الحروب الجديدة جيو اقتصادية... ومشروع «نورد ستريم 2» أبرز ميادينها الأوروبية

الأميركيون يتمددون شرقاً فوق سطح الأرض والروس يعودون غرباً تحته

أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)
أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)
TT

الحروب الجديدة جيو اقتصادية... ومشروع «نورد ستريم 2» أبرز ميادينها الأوروبية

أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)
أنابيب تابعة لمشروع «نورد ستريم 2» في زاسنيتس الواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا (رويترز)

شهد القرن الحادي والعشرون ويشهد تبدلاً للوسائل التي تسعى الدول بواسطتها لتحقيق أهداف استراتيجياتها الخارجية. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، حصل ابتعاد نسبي عن القوة العسكرية في العلاقات بين الدول إلى أساليب أكثر تطوراً تستخدم الأدوات الاقتصادية في المقام الأول.
في مجال العلاقات الدولية، أثار هذا التحول في وسائل السياسة الخارجية نقاشاً واسعاً وعميقاً حول الشأن الجيو اقتصادي الذي بات يمثل أهمية متعاظمة على حساب الاعتبارات الجيوسياسية التقليدية. فعقب الحرب الباردة وصعود العولمة في العقد الأخير من القرن العشرين، أصبح علم الاقتصاد الجغرافي الطريقة الفعالة والدقيقة لوصف الأشكال الحالية للحرب.
بدلاً من القوة «الصارمة» التي تتبع القواعد الجيوسياسية، تستخدم الدول للتقدم على خصومها في الحرب الاقتصادية الأدوات التجارية، مثل الاستثمارات الأجنبية المباشرة وسلاسل العرض والطلب، واستغلال الموارد الطبيعية والمساعدات الخارجية. ولا شك في أن هذا الميدان الجديد يربك الدول غير المستعدة له لأن دينامياته و«قواعد الاشتباك» فيه مختلفة عمّا ألفه صنّاع القرار.
من خلال تقديم الحوافز (خفض الأسعار مثلاً) والتلويح بالعقوبات، تُدار لعبة القوة الجيو اقتصادية. ولعل المثال الراهن الساطع على جولة من جولات المواجهات الشرسة في هذا المجال مشروع «نورد ستريم 2» لأنابيب الغاز.

*البداية والتعقيدات
بدأت قصة خط الأنابيب لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عام 1997 مع انطلاق مشروع خط الأنابيب الأصلي، عندما اتفقت شركة «غازبروم» الروسية وشركة النفط الفنلندية «نسته» على تأسيس شركة «نورث ترانسغاز أوي» لبناء خط أنابيب من روسيا إلى شمال ألمانيا عبر بحر البلطيق، ولاحقاً تشغيله. وتعاونت شركة «نورث ترانسغاز» مع شركة الغاز الألمانية «روهرغاز» في إجراء مسح لطريق الأنابيب في المناطق الاقتصادية الخالصة لفنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا، وكذلك إجراء دراسة جدوى لخط الأنابيب عام 1998.
وبعد سنوات من التفاوض والترتيبات مع دول مختلفة، وضع أول أنبوب لخط الأنابيب في 6 أبريل (نيسان) 2010 في المنطقة الاقتصادية السويدية الخالصة. وأُطلق بناء خط الأنابيب رسمياً في 9 أبريل 2010 في خليج بورتوفايا على ساحل بحر البلطيق.
وفي النهاية، بدأ ضخ الغاز في الخط الأول في 6 سبتمبر (أيلول) 2011. وحصل الافتتاح الرسمي لخط «نورد ستريم» في حضور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الروسي دميتري ميدفيديف ورئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 في احتفال أقيم في بلدة لوبمين الألمانية. وفي 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 افتُتح الخط الثاني للأنابيب في المشروع. ويبلغ طول الخط 1222 كيلومتراً، وبذلك يكون أطول خط أنابيب تحت البحر في العالم.
قبل ذلك، أي في العام 2011، بدأ البحث في إنشاء خطين آخرين تحت اسم «نورد ستريم 2»، بدفع من ازدياد الإقبال على استهلاك الغاز كبديل أقل كلفة وأخف تلويثاً من النفط. واستقر الرأي على توسيع المشروع ليصير قادراً على ضخ 110 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً.
وفي يونيو (حزيران) 2015 وُقّع اتفاق إنشاء «نورد ستريم 2» بين الشركات المعنية، وتأخر إعطاء السلطات الألمانية إذن البناء على أراضيها حتى يناير (كانون الثاني) 2018، لتبدأ الورشة في غرايفسفالد (مدينة صغيرة في شمال شرق ألمانيا) في مايو (أيار) من العام نفسه.
لم تتأخر واشنطن في التحرك لوقف المشروع باعتباره يشكل لموسكو أداة نفوذ واسع بالنظر إلى اعتماد ألمانيا وسواها من الدول الأوروبية كثيراً على الغاز الروسي.

