أحلام اليقظة تمنح الإنسان الحرية في زمن الوباء

الخيال يعزز التفاؤل لاجتياز محن الحياة

أحلام اليقظة تمنح الإنسان الحرية في زمن الوباء
TT

أحلام اليقظة تمنح الإنسان الحرية في زمن الوباء

أحلام اليقظة تمنح الإنسان الحرية في زمن الوباء

يملك تيدي جونسون رؤية واضحة لما سيفعله يوم «تنتهي» الجائحة... مهما كان شكل وتوقيت ذلك اليوم.
يأمل جونسون أن يكون هذا اليوم مشمساً ودافئاً كبداية الصيف، ويتخيل سماع أغنية «أريد أن أرقص مع أحد يحبني» (آي وانا دانس وذ سامبادي - هو لوفز مي) للمطربة الراحلة ويتني هيوستن في كل مكان في شوارع مدينة نيويورك التي يعيش فيها.
الخيال والتفاؤل
لا تزال نهاية الشتاء بعيدة، وأرقام مرضى ووفيات «كورونا» لا تزال مرتفعة، فضلاً عن ظهور سلالة جديدة متحورة سريعة العدوى، لذا يحتاج الناس إلى التطلع قدماً والتفكير بالحفلات التي سيقيمونها، والأحضان التي سيمنحونها، ويتلقونها، والمحادثات التي سيستمتعون بها، والرحلات التي سيستأنفونها بعد العودة إلى بر الأمان.
يرى مارتن سيليغمان، أستاذ علم النفس في جامعة بنسيلفانيا ومدير مركز علم النفس الإيجابي التابع لها، أن «أهم ما في الخيال هو أنه يُشعر الإنسان بالتفاؤل».
يكرس سيليغمان عمله لدراسة ما يسمى «الوكالة البشرية» التي يتم التنبؤ بها (لدى أي إنسان) بناءً على الفاعلية والتفاؤل والخيال التي يتمتع بها. (مفهوم «الوكالة البشرية» - فلسفي، يعكس ما يوجد لدى الفرد من خيارات ذاتية ومن قدرات يمكنها أن تؤثر في ظروف حياته وفي فرصه المتاحة - المحرر).
وعندما كان سيليغمان يرأس جمعية علم النفس الأميركية عام 1998، دافع عن توجهات الابتعاد «عن التركيز على المشاكل والاهتمام بما يجعل لحياة الإنسان قيمة».
يعتبر سيليغمان أن الساعات التي يمضيها الناس وهم يفكرون ويحلمون بالخطط المستقبلية قيمة، لأنها تتيح لهم الهرب من الروتين، وتعزيز الأمل والمرونة في مواجهة المصاعب.
يساعد الخيال الناس أيضاً على عيش «حياة جيدة» تتأثر كثيراً، حسب ما يقوله، بالتفكير الإيجابي والعواطف والارتباط والعلاقات والمعنى والإنجازات، أو ما يُعرف بـ«بيرما» (PERMA) - «بيرما» هو اختصار لنموذج الرفاهية والسعادة الذي قدمه سيليغمان.
مهارة تخيل المستقبل
يقول سيليغمان إن «تخيل المستقبل يعد مهارة تُسمى (البحث). تخضع هذه المهارة لمجموعة من الدوائر الدماغية التي تعارض الزمان والمكان، وتدفع الإنسان إلى تخيل أشياء جيدة وبعيدة عن المكان والزمان الحاليين. تعتمد المرونة في تخيل المستقبل على المعيار التالي: ما هي درجة براعتكم في البحث؟».
