مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

ربيعة ريحان تستعيدها في مرايا «الخالة أم هاني»

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية
TT

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

مسامرات الزمن والأمومة في رواية مغربية

يتسع فضاء الحكي ويتنوع عبر تخوم الماضي والحاضر ويبرز بتقاطعات سردية شيقة، كسيرة لطفولة الزمن والحياة، في رواية «الخالة أم هاني» للكاتبة ربيعة ريحان، الصادرة أخيراً عن «دار العين» بالقاهرة.
تدور الرواية في فضاء شبكة من العلاقات والأنساب العائلية المحيِّرة والمعقَّدة، تلمّ شتاتها بطلتها «أم هاني» بروح من بداهة الفطرة والخبرة الحميمة المرحة، والتقاط ما وراء الملامح والصور. فمنذ البداية وعلى مدار 326 صفحة وحتى الختام، تتجول الخالة بعينيها الزبرجيدتين وجمالها الفاتن الغض واسمها الأندلسي الأصيل، في مسارات السرد كنهر دافق لا يكفّ عن العطاء.
امرأة أمية في عباءة الثمانين تسكن في الضواحي الشعبية، بالكاد تعرف الأرقام، أدمنت النظر إلى تمثال محمد الخامس فوق حصانه الأبيض في بهو البلدية الفسيح بمدينة آسفي، وما يمثله في الوجدان العام كرمز للاستقلال ومكافحة الاستعمار الفرنسي للبلاد. تقف الخالة مشدوهة أمامه، وتتأمله من زاوية خاصة، حتى أصبح الأمر بمثابة هواية تحرص عليها وهي في الطريق لزيارة ابنة خالتها وأسرتها في بيتها المنيف (الفيلا) الذي يشي بترف أرستقراطي. لكنّ هذه الزيارة المعتادة سرعان ما تتحول إلى صراع من الألفة، بين أمومة مفتقَدة تمثلها الخالة العاقر صاحبة الميراث القاسي والمرير من اليتم، خصوصاً بعد وفاة والديها وأخويها الصغيرين، وهي طفلة، والتنقل للعيش عند الخالات والعمات، ما دفع بها إلى خمس زيجات صادمة مرّت بها في حياتها، وبين أمومة مزدوجة، تجسّدها «شيماء» الساردة الأساسية، حيث تتبناها الخالة كابنة لم تنجبها وهي بعد طفلة لم تتجاوز خمس سنوات، امتثالاً لوصية جدة شيماء لأمها، وهي على فراش الموت بأم هاني: «قالت لها بعد جهد وهي تنظر لعينيها، وتمسك بكفها: عار بنت خالتك عليك. خدي بالك منها يا ابنتي، ولا تتركيها وحدها فهي يتيمة. وهكذا منحتني أمي ألواناً إضافية، وعيشاً عبر خُطى، هنا وهناك، في بيتنا مرة وفي بيت الخالة مرات».
أسئلة ساذجة وبريئة في عين طفلة تستعيدها شيماء من غبار تلك اللحظة فيما يشبه النجوى الداخلية: «هل فكّرت والدتي في الأمر ملياً وهي تعرضني على أم هاني؟ ألم يراودها الإحساس الأمومي بأنها ستفقدني ولن تراني، أكنت رخيصة إلى ذلك الحد الذي سمح لها بأن تأخذني لتتبناني، وتضع حياتي بموازاة حياتها المتقلبة؟ لماذا لم تفعل ذلك بأختي لمياء الصغيرة، آخر العنقود التي تحب النوم ولا تستيقظ للذهاب إلى المدرسة إلا بالشجار؟». لكن سرعان ما تنقلب هذه الأسئلة إلى إحساس عارم بالنعمة، فتحب شيماء أم هاني، تتعلق بها وتتباهى بسعادتها بتلك النزوة غير المعهودة من أمها «نزوة امرأة عاقلة ووفية»... يعزز هذا ما تضمره الأم من حب مخلص للخالة، وتعاطف مع ظروفها القاسية، ثم إنها ابنة خالتها، على عكس الأب موظف البنك عاشق الفرنسية، الذي يضجر من اللغة العربية، فلا يبالي بها، ودائماً يصدمها بمشاعره الجافة تجاهها، خصوصاً حين تكون في زيارة لهم، كما أنه وافق على مضض على ذهاب ابنته شيماء للعيش معها، مشترطاً ألا تناديها «ماما».
