هيمنت أنباء زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للهند على الصفحات الأولى للصحف، ليس داخل الهند فحسب، وإنما كذلك بالصحف الصادرة في شبه القارة الهندية ككل ووسائل الإعلام الصينية. ونشرت الصحف الهندية تحليلات وصورا تتعلق بأوباما ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وتنوعت الصور ما بين لقطات لهما وهما يبتسمان ويتعانقان ويتبادلان الإشادة والثناء.
وتركت التغطية الإعلامية المكثفة للقاء أوباما ومودي خلال زيارة الرئيس الأميركي للهند التي استمرت ثلاثة أيام، حيث حل ضيفا على البلاد خلال عيد الجمهورية الهندية، ليصبح بذلك أول رئيس أميركي تتزامن زيارته للبلاد مع هذه المناسبة، تداعيات داخل الدول المجاورة للهند. والواضح أن تبادل مودي وأوباما الحديث باستخدام الاسم الأول لكل منهما، وتبادلهما العناق أكثر من مرة أمام الكاميرات، أثار غضب الكثيرين. ولم تجد مسألة توطد العلاقات بين أكبر ديمقراطيتين بالعالم، استقبالا إيجابيا في وسائل الإعلام الباكستانية والصينية على وجه الخصوص.
في ما يخص وسائل الإعلام الهندية، فإن رئيس الوزراء مودي يعي جيدا كيفية استغلال هذه الوسائل في خدمة أهدافه، وقد حرص معاونوه الإعلاميون على التأكد من بث وسائل الإعلام صور محادثاته مع أوباما داخل حديقة قصر حيدر آباد. وقد قضى الزعيمان وقتا طويلا في مناقشة مختلف القضايا واحتساء الشاي الذي حرص رئيس الوزراء على إعداده بنفسه لأوباما.
وفي الوقت الذي أشادت فيه غالبية وسائل الإعلام بتجدد أواصر الصداقة بين البلدين، نبهت بعض الأصوات الإعلامية لضرورة استغلال الفرص التي أتاحتها هذه الزيارة بصورة ملموسة. كما تساءل البعض عن السبب وراء غياب الحضور القوي من جانب السيدة الأميركية الأولى ميشيل أوباما أثناء الزيارة.
من جانبه، أوجز بهاسكار تشاكرافورتي، في مقال بصحيفة «إنديان إكسبريس»، زيارة أوباما بقوله إنها «رقصة دبلوماسية». أما «فاينانشيال تايمز» فرأت أن أوباما تلقى «إشادة هائلة» لتعهده بأن يتيح «للشابة التي تعيش بالمناطق الريفية الهندية البدء في مشروع تجاري خاص بها بالتعاون مع شريك من أميركا».
وأشارت الصحف الهندية إلى أن مشاركة أوباما وقرينته في احتفالات اليوم الوطني الهندي خلقت هالة من الإثارة غير المعتادة حول الحدث. وعن ذلك، قالت «ذي بيزنس ستاندرد» إن «الاحتفال التقليدي البسيط الذي كان يقيمه الرئيس الهندي للاحتفال بيوم الجمهورية تميز هذا العام بجو عام استثنائي من الإثارة». إلا أن الصحيفة نوهت بأن أوباما قد يفقد قرابة ست ساعات من عمره المتوقع بعد قضائه ثلاثة أيام في العاصمة الهندية واستنشاقه لأكثر الهواء تلوثا على مستوى العالم.
من ناحية أخرى، أعربت «ذي إكونوميك تايمز» عن اعتقادها أن تعزيز الروابط الأميركية - الهندية من المحتمل أن «يشعل ثورة خضراء»، بينما قالت «ذي هندوستان تايمز» إن «الهند والولايات المتحدة فشلتا في إبرام اتفاق شامل حول المناخ مع نفي رئيس الوزراء ناريندرا مودي الأقاويل التي تفيد بتعرض بلاده لضغوط كي توقع اتفاقا حول التغييرات المناخية على غرار الاتفاق الأميركي ـ الصيني حول خفض الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. ومع ذلك، اتفق البلدان على العمل معا نحو عقد مؤتمر ناجح بخصوص المناخ في باريس هذا العام».