*أبعاد استراتيجية
جهدت الولايات المتحدة كثيراً بعد انتصارها والحلفاء في الحرب العالمية الثانية لتعزز نفوذها وتَجبه المد الشيوعي – السوفياتي في القارة العجوز. فأنفقت لذلك الكثير من المال (مشروع مارشال)، وأنشأت جبهة سياسية عسكرية (حلف شمال الأطلسي)، وخاضت حرباً باردة طويلة مع العدوّ الآتي من أرض الصقيع.
بعد عقود جاء النصر عندما تفكك الاتحاد السوفياتي من الداخل، وانهارت جبهاته في شرق أوروبا لـ«تبتلعها» الولايات المتحدة الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت إلى أوكرانيا وجورجيا وسواهما، وباتت تدقّ على أبواب روسيا نفسها...
لكن ها هو الغاز يكسر الحصار عبر أنابيب تغذي الجوع الألماني إلى الطاقة. وبعد مرور المرحلة الأولى من مشروع «نورد ستريم»، وجدت واشنطن لزاماً عليها أن توقف المرحلة الثانية بكل ما أوتيت من نفوذ. وأدت الضغوط إلى تعليق شركة «أول سيز» الهولندية عملها في مد الأنابيب في البحر خشية العقوبات الأميركية.
وعُلّق العمل بالمشروع لنحو عام بعدما فرض الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أواخر 2019 عقوبات على الشركات العاملة فيه تشمل تهديد أصولها ومنع موظفيها من دخول الولايات المتحدة. غير أن العمل استؤنف في ديسمبر الماضي، وتبقى مسافة 75 كيلومتراً فقط لإنجازه.
حالياً بدأت الضغوط من داخل الاتحاد الأوروبي على برلين تتكثف لوقف المشروع على خلفية قضية المعارض أليكسي نافالني الذي اتُّهمت الاستخبارات الروسية بمحاولة قتله بالسم، والذي دخل السجن فور عودته إلى روسيا من رحلة علاجية في ألمانيا في يناير الماضي.
وترد الحكومة الألمانية على الضاغطين بالقول إن الجمع بين قضية نافالني والحصول على مادة حيوية كالغاز لا يستقيم، وإن الأولى تعالَج مع موسكو بأدوات أخرى. وقال المتحدث باسم الحكومة شتيفن زايبرت في هذا الصدد إن «موقف الحكومة الفيدرالية من مشروع نورد ستريم 2، وهو مشروع تجاري، لم يتغير».
مهما يكن من أمر يجب وضع خط عريض تحت البعد الاستراتيجي لهذه المسألة، فعلى سبيل المثال تشتري بولندا التي باتت حليفاً مقرباً من الولايات المتحدة وتستقبل آلاف الجنود الاميركيين على أراضيها، الغاز الأميركي على الرغم من أن الغاز الروسي على مرمى حجر منها.
ويفيد التذكير هنا بأن وزير الدفاع البولندي سابقاً رادوسلاف سيكورسكي شبّه مشروع الأنابيب عام 2006 بمعاهدة عدم الاعتداء للعام 1939 بين الاتحاد السوفياتي والمانيا النازية، المعروفة باسم «مولوتوف - ريبنتروب»!
وفي المقابل، تستفيد روسيا من المشروع بجعل عدد من دول أوروبا معتمدة عليها جذرياً في الحصول على الطاقة، بالإضافة إلى ما يدرّه الغاز من مال يغذّي الخزينة الروسية وبالتالي كل مشاريع توسيع نفوذ موسكو في الخارج.
تجدر الإشارة هنا، إلى أنه بعدما أكدت إدارة ترمب مراراً وتكراراً أن اعتماد أوروبا على الغاز الروسي أمر يقوّض أمن القارة ويضرّ بالمصالح الأميركية، جاءت إدارة جو بايدن لتنسج على منوال الموقف نفسه. فقد قال وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن، إن بايدن يتفق تماماً مع أعضاء الكونغرس على أن خط الأنابيب فكرة «سيئة».
لكن الأطراف المعنية في أوروبا وفي روسيا نفسها تنتظر الآن ما ستقوم به عملياً إدارة جو بايدن الذي حرص في مكالمته الهاتفية مع فلاديمير بوتين أخيراً على الظهور بمظهر الصارم الحازم، على عكس ما كان يبديه ترمب تجاه القيصر الروسي. غير أن بايدن لا يريد في الوقت نفسه إغضاب برلين، وهو الساعي إلى إصلاح ما تضرر من العلاقة معها أيام سلفه الذي انتقد ألمانيا مراراً ولم يخفِ مشاعره السلبية حيال المستشارة أنجيلا ميركل.
في النهاية سيكون من المثير للاهتمام مراقبة ما سيجري حول مشروع «نورد ستريم 2» بأبعاده الجيو اقتصادية، خصوصاً أن اكتماله وبدء العمل فيه سيجعلان شرايين الغاز الروسي ممتدة في القارة من جهات عدة («ترك ستريم» في الجنوب الأوروبي مثلا).
... قال السناتور ريتشارد لوغار (1932 – 2019) عام 2006 ، يوم كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، إن «السبب الأول لنزاع مسلح محتمل في المسرح الأوروبي والمناطق المحيطة سيكون ندرة الطاقة والتلاعب بمقدّراتها»...
الأميركيون يتمددون شرقاً فوق سطح الأرض باتجاه روسيا، والروس يعودون غرباً تحت سطح الأرض بواسطة أنابيب الطاقة. خطان لا يلتقيان، فهل يتصادمان؟


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، خلال معرض «إيجبس 2026» يوم الاثنين، المنعقد في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

قال رئيس مجلس إدارة شركة «بتروتشاينا»، عملاق النفط المملوك للدولة في الصين، يوم الاثنين، إن أعمال تكرير النفط والغاز الطبيعي في الشركة تعمل بشكل طبيعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاحنات وقود متوقفة على مدرج مطار أوكلاند في نيوزيلندا (رويترز)

نيوزيلندا تدرس تأمين إمدادات الوقود مع وكالة الطاقة الدولية

تدرس نيوزيلندا استخدام خياراتها لدى وكالة الطاقة الدولية، كضمانة ضد أي نقص محتمل في إمدادات الوقود مستقبلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».