تقول غابرييلا أغيلار (27 عاماً)، أم لولدين ومديرة متجر «إتسي شوب» للمنتجات المنزلية الصنع، إن أكثر شيء تتطلع إليه في المستقبل هو اصطحاب طفليها إلى حديقة للعب.
أما إيماني بوكوم (29 عاماً) التي تعمل مدرسة في العاصمة واشنطن، فتحلم بالسفر في رحلة إلى جمهورية الدومينيكان للقاء طلاب علمتهم قبل سبع سنوات، وسيتخرجون من المدرسة في الربيع المقبل. بدوره، يحلم جوردان فيرستمان، كاتب تلفزيوني عمل مع بعض المشاهير الذين أدوا أدواراً تمثيلية على «إنستغرام» هذا العام، بيوم يبدأه بفطور مع عشرين شخصاً في مطعم مقفل، ويتبعه عشاء وعرض مسرحي حي واحتفال في نادٍ ليلي يمتد حتى السادسة صباحاً.
تشبه هذه الأحلام التي تعتبر عظيمة اليوم أحلاماً أخرى بسيطة كموعدٍ غرامي وحفل كوكتيل والقدرة على التقاط أحاديث الآخرين من جديد، وهي جميعها تعبر عن حاجة بشرية قوية للتواصل. يرى ديردري باريت، عالم النفس المحاضر في كلية الطب في جامعة هارفارد، أن «الناس يحلمون بما يفتقدون إليه اليوم. تلعبُ أحلام اليقظة هذه دور البديل الذي يمنحهم بعضاً من متعة التجربة الحقيقية».
التمسك بالأمل
في أيامنا هذه، نرى أشخاصاً كثراً خسروا عزيزاً وآخرين يناضلون لتسديد فواتيرهم وتأمين قوت عائلاتهم والحفاظ على منازلهم، لذا، فإن الحلم بأوقات أفضل ليس أمراً مسلماً به للجميع.
تقول بيغ أوكونور، أستاذة الأخلاقيات في جامعة «غوستافوس أدولفوس» في مينيسوتا، إن «الناس ينسون أن الخيال ليس محصوراً بالأشياء الإيجابية. إن النظر إلى الخيال دائماً على أنه شيء إيجابي أمرٌ خطر، حيث إن الكثير من الناس لا يستطيعون تخيل أمور جيدة ومفرحة وباعثة للأمل، لأنهم غير قادرين على ذلك، أو لأن حياتهم كانت مليئة بالمصاعب، لدرجة أنهم يرون في الخيال الإيجابي نوعاً من التهور أو الحماقة».
لقي هذا الرأي دعماً من الطبيبة النفسية أبريل توري، المتخصصة بالعمل مع الأطفال والمراهقين في مركز «ميمونيدز الطبي» في بروكلين، نيويورك.
تشرح توري أن «هذا الأمر لا يعد من العوارض الأساسية للاكتئاب، إلا أن غياب الشعور بالأمل عارض شائعٌ في هذه الحالات. ولكن التفكير بالمستقبل أو الخيال والإيمان بأن شيئاً أفضل سيحصل أمرٌ ضروري لاجتياز الأوقات العصيبة».
بدورها، تؤكد أوكونور على أن التمسك بالأمل، ولو في مسألة عادية وبسيطة، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً، لافتة إلى أنها شخصياً لا تحلم بالسفر مثلاً، بل تتوق لتحتضن والدتها.
* خدمة «نيويورك تايمز» نيويورك: تاريرو مزيزيوا *

