جيش ميانمار يقبض على السلطة وسو تشي

«التعاون الإسلامي» تدعو إلى الحفاظ على أمن وسلامة «الروهينغا»

عربات لجيش ميانمار في العاصمة نايبيداو (أ.ب)
عربات لجيش ميانمار في العاصمة نايبيداو (أ.ب)
TT

جيش ميانمار يقبض على السلطة وسو تشي

عربات لجيش ميانمار في العاصمة نايبيداو (أ.ب)
عربات لجيش ميانمار في العاصمة نايبيداو (أ.ب)

منذ انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضية التي فازت فيها «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» التي تتزعمها أونغ سان سو تشي، يدلي جيش ميانمار بتصريحات عدت تنويهاً بما ينوي القيام به لقلب الموازين، وإرجاع البلاد إلى قبضة الحكم العسكري. وأمس، صدقت التوقعات، وقام الجيش بانقلاب، واعتقل سو تشي مع زعماء آخرين من حزبها، في مداهمات خلال الساعات الأولى من الصباح، الأمر الذي تمت إدانته من قبل قادة العالم.
واتخذت القوات مواقع في يانغون، حيث هرع السكان إلى الأسواق لتخزين المؤن، فيما اصطف آخرون أمام ماكينات الصرف الآلي لسحب نقود. وقامت البنوك لاحقاً بتعليق الخدمات بسبب ضعف الاتصال عبر الإنترنت. وأعلن الجيش، في بيان على محطة تلفزيونية تابعة له، أنه نفذ اعتقالات رداً على «تزوير الانتخابات»، وسلم السلطة لقائد الجيش مين أونغ هلاينغ، وفرض حالة الطوارئ لمدة عام.
وجاء تحرك الجيش قبل ساعات من موعد انعقاد البرلمان للمرة الأولى منذ الفوز الساحق لحزب الرابطة الوطنية في الانتخابات التي أجريت في نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي عدت بمثابة استفتاء على الحكم الديمقراطي الوليد لسو تشي التي طالبت الناس بالاحتجاج سلمياً على تحرك الجيش.
ويعطل الانقلاب مسار سنوات من الجهود المدعومة من الغرب لإرساء الديمقراطية في ميانمار التي كانت تعرف سابقاً باسم «بورما»، والتي تحظى فيها الصين بنفوذ قوي. وقال ميو نيونت، المتحدث باسم حزب الرابطة، لـ«رويترز» عبر الهاتف، إن سو تشي ورئيس ميانمار وين مينت وزعماء آخرين «اعتقلوا» في الساعات الأولى من الصباح. وتعطلت اتصالات الهاتف والإنترنت في العاصمة نايبيداو، ومدينة يانغون التجارية الرئيسية، وانقطع بث التلفزيون الرسمي بعد حملة الاعتقالات.
وفاز حزب سو كي بنسبة 80 في المائة من الأصوات في ثاني انتخابات فقط تجرى منذ أن وافق مجلس عسكري على تقاسم السلطة في 2011. ووصلت سو تشي إلى السلطة عقب فوز ساحق في انتخابات عام 2015، بعد خضوعها للإقامة الجبرية لعقود، وذلك في صراع من أجل الديمقراطية جعل منها أيقونة دولية.