من ناحية أخرى، أولت وسائل الإعلام الهندية والأجنبية اهتماما ملحوظا بملابس رئيس الوزراء الهندي خلال زيارة الرئيس الأميركية فاق الاهتمام بملابس السيدة الأميركية الأولى. أما أكثر القطع التي جذبت اهتمام الإعلام فكانت الحلة التي حملت خيوطها اسم رئيس الوزراء كاملا: ناريندرا دامودارداس مودي. وحظي الاسم الأوسط تحديدا بالاهتمام الأكبر من جانب وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو اسم والده الذي كان يعمل بائعا للشاي. وحتى وسائل الإعلام الغربية نشرت موضوعات خاصة حول سر اختيار مودي لاستعراض اسمه على ملابسه خلال لقاء رسمي مع أوباما.
وقد أثنى أوباما نفسه على اختيار مودي لملابسه، ووصفه خلال مأدبة رسمية بأنه «أيقونة للأناقة». وأشار أوباما إلى أن «إحدى صحفنا في الوطن كتبت تقول: تنحي جانبا يا ميشيل أوباما، فالعالم أصبح به أيقونة جديدة للموضة».
يذكر أن مودي يشتهر منذ فترة طويلة باهتمامه بالموضة، وغالبا ما يظهر مرتديا تصميمات تتميز بأكمام قصيرة من «كورتا»، وهو قميص هندي تقليدي فضفاض يصل طوله للركبة. وقد اشتهر هذا القميص لدرجة أن «مودي كورتا» تحول في حد ذاته لعلامة مميزة في عالم الملابس.
وقالت «ذي تايمز أوف إنديا»: «ليست هناك توجيهات واضحة حول الكيفية التي ينبغي أن ينتقي بها رؤساء الحكومات ملابسهم خلال المناسبات الرسمية، لكن رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وهو رائد بالفعل على هذا الصعيد، قطع خطوة جديدة للأمام عندما كتب اسمه الثلاثي - ناريندرا دامودارداس مودي - عبر خطوط الحلة التي يرتديها». وقد لفتت هذه الحلة تحديدا انتباه حتى «وول ستريت جورنال» و«بي بي سي نيوز». وأعربت «ذي تايمز أوف إنديا» عن اعتقادها أن زيارة ميشيل أوباما للهند الأخيرة اجتذبت اهتماما أقل من زيارتها السابقة التي رقصت خلالها مع طلاب المدارس.
وشهدت الزيارة أول برنامج حواري يشارك به رئيس أميركي في الهند، والذي جرى بثه تلفزيونيا وحظي باهتمام إعلامي كبير. وقد اتخذ كل من رئيس الوزراء مودي والرئيس أوباما خطوة غير مسبوقة بمشاركتهما في برنامج «مان كي بات» الإذاعي (كلام من القلب) والذي تحدثا من خلاله إلى جموع الشعب الهندي.
وتشارك الزعيمان في الكثير من اللحظات الشخصية خلال تلقيهما أسئلة من الجمهور عبر مختلف أرجاء البلاد. وفي إشارة للتقارب الشخصي بينهما، تحدث مودي إلى الرئيس الأميركي مناديا إياه باسمه الأول فقط طيلة البرنامج. وتساءل «ماذا يعني اسم باراك؟ لقد بحثت عن معنى الاسم». بعد ذلك، استطرد خلال مقدمة البرنامج قائلا «في اللغة السواحيلية التي يجري الحديث بها في أجزاء من أفريقيا، تعني باراك الشخص المبارك. وأعتقد أن أسرته منحته عطية كبيرة مع مولده باختيارها هذا الاسم».