يملك تيدي جونسون رؤية واضحة لما سيفعله يوم «تنتهي» الجائحة... مهما كان شكل وتوقيت ذلك اليوم.
يأمل جونسون أن يكون هذا اليوم مشمساً ودافئاً كبداية الصيف، ويتخيل سماع أغنية «أريد أن أرقص مع أحد يحبني» (آي وانا دانس وذ سامبادي - هو لوفز مي) للمطربة الراحلة ويتني هيوستن في كل مكان في شوارع مدينة نيويورك التي يعيش فيها.
الخيال والتفاؤل
لا تزال نهاية الشتاء بعيدة، وأرقام مرضى ووفيات «كورونا» لا تزال مرتفعة، فضلاً عن ظهور سلالة جديدة متحورة سريعة العدوى، لذا يحتاج الناس إلى التطلع قدماً والتفكير بالحفلات التي سيقيمونها، والأحضان التي سيمنحونها، ويتلقونها، والمحادثات التي سيستمتعون بها، والرحلات التي سيستأنفونها بعد العودة إلى بر الأمان.
يرى مارتن سيليغمان، أستاذ علم النفس في جامعة بنسيلفانيا ومدير مركز علم النفس الإيجابي التابع لها، أن «أهم ما في الخيال هو أنه يُشعر الإنسان بالتفاؤل».
يكرس سيليغمان عمله لدراسة ما يسمى «الوكالة البشرية» التي يتم التنبؤ بها (لدى أي إنسان) بناءً على الفاعلية والتفاؤل والخيال التي يتمتع بها. (مفهوم «الوكالة البشرية» - فلسفي، يعكس ما يوجد لدى الفرد من خيارات ذاتية ومن قدرات يمكنها أن تؤثر في ظروف حياته وفي فرصه المتاحة - المحرر).
وعندما كان سيليغمان يرأس جمعية علم النفس الأميركية عام 1998، دافع عن توجهات الابتعاد «عن التركيز على المشاكل والاهتمام بما يجعل لحياة الإنسان قيمة».
يعتبر سيليغمان أن الساعات التي يمضيها الناس وهم يفكرون ويحلمون بالخطط المستقبلية قيمة، لأنها تتيح لهم الهرب من الروتين، وتعزيز الأمل والمرونة في مواجهة المصاعب.
يساعد الخيال الناس أيضاً على عيش «حياة جيدة» تتأثر كثيراً، حسب ما يقوله، بالتفكير الإيجابي والعواطف والارتباط والعلاقات والمعنى والإنجازات، أو ما يُعرف بـ«بيرما» (PERMA) - «بيرما» هو اختصار لنموذج الرفاهية والسعادة الذي قدمه سيليغمان.
مهارة تخيل المستقبل
يقول سيليغمان إن «تخيل المستقبل يعد مهارة تُسمى (البحث). تخضع هذه المهارة لمجموعة من الدوائر الدماغية التي تعارض الزمان والمكان، وتدفع الإنسان إلى تخيل أشياء جيدة وبعيدة عن المكان والزمان الحاليين. تعتمد المرونة في تخيل المستقبل على المعيار التالي: ما هي درجة براعتكم في البحث؟».
تقول غابرييلا أغيلار (27 عاماً)، أم لولدين ومديرة متجر «إتسي شوب» للمنتجات المنزلية الصنع، إن أكثر شيء تتطلع إليه في المستقبل هو اصطحاب طفليها إلى حديقة للعب.
أما إيماني بوكوم (29 عاماً) التي تعمل مدرسة في العاصمة واشنطن، فتحلم بالسفر في رحلة إلى جمهورية الدومينيكان للقاء طلاب علمتهم قبل سبع سنوات، وسيتخرجون من المدرسة في الربيع المقبل. بدوره، يحلم جوردان فيرستمان، كاتب تلفزيوني عمل مع بعض المشاهير الذين أدوا أدواراً تمثيلية على «إنستغرام» هذا العام، بيوم يبدأه بفطور مع عشرين شخصاً في مطعم مقفل، ويتبعه عشاء وعرض مسرحي حي واحتفال في نادٍ ليلي يمتد حتى السادسة صباحاً.
تشبه هذه الأحلام التي تعتبر عظيمة اليوم أحلاماً أخرى بسيطة كموعدٍ غرامي وحفل كوكتيل والقدرة على التقاط أحاديث الآخرين من جديد، وهي جميعها تعبر عن حاجة بشرية قوية للتواصل. يرى ديردري باريت، عالم النفس المحاضر في كلية الطب في جامعة هارفارد، أن «الناس يحلمون بما يفتقدون إليه اليوم. تلعبُ أحلام اليقظة هذه دور البديل الذي يمنحهم بعضاً من متعة التجربة الحقيقية».
التمسك بالأمل
في أيامنا هذه، نرى أشخاصاً كثراً خسروا عزيزاً وآخرين يناضلون لتسديد فواتيرهم وتأمين قوت عائلاتهم والحفاظ على منازلهم، لذا، فإن الحلم بأوقات أفضل ليس أمراً مسلماً به للجميع.
تقول بيغ أوكونور، أستاذة الأخلاقيات في جامعة «غوستافوس أدولفوس» في مينيسوتا، إن «الناس ينسون أن الخيال ليس محصوراً بالأشياء الإيجابية. إن النظر إلى الخيال دائماً على أنه شيء إيجابي أمرٌ خطر، حيث إن الكثير من الناس لا يستطيعون تخيل أمور جيدة ومفرحة وباعثة للأمل، لأنهم غير قادرين على ذلك، أو لأن حياتهم كانت مليئة بالمصاعب، لدرجة أنهم يرون في الخيال الإيجابي نوعاً من التهور أو الحماقة».
لقي هذا الرأي دعماً من الطبيبة النفسية أبريل توري، المتخصصة بالعمل مع الأطفال والمراهقين في مركز «ميمونيدز الطبي» في بروكلين، نيويورك.
تشرح توري أن «هذا الأمر لا يعد من العوارض الأساسية للاكتئاب، إلا أن غياب الشعور بالأمل عارض شائعٌ في هذه الحالات. ولكن التفكير بالمستقبل أو الخيال والإيمان بأن شيئاً أفضل سيحصل أمرٌ ضروري لاجتياز الأوقات العصيبة».
بدورها، تؤكد أوكونور على أن التمسك بالأمل، ولو في مسألة عادية وبسيطة، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً، لافتة إلى أنها شخصياً لا تحلم بالسفر مثلاً، بل تتوق لتحتضن والدتها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
TT