وبعدما كانت منفية لوقت طويل في إنجلترا، عادت سان سو تشي (75 عاماً) إلى ميانمار في عام 1988، وأصبحت رمز المعارضة بوجه الديكتاتورية العسكرية. وأمضت 15 عاماً قيد الإقامة الجبرية، قبل أن يفرج عنها الجيش في 2010.
لكن مكانتها العالمية تضررت بعد فرار مئات الآلاف من الروهينغا بسبب عمليات عسكرية بإقليم راخين (غرب البلاد) في عام 2017، وصفت بأنها نموذج للتطهير العرقي، ورفضت سو تشي حينها إدانة الجيش على عملياتهم ضد الأقلية المسلمة. ورغم ذلك، لا تزال سو تشي، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، تحظى بشعبية كبيرة داخل البلاد.
ونقل بيان للرابطة من أجل الديمقراطية، كتب سلفاً ونشر على صفحتها على «فيسبوك»، عن سو تشي قولها إن هذه الإجراءات ستعيد ميانمار «إلى عهد الديكتاتورية». ونسب إليها القول: «أحث الناس على عدم قبول ذلك... والاحتجاج على الانقلاب العسكري». وكتبت أن الجيش يحاول «إغراق البلاد من جديد في ديكتاتورية عسكرية، متجاهلاً وباء (كوفيد-19)»، مطالبة الشعب بـ«الرد بصوت واحد».
وسيطر الجيش بعد ذلك على مبنى بلدية رانغون، عاصمة البلاد الاقتصادية، وقطع عسكريون الطريق المؤدي إلى المطار الدولي، على ما أفاد به صحافيون في وكالة الصحافة الفرنسية. وجالت عدة شاحنات في شوارع رانغون لمؤيدين للجيش كانوا يلوحون بالرايات ويرددون أناشيد وطنية. وقال الناشط الطلابي سي ثو تون: «كانت بلادنا طائراً يتعلم الطيران، والآن كسر الجيش أجنحتنا».
وخرجت ميانمار منذ 10 سنوات فقط من نظام عسكري سيطر على السلطة مدة نصف قرن. وآخر انقلابين شهدتهما البلاد منذ استقلالها يعودان إلى العامين 1962 و1988. ويتهم الجيش اللجنة الانتخابية بعدم معالجة «المخالفات الهائلة» التي حدثت، على حد قوله، خلال الانتخابات التشريعية. ويتحدث عن وجود 10 ملايين حالة تزوير في الانتخابات، ويريد التحقيق في الأمر. وبحسب بيان صادر عن الجيش، أصبحت السلطات «التشريعية والإدارية والقضائية» بيد مين أونغ هلينغ، فيما أصبح الجنرال ميينت سوي رئيساً مؤقتاً للبلاد.
وقال الخبير من معهد «لاوي» في أستراليا، إبرفيه لومايو، لوكالة الصحافة الفرنسية: «العلاقة بين الحكومة والعسكريين معقدة»، مضيفاً أن هذا «النظام الهجين غير استبدادي تماماً، ولا ديمقراطي تماماً، وقد انهار بفعل ثقل تلك التناقضات». ورأى مين زاو أو، من المعهد البورمي للسلام والأمن، أن البلاد «جهدت في السنوات العشر الماضية لتسريع الإصلاحات... وهذه انتكاسة كبيرة لعملية التحول الديمقراطي».
وقد أدانت أستراليا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وماليزيا وسنغافورة والولايات المتحدة الانقلاب في ميانمار. ودعت واشنطن فوراً إلى الإفراج عن قادة الرابطة الوطنية. وحذرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، في بيان، من أن الولايات المتحدة «ستتخذ إجراءات ضد المسؤولين» عن الانقلاب. وقالت وزيرة الخارجية الأسترالية، ماريز باين، من جهتها: «ندعو العسكريين إلى احترام دولة القانون، والإفراج فوراً عن كل القادة المدنيين وجميع الموقوفين بشكل غير شرعي».
وندد الأمين العام للأمم المتحدة بشدة بـ«التطورات التي تشكل ضربة قوية للإصلاحات الديمقراطية في بورما». وقال متحدث باسم الأمم المتحدة إن الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، يندد باحتجاز الزعماء السياسيين، ويحث الجيش على «احترام إرادة الشعب».
وقد يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة كانت مقررة سابقاً عن بورما بشكل طارئ، على أن يقدم موعدها إلى مطلع الأسبوع، نظراً للتطورات الأخيرة، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية دبلوماسي فضل عدم الكشف عن هويته.
وطالبت الصين جميع الأطراف باحترام الدستور ودعم الاستقرار. وقال رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، على «تويتر»: «أدين الانقلاب والسجن غير القانوني للمدنيين، بمن فيهم أونغ سان سو تشي، في ميانمار». وأضاف أنه «يجب احترام إرادة الشعب، وإطلاق سراح الزعماء المدنيين».
وقال رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، إنه يجب إطلاق سراح جميع الأشخاص الذين اعتقلوا في المداهمات التي أجريت في أنحاء البلاد. وأكد وزير الخارجية الياباني، توشيمتسو موتيجي، أن طوكيو تدعم بقوة الديمقراطية في ميانمار، وتعارض أي تراجع عن هذه العملية.
ومن مقرها في مدينة جدة بالسعودية، جددت «منظمة التعاون الإسلامي» موقفها الثابت الداعم لشعب «الروهينغا» المسلم، ودعوتها إلى تأمين سلامته وأمنه، والاعتراف بحقوقه الأساسية «بما في ذلك حق المواطنة الكاملة، وتهيئة الظروف المواتية لعودة طوعية آمنة كريمة مستدامة لجميع اللاجئين والنازحين داخلياً من الروهينغا».
وأكدت المنظمة الإسلامية أنها تتابع من كثب التقارير الواردة عن التطورات الجارية في ميانمار، داعية المجتمع الدولي إلى تقديم مزيد من الدعم لمختلف الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة والمساءلة لصالح الروهينغا، والوقف الفوري لمختلف أشكال العنف ضدهم.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended