تعتقد مصادر سوق العقار البريطاني أن الفترة الخاملة بين الشهر الحالي والانتخابات العامة في شهر مايو (أيار) المقبل تمثل فرصة استثمار جيدة لوجود هوامش عالية للتفاوض على الأسعار. وتراوحت تقديرات خبراء ومراكز أبحاث في لندن حول تحولات محتملة لسوق العقار البريطاني في المدى المنظور بين الارتفاع أو الانخفاض الطفيف، على الأقل حتى موعد الانتخابات. واعتبر هؤلاء أن خمول الأسواق التي تراوح مكانها فرصة جيدة للمستثمرين لدراسة السوق والتقاط الفرص الثمينة فيه.
وتوقع مركز أبحاث اقتصادي في لندن تراجع أسعار العقار في لندن خلال عام 2015 بنسبة 2.6 في المائة، بينما تراوحت تقديرات شركات عقار أخرى أن تزيد الأسعار طفيفا بين 3.6 في المائة خلال العام الجديد. وفي كل الأحوال فإن معدلات النمو المتوقعة - أو عدمها - تختلف جذريا عما تحقق في عام 2014، التي بلغت الزيادة فيه في بعض القطاعات نسبة 25 في المائة.
من ناحيته، أكد مركز الأبحاث الاقتصادية والعملية (سيبر) أن قطاع العقار البريطاني بشكل عام سوف يتراجع في عام 2015 بنسبة 0.8 في المائة، بينما تزيد نسبة التراجع في لندن إلى 2.6 في المائة بسبب تدني الطلب المحلي والأجنبي على السواء. وعلل المركز توقعاته بأن الشواهد الحالية تشير إلى أن اهتمام المشترين بالسوق بدأ يتراجع بالفعل.
ويُعد المركز أن أهم عاملين مؤثرين يعدهما نقطة تحول في القطاع العقاري في لندن، هما التعديل الضريبي الأخير الذي زاد من أعباء المشترين في القطاع الفاخر والسوبر، بالإضافة إلى تراجع أسعار النفط بصورة درامية في الشهور الأخيرة. واعتبر المركز أن التوقيت المتزامن لهذين العاملين سوف يؤثر سلبيا على الطلب في سوق العقار البريطاني، خصوصا في القطاعات الفاخرة المتأثرة سلبا بالضرائب، التي يقبل عليها الأثرياء الأجانب.
ولاحظ المركز أن العقارات تبقى في السوق الآن غير مبيعة لفترات أطول، كما زادت حساسية المشترين من الأسعار الباهظة التي تقوم بها عقارات لندن حاليا. ويشعر المستثمر الأجنبي حاليا بفتور تجاه أسواق العقار في لندن، حيث تراجع عامل الأمان الاستثماري مع قدوم انتخابات عامة في شهر مايو (أيار) المقبل وعدم وضوح الرؤية في العلاقة البريطانية مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل. علاوة على ذلك يشعر المستثمر الأجنبي بأنه أيضا مهدَّد بفرض ضرائب إضافية على العقار الفاخر من حكومة عمالية محتملة.
من العوامل السلبية الأخرى الفاعلة في السوق تشديد شروط الإقراض العقاري في كل قطاعات السوق لمنع حدوث فقاعة ائتمانية، كما سبق أن حدث في عام 2008. ويعني هذا تقييد الطلب العقاري في المدى المنظور. كذلك تزايدت قيمة الجنيه الإسترليني مقابل اليورو بنسب ملحوظة هذا العام.
ولكن رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في المركز، سكوت كورف، يحذر من تضخيم الوضع السلبي ويقول إن التقرير الذي أصدره المركز لا يشير إلى انهيار السوق وإنما فقط إلى «تصحيح سعري»، بعد فترة انتعاش «سبق فيها السوق نفسه في عام 2014».
من العوامل السلبية الأخرى ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» أندرو لانغتون رئيس شركة «إيلزفورد إنترناشيونال العقارية»، حيث لاحظ أن تراجع قيمة اليورو سوف يحد من الطلب الأوروبي على عقارات لندن، كما توجهت إدارة الضرائب البريطانية إلى فرض ضرائب على الأموال التي يحضرها المستثمرون من الخارج.
ويضيف أن المستثمر الأجنبي يرى كثيرا من السلبيات في سوق العقار البريطاني الآن، إلى درجة تجعله لا يحبذ المحافظة على مستوى الأسعار العالي، خصوصا مع تراجع أسعار النفط. وعن توقعاته لما سوف يحدث خلال العام الحالي قال لانغتون إنه يتوقع صعود الطلب على استئجار العقارات بدلا من شرائها، وخروج الجيل الجديد من لندن إلى ضواحيها. وبعد الانتخابات في مايو (أيار) المقبل يتوقع لانغتون هجرة الأموال إلى خارج بريطانيا في حالة تطبيق الضريبة المقترحة على العقارات الفاخرة.
من ناحيتها، وافقت شركة «سافيلز» على توقعات التوجهات السلبية لقطاع العقار الفاخر في لندن، وقدرت له أن يتراجع بنسبة واحد في المائة خلال عام 2015 مع خمول شامل في القطاع العقاري البريطاني خلال العام الجديد. ولكن هذا الخمول يتبعه نشاط قوي في عام 2016 بنسبة نمو تتراوح بين 6 و8 في المائة.. وبوجه عام تتوقع الشركة نموا في قطاع العقار الفاخر في لندن بنسبة 25 في المائة على 5 سنوات حتى عام 2019. وبنسبة 20 في المائة خارج لندن.
