغنر الذي تصادف أن شوبنهاور لم يكن يرى موسيقاه رفيعة القدر إلى حد كبير.
وخلال الخمسين سنة الأولى التالية على وفاته، أصبح شوبنهاور واحداً من أعظم الكتاب الأوروبيين تأثيراً، ورغم أنه لم يدع كونه شاعراً، فإن الأبيات الشعرية التي جاءت في نهاية البواقي والحواشي تعد تأملات صادقة لما كان يشعر به في نهاية سنواته الأخيرة، لا سيما تلك التي تحمل عنوان «اللحن الختامي»:
إنني أقف الآن مرهقاً عند نهاية الطريق
جبيني المنهك لا يكاد يحمل إكليل الغار
غير أني أنظر في سعادة
إلى ما صنعته غير مبال بما يقوله الآخرون



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).