حين يصمت الذكاء الاصطناعي… ماذا يبقى من مهاراتنا؟

الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟
الذكاء الاصطناعي قد يحسّن الإجابة... لكن هل يحسّن التعلّم؟

أظهرت نتائج دراسة أميركية أن أداء الطلاب في حلّ مسائل الرياضيات تحسّن بمساعدة الذكاء الاصطناعي. لكن المفاجأة ظهرت عندما خاضوا الاختبار وحدهم؛ إذ حصل مستخدمو إحدى نسخ الأدوات الذكية على درجات أقل من زملائهم الذين تدربوا من دونها. كانت المساعدة ترفع مستوى الإجابات، لكنها لم تبنِ القدرة نفسها لدى أصحابها.

وكشفت هذه المفارقة دراسة نشرتها دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» الأميركية (PNAS) عام 2025. وتطرح نتيجتها سؤالاً يتجاوز قاعات الدراسة إلى العيادات ومكاتب العمل: ماذا نكسب عندما تفكر الآلة معنا؟ وماذا قد نفقد حين تفكر بدلاً منا؟

إن الإجابة الصحيحة على الشاشة لا تعني بالضرورة أن مستخدمها تعلّم كيف يصل إليها. وهكذا بين إنجاز المهمة واكتساب مهارتها، يكمن التحدي الذي قد تخفيه سهولة الحصول على الحل.

المساعدة الذكية: هل ترشدنا إلى الحل أم تسلك الطريق نيابة عنا؟

توجيه التفكير أفضل من تقديم الحلول

في تلك الدراسة، اختبر باحثون، بينهم همسا بستاني من جامعة بنسلفانيا، مساعداً يعتمد على «GPT-4» في تجربة عشوائية شملت قرابة ألف طالب في مدرسة ثانوية بتركيا. وقارنوا نسختين: أساسية تشبه أدوات المحادثة، وتعليمية مصممة لتوجيه التفكير بدلاً من تقديم الحل.

وقد تحسّن أداء المجموعتين في أثناء التدريب. لكن عندما خاض الطلاب الاختبار دون مساعدة، جاءت درجات مستخدمي النسخة الأساسية أقل بنسبة 17 في المائة من درجات زملائهم الذين تدربوا دونها.

ومع النسخة التعليمية، اختفى الأثر السلبي تقريباً دون تفوق مثبت على المجموعة التي لم تستخدم الأداة. فالنتيجة تربط التعلم بطريقة تصميم المساعدة، ولا تثبت أن الذكاء الاصطناعي يضعف القدرات حتماً. كما أنها تخص تجربة محددة، ولا تقيس الذكاء العام أو تثبت فقداناً دائماً للمهارات.

إشارة من غرفة المناظير

ماذا يحدث لمهارة الطبيب عندما يعتاد استخدام المساعدة الذكية ثم يعمل دونها؟ اختبر باحثون هذا السؤال مع أدوات تحلل صور منظار القولون لتنبيه الطبيب إلى زوائد مشتبه بها، وتختلف عن برامج تجيب عن الأسئلة، مثل «تشات جي بي تي».