أحبت شيماء عالم الخالة، شبّت وترعرعت في كنفها، وأحسّت بأنها أصبحت مصدر سلام وحماية لها، حيث بدأ الجميع يتخلون عن نظراتهم المتدنية وأوصافهم المقززة لها، وأصبحوا ينادونها بـ«الخالة أم هاني»، وواصلت تعليمها بدأب، حتى درست التاريخ وتخرجت في الجامعة.
توفر فكرة الأمومة المزدوجة كقيمة معيشة، مساحة من الترحال في النص، والذهاب والإياب منه وإليه، كأنه مجموعة من المرايا والمحطات المتجاورة. تعززها لغة سردية سلسة، مفتوحة على حيوية المحكي الشفاهي اليومي ابن الروح الشعبية بتوتراتها العفوية الأليفة، والفصيح، ابن التراث في رسوخه السهل الممتنع، كما تلوّن مناخات السرد بنثار خاص من المحبة، يتوزع في مناخ الرواية بين كائنين (الأم والخالة) يشتركان في الصفة نفسها، ويبدوان أحياناً في سباق خفيّ على حب الابنة. التي تنصّب من نفسها «الصوت المعارض» لكل ما يحاك من أراجيف، خصوصاً على ألسنة نساء العائلة، فهي مادة التندر والمزاح المفضلة في مسامراتهن ولقاءاتهن، تشتد وتيرته حين تكون الخالة حاضرة، فتنبري شيماء بالرد والدفاع المستميت عنها، كأنها تدافع عن نفسها. يؤجج ذلك شخصية الخالة المتمردة الصلبة، وأطوارها ونوادرها الغريبة واعتدادها بذاتها، وقدرتها على السخرية والتهكم من الجميع، وشراستها ضد من يحاول التحرش بها. ناهيك بجمالها الذي لم يجر عليه الزمن. فدائماً لديها بصيرة ثاقبة وحاضرة، تضع عناوين وإشارات تلقائية مرحة وساخرة لنثريات الواقع المعيش، مفكِّكةً عقده وفواصله السميكة في البشر والأشياء بنزق طفولي باذخ. ورغم وعيها بالانتماء لشجرة هذه العائلة المترفة في أرستقراطيتها النمطية، لكنها دائماً تحتفظ بمسافة بينها... تسكن في الضواحي في المناطق الشعبية الهامشية، لا تعرف القراءة ولا اللغة، لكنها تعرف أن المكان ليس مجرد حوائط وجدران صلدة، إنه كائن حي يتنفس، تجب رعايته والحفاظ على بهائه ونظافته، كما أن تراكم الخبرة أكسبها منطقاً حياً من الفطرة، تستخدمه كلما لزم الأمر، وتركنه جانباً خشية أن تعتريه رخاوة الثرثرة وفساد الكلام.
تحت هذه المظلة تتوغل «شيماء» في طوايا الخالة، وبحكم المؤانسة والعشرة ترسم ملمحاً من شخصيتها المتقلبة: «حين يكون مزاج الخالة سيئاً، من الأفضل ألا يقترب منها أحد، (المود) التي تكون عليه يجعلها تُبدي طرائق مغيظة، من أجل ألا تُقتحَم، ألّا ينغص أحد عليها عزلتها، وعندما يصر الآخرون على العكس، كانت تتظاهر بأنها لا ترى، ولا تسمع، ثم تهرول بطريقة هزلية إلى الجانب الآخر من الطريق، مدّعية أنها ليست هي، رغم بريق الزبرجد في عينيها الساحرتين»... حدث هذا مع خالها وهو ينادي عليها في الشارع كي يسلم عليها، فهرولت مسرعة، وكادت تستغيث برجال الشرطة، مدّعية أن رجلاً يطاردها، مما يخلف رذاذاً من السخرية المرحة، يعد أحد مقومات السرد الشيقة في الرواية.
تتابع شيماء: سألتها مرة ضاحكة: «ألا توجد طريقة أنسب لاتّقاء اقتحام الناس، ألا يكفي أن تعتذري مثلاً، تقولي إنكِ في حاجة إلى السير وحدك، والإنصات إلى مخك؟! أبداً أخرج من بيتي لأتمشى فأجدهم في وجهي»... أدركت شيماء بفطنتها أن وراء كل هذا سراً في حياة الخالة، وحين حاولت أن تغريها بالبوح والفضفضة: «افتحي قلبك سرك في بئر، في الحفظ والصون»... ردت عليها: «ماذا نفعل بالأسرار المخبأة في البئر، وفي ماذا ستفيدنا؟».