في المقابل، بدأ أوباما البرنامج بتوجيه الشكر لرئيس الوزراء مودي لكلماته الرقيقة وللضيافة الكبيرة التي لاقاها. وأضاف «قيل لي إن هذه هي أول مرة على الإطلاق يتحدث خلالها رئيس وزراء هندي ورئيس أميركي معا عبر الإذاعة، مما يعني أننا نسطر تاريخا جديدا في غضون فترة قصيرة. والآن أود أن أقول للشعب الهندي الذي يستمع إلينا في مختلف أرجاء هذه الأمة العظيمة، إنه لمن الرائع الحديث إليكم مباشرة». وأوضح أوباما خلال البرنامج أنه «إذا توحدت صفوف الولايات المتحدة والهند معا حول قيم مشتركة، فإن العالم سيصبح أكثر رخاء وسلما وأمنا»، وأعقب ذلك بإغداق الإشادة على أكبر ديمقراطية بالعالم.
المثير أن كلا من مودي وأوباما اعترف بأنه سبق له الوقوف خارج أسوار البيت الأبيض والتطلع نحوه. وقال أوباما إنه قبل أن يصبح رئيسا زار البيت الأبيض ووقف أمام أسواره. كما تذكر مودي كيف أنه وقف أمام «السور الحديدي الضخم» للبيت الأبيض خلال زيارته الأولى للولايات المتحدة عام 1994. وبالفعل، ظهرت صورة لمودي وهو يقف أمام بوابة البيت الأبيض برفقة عدد من الأصدقاء. وبعد ذلك، اعترف كلاهما بأنه لم يدر بخلده أنه سيرحب به في يوم من الأيام على الجانب الآخر من السور.
إضافة لذلك، قرأت وسائل الإعلام رسالة مبطنة موجهة لحكومة مودي اليمينية القومية الهندوسية في ثنايا الخطاب الذي ألقاه أوباما قبيل انتهاء زيارته. وخلال الخطاب، دعا أوباما بقوة لتعزيز التسامح الديني، مشيرا إلى المادة 25 من الدستور الهندي التي تكفل حق كل مواطن في ممارسة أو التبشير بدينه. وحذر أوباما الهند من جهود تقسيم المجتمع على امتداد «خطوط طائفية».
المؤكد أن هذه كانت رسالة حساسة للهند، رغم عدم وجود قيادات سياسية كبرى بين الجمهور الذي تألف في معظمه من طلاب وعلماء، وبلغ إجمالي عدده قرابة 1500 شخص. وقد خصص أوباما خمس دقائق من خطابه الذي استمر 33 دقيقة لقضية الحرية الدينية والتنوع. وشدد أوباما على أنه «لكل شخص الحق في ممارسة دينه من دون أي اضطهاد أو خوف أو تمييز. وستنجح الهند ما دامت لم تنقسم عبر تقسيمات دينية».
جدير بالذكر أن غالبية الشعب الهندي يعتنق الهندوسية (قرابة 80 في المائة)، بينما يمثل المسلمون أكثر من 15 في المائة من السكان، مما يجعلهم الأقلية الدينية الأكبر بالبلاد، بينما تتألف النسبة الباقية من سيخ ومسيحيين وبوذيين. وبينما تعيش غالبية المجموعات الدينية في سلام، شهدت البلاد اشتعال موجات عنف عدة مرات من قبل، خاصة بين الهندوس والمسلمين.
وقد حرم رئيس الوزراء مودي من الحصول على فيزا دخول للولايات المتحدة طيلة قرابة عقد في أعقاب أعمال الشغب الديني التي اندلعت عام 2002 في ولاية غوجارات التي ينتمي إليها ومقتل أكثر من ألف مسلم بينما شغل هو منصب أكبر مسؤول منتخب بالولاية. ورغم نفيه ارتكابه أي خطأ وتبرئة محكمة لساحته بإعلانها عدم توافر دليل يشير لتورطه في أعمال الشغب، فإن مسلمي ومسيحيي الهند بوجه عام ينظرون بريبة تجاه حزبه «بهاراتيا جاناتا».