أما شركة «هامتونز إنترناشيونال»، فترى أن سوق العقار في لندن سوف تتراجع عن معدلات النمو التي شهدتها في عام 2014 إلى نسب هامشية من النمو قد لا تزيد عن 3 في المائة في عام 2015. وترى الشركة أن تشديد قيود الإقراض والإجراءات الأخرى التي اتخذها بنك إنجلترا لتهدئة السوق سوف تأتي بمفعولها في العام الجديد.
وترى الشركة أن تكهنات زيادات قريبة في سعر الفائدة على الجنيه الإسترليني أسهمت في خفض توقعات النمو السعري في عقارات لندن. كما أن تقدم حزب العمال في استطلاعات الرأي يشير إلى زيادة احتمال فرض ضريبة عقار فاخر سنوية على العقارات التي تزيد قيمتها عن مليوني إسترليني.
ولكن أكثر التوقعات تفاؤلا كانت من مسح لخبراء السوق أجرته «رويترز»، وتوقع نمو الأسعار في لندن خلال عام 2015 بنسبة 6 في المائة. وهي وإن كانت نصف النسبة المتوقعة لعام 2014 والبالغة في بعض الإحصاءات نحو 12 في المائة، إلا أنها ما زالت أعلى من توقعات نخبة الخبراء الذين استطلعتهم «الشرق الأوسط».
وقد تكون مسحة التفاؤل ناتجة عن توقيت بحث «رويترز» الذي أجري قبيل تراجع أسعار النفط الدولية، وتوقعات انعكاس ذلك على الطلب العقاري في لندن من الشرق الأوسط وروسيا.
* فرصة سانحة
* من ناحيته يقول مارتن بشير، المدير التنفيذي لشركة «كاي أند كو» العقارية في لندن أن هناك «نافذة استثمارية» وفرصة سانحة لمستثمري العقار في لندن بين الوقت الحالي وفترة الانتخابات العامة في مايو (أيار) المقبل. وهو يختلف مع الرأي السائد ويقول إن تراجع أسعار النفط أدى في الواقع إلى ارتفاع الطلب على عقارات لندن من مستثمرين من الشرق الأوسط وروسيا يريدون تنويع استثماراتهم والاعتماد على أصول مستقرة ذات عوائد جيدة. وهو يؤكد أن شركته تلقت المزيد من الاستفسارات حول شراء عقارات فاخرة في لندن من الشرق الأوسط وروسيا في الأيام الأخيرة.
وفي تعليق خاص بـ«الشرق الأوسط»، قال بخيت إن هناك فترة عدم استقرار في سوق لندن بسبب احتمالات فرض ضرائب على العقارات الفاخرة. ومع ذلك فهو يعتقد أن تأثير هذه الضريبة سوف يكون مؤقتا، كما أنه يعتقد أن احتمالات نجاح حكومة عمالية صارت الآن أبعد من السابق.
وهو يرى بعض العوامل الفاعلة في السوق حاليا، التي من شأنها أن تجعل مجال الاستثمار العقاري في لندن الآن أفضل من الانتظار. من هذه العوامل عملية استيعاب هيكلية الضرائب الجديدة التي أدت في بعض الحالات إلى خفض الأسعار التي يطلبها البائعون. كما أن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لضريبة العقارات الفاخرة تزيد من تردد البعض في الشراء، وتضع ضغوطا إضافية على البائعين من أجل تخفيض الأسعار التي يطلبونها في عقاراتهم المعروضة للبيع. ولذلك فمن يدخل السوق الآن سوف تكون الفرص المتاحة أمامه أفضل مما سيكون الوضع عليه في النصف الثاني من العام.
وهناك من البائعين من تدفعه ظروفه الخاصة إلى البيع خلال الشهور القليلة المقبلة. وفي إحدى هذه الحالات اضطرت الشركة لتخفيض ثمن عقار معروض في السوق بنحو مليون إسترليني من أجل تحقيق صفقة بيع سريعة، وفقا لطلب البائع. ومثل هذه الفرص يمكن للمستثمر الأجنبي المحنك أن يستغلها، ولكن بشرط أن يتلقى النصيحة من خبراء من أجل تحقيق أفضل الفرص الاستثمارية المتاحة.
ويتوقع بخيت أن تعاود السوق نشاطها بعد الانتخابات العامة، وفي توقيت تكون السوق قد استوعبت فيه تأثير التغيير الضريبي الأخير.
وفي تعليق سريع لـ«الشرق الأوسط»، شرح ويل واطسون من مكتب لندن لشركة «ميدلتون ادفايزرز» الوضع الحالي بأنه يجمع ما بين بائعين يريدون الانتقال من عقار لآخر، وعليهم أن يتمتعوا بالمرونة والواقعية فيما يتعلق بسعر عقارهم، وفي الوقت نفسه هناك كثير من المشترين الذين يبحثون عن الفرص خلال الشهور المقبلة قبل الانتخابات. وهؤلاء سوف يتفاوضون بشدة على السعر مسلحين بفترة عدم وضوح الرؤية وعدم اليقين السياسي. وتوقع ويل أن تشهد السوق في هذه الفترة غير المستقرة الكثير من النشاط من بائعين ومشترين لهم أهداف محددة ويسعون جديا لتحقيقها.
من ناحية أخرى يرى ويل أن كثيرا من المستثمرين في السوق يفضلون الانتظار حتى ينقشع غبار ما سوف تسفر عنه الانتخابات.