في كل هذا لا تنصرف الرواية عن النظر إلى الواقع ومحاولة استكناه تحولاته وتقلباته، فبعين تمتزج فيها بداهة الجغرافيا بوقائع التاريخ، ترصد الرواية الواقع المزري في الأحياء الشعبية الفقيرة الهامشية، كاشفة فداحة البون الشاسع واللا إنساني الذي يظللها اجتماعياً وطبقياً، وفي رقعة زمنية تستعيد أجواء النصف الأول من القرن العشرين حتى تخوم اللحظة الحاضرة وزمن الميديا والإنترنت. كما تكشف عبر شجارات الشخوص، ومكائدهم الضاجّة بالسخرية والنميمة عن مدى التناقض والتشقق في واقعهم العائلي ومحيطهم الاجتماعي، حيث فضاء المجتمع المغربي، بعاداته وتقاليده وأعرافه العتيقة، وهو ما يثير صراعاً مكبوتاً ما بين إرث ينتمي للماضي بثباته ورسوخه، وإرث ينتمي للحاضر بحيويته وانفتاحه على آفاق المغامرة والتجريب... في هذه الفجوة الزمنية يبرز زمن الخالة كنقطة وصل حية ومتنامية بين الزمنين، وأكثر انفتاحاً على تخوم اللحظة الحاضرة، ما يجعلها بمثابة المثال الهارب من زمن وواقع النسوة الثرثارات، بل من شيماء المسكونة بهوس التوازن في لعبة المتناقضات، فرغم سنّها التي تخطت الثلاثين لم تَخُض تجربة حب واحدة.
أيضاً نلمح ظلالاً لصراع خفيٍّ بين العائلات، محكوم بسياقات تاريخية واجتماعية، بين المهاجرين والوافدين، وأسياد الأرض في مدينة آسفي بتاريخها العريق وموقعها الجغرافي المتميز، وهو صراع هوية: يبرز فيه سؤال «مَن أنت؟» كتميمة وجود وتميز مراوِغة، تشاغب من خلالها «صباح» أستاذة الفلسفة تلاميذها، وترى السؤال نوعاً من التعصب والهبل. فالفرح بالمكان يتجسد بمعايشته والحفاظ عليه وتنميته جمالياً وإنسانياً، وليس بالنكش في جذور ماضٍ عفا عليه الزمن.
تبلغ الرواية ذروتها بحنوٍّ بالغ الرهافة مشكِّلة خلاصة مسامرات الخالة لمرايا ماضيها وحاضرها، ومؤانستها لطفلتها المتبناة، التي كبرت في طفولة الزمن والحياة، كاشفةً لها في سياق تحقيق صحافي قررت شيماء أن تُجريه معها عن وقائع زيجاتها الخمس، والمناطق المحرَّمة الملتبسة والشائكة التي عاشتها في ظلالها، وكيف لم تصل إلى الحب وتستمتع به كما هو معتاد، وكما وعدتها مسبقاً بأنها سوف تكشف لها عنه في أوانه حين تكبر، وتصبح مؤهلة لاستيعابه... تطوي الخالة دفترها وهي تحكي بشجن آسر عن لحظة الحب الوحيدة في حياتها، عن ثمرتها المحرَّمة التي توحَّدت بها جسداً وروحاً، ولم تدم سوى أسبوع فقط؛ لحظة فارقة، ابنة المصادفة المحضة مع ابن جارتها الطالب الشاب النابغة في دراسته، والذي خانته عبقريته، فانطفأت روحه وشبابه، وأصبح منزوياً في حجرته، فاقداً أي شهوة للحياة. بضغط ملحٍّ من أمه تفك الخالة أسره، وتعيده إلى طبيعته بجمالها الفاتن، ثم يَلقى حتفه في حادث سير. ليظل هذا العقد غير المكتوب المنفلت من قبضة الزمان ديناً في عُنق الخالة، وهو السر الكامن وراء تعطرها وتجملها في ثوبها الأسود الأنيق مثل شابة في ليلة العرس، كلما همّت بزيارته بين الحين والآخر في مقابر «بويس» الفقيرة القابعة في أطراف المدينة.
هكذا، بذبذبة درامية شفيفة تصل هذه الرواية الممتعة إلى لطشتها الأخيرة فكأننا نعيش زيارة أُمٍّ محروقة على فلذة كبدها، وعاشقة اختصرت العمر كله في بضعة أيام، لكن حلمها لم يستطع أن يعبر الشارع بأمان.



غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».