من ناحية أخرى، أفردت وسائل الإعلام الباكستانية مساحات واسعة لزيارة أوباما للهند. ونقلت الكثير من القنوات الباكستانية صورا حية من الزيارة. وحرصت كبريات وسائل الإعلام الباكستانية، مثل «آج» و«جيو تي في» و«إيه آر واي» و«إكسبريس دنيا» و«دون» على نقل أنباء الزيارة في كل من نشراتها، بجانب التعرف على آراء صحافيين هنود مقيمين بمدن باكستانية ونيودلهي حول الزيارة.
ورغم أن القنوات التلفزيونية الباكستانية تناولت الزيارة باعتبارها حادثا عاديا، فإن الصحف سلطت الضوء على التوافق الشخصي الواضح بين الزعيمين الأميركي والهندي. وحرصت جميع الصحف الكبرى على نقل أنباء الزيارة والتعليق عليها في صدر صفحاتها الأولى، مثل «غانغ» و«إكسبريس تريبيون» و«دون».
وبدا واضحا أن إسلام آباد راودها الخوف من استغلال الهند للزيارة لتقويض مكانة باكستان لدى الولايات المتحدة. يذكر أن الدولتين اللتين تعانيان منذ فترة بعيدة من صراعات حدودية، خاضتا ثلاث حروب دموية منذ نيل باكستان الاستقلال عام 1947.
وفي مقالها الافتتاحي، قالت «دون» الباكستانية إن «المؤسسة الرسمية الهندية ووسائل الإعلام القومية المقربة منها من المحتمل أن تحاول استخلاص مزيد من التعليقات حول باكستان من أوباما ومسؤولين أميركيين آخرين يمكن للهند استغلالها لرسم صورة سلبية لباكستان». أما «إكسبريس تريبيون» فنشرت مقالا افتتاحيا شددت فيه على لغة الجسد الخاصة بمودي، مشيرة إلى أن العلاقات الأميركية - الهندية بلغت مستوى جديدا.
وتناول الصحافي الباكستاني واجهات خان في صحيفة «ذي نيوز» الاتفاق النووي الأميركي - الهندي، موضحا أن باكستان حاولت إبرام اتفاق مشابه، لكن الولايات المتحدة ظلت مترددة حيال ذلك.
من جانبه، برر الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، خلال زيارة لباكستان عام 2006، السبب وراء عدم إقرار مثل هذا الاتفاق بقوله «شرحت (للجنرال مشرف) أن باكستان والهند دولتان مختلفتان باحتياجات مختلفة وتاريخ مختلف. لذا فإنه مع مضينا قدما ستعمل استراتيجيتنا على أخذ هذه الاختلافات المعروفة في الاعتبار».
وعلق خان على الأمر بقوله «على مر السنوات ورغم (الحوار الاستراتيجي) بينهما، بدا واضحا أن مثل هذا الاتفاق بالنسبة لباكستان سيبقى حلما بعيد المنال ما دامت الولايات المتحدة لا تزال تأخذ في الاعتبار (الاختلافات المعروفة)». وقال خان إن الريبة التي أبدتها الولايات المتحدة تجاه باكستان دفعت الأخيرة للتقارب أكثر مع الصين.
زيارة أوباما تهيمن على صحف شبه القارة الهندية
أول رئيس أميركي تتزامن زيارته للبلاد مع مناسبة «عيد الجمهورية».. وتأثير الزيارة على الدول المجاورة
زيارة أوباما إلى الهند هيمنت على صدارة الصحافة في شبه القارة الهندية لأكثر من 3 أيام
زيارة أوباما تهيمن على صحف شبه القارة الهندية
زيارة أوباما إلى الهند هيمنت على صدارة الصحافة في شبه القارة الهندية لأكثر من 3 أيام
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