نشرت مجلة «لانسيت لأمراض الجهاز الهضمي والكبد» (The Lancet Gastroenterology & Hepatology) الدراسة عام 2025. وشملت فحوص 1443 مريضاً في أربعة مراكز بولندية، وقارنت الفحوص المنجزة دون مساعدة آلية خلال ثلاثة أشهر قبل إدخال التقنية وثلاثة أشهر بعده.

وقد انخفض معدل اكتشاف زوائد القولون التي قد يتحول بعضها إلى سرطان من 28.4 إلى 22.4 في المائة، بفارق ست نقاط مئوية.

لكن الباحثين راجعوا بيانات فحوص سابقة، فلا يمكن الجزم بأن التقنية سبّبت التراجع، إذ قد تؤثر اختلافات المرضى وظروف العمل. وتبقى النتيجة سبباً لدراسة مهارة الطبيب عند غياب المساعدة، وليست دليلاً حاسماً على فقدانها.

مساعدة تنجح... وأخرى تخلق مشكلة

وفي بيئة العمل، يناقش تقرير لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) مفارقة مشابهة: قد تنجز التقنية المهمة بنجاح، في حين يفقد الموظف فرصة تعلّمها. وصدر التقرير في أبريل (نيسان) 2026، وعرضه موقع كلية سلون للإدارة بالمعهد في سبتمبر (أيلول) 2026.

استند التقرير إلى بحث في أكثر من عشرين شركة، وحدد ثلاث مشكلات: تجاهل التقنية عندما تكون مفيدة، واستخدامها في مهام لا تجيدها، والاعتماد عليها بطريقة تنجز العمل، لكنها تقلّل فرص اكتساب الخبرة.

إن الموظف الذي يحصل على تحليل جاهز قد لا يتعلم كيف يبنيه أو يراجع منطقه. ومن يستغني دائماً عن سؤال زملائه قد يفقد فرصة الاستفادة من خبراتهم. ولكن هذه الملاحظات لا تثبت تراجعاً دائماً في القدرات، إلا أنها تدعونا إلى قياس ما يتجاوز سرعة الإنجاز: هل تساعد الأداة الموظف على فهم عمله أم تكتفي بأدائه عنه؟

المعرفة التي لا تظهر في الإجابة

لنتخيل طبيباً مقيماً يعرض حالة على استشاري. يقترح تشخيصاً، فيسأله الاستشاري عن دواء يتناوله المريض أو عرض لم ينتبه إليه. وقد تغيّر هذه المعلومة اتجاه النقاش. هنا يتعلم الطبيب كيف يراجع رأيه، ولماذا يرجّح احتمالاً على آخر. فقد نأخذ الإجابة من غيرنا، لكننا لا نكتسب الفهم إلا حين نعرف لماذا كانت هي الإجابة.

أما الحصول على تشخيص جاهز فقد يختصر الوقت، لكنه قد يتجاوز الخطوات التي يتعلم منها الطبيب. وهذا لا يعني أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي تُضعف مهارته بالضرورة؛ إذ يمكن استخدام الأداة لطرح أسئلة، ومقارنة احتمالات، ومساعدته على اكتشاف ما أغفله.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد مرات استخدام التقنية، بل عن طريقة استخدامها: هل تقدم الإجابة قبل أن يحاول الطبيب التفكير أم تناقش محاولته وتساعده على تحسينها؟ وهل يستطيع شرح سبب اقتناعه بالنتيجة أم يقبلها لمجرد أن النظام اقترحها؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في التفكير الطبي

كيف نصمم مساعدة تترك أثراً؟

كيف نجعل الأداة تساعد على التعلّم؟ يمكن أن تبدأ بسؤال المستخدم عن محاولته، ثم تقدم تلميحاً، أو تطلب منه شرح سبب اختياره. بهذه الطريقة تصبح الإجابة خطوة في النقاش، ويظل المتعلّم مشاركاً في الوصول إليها.

وفي تدريب الأطباء، يمكن اختبار هذا الأسلوب باستخدام حالات افتراضية تحت إشراف المدرّبين: يضع الطبيب تقديره أولاً، ثم يناقش اقتراح الأداة ويشرح مواضع الاتفاق والاختلاف. ويُقاس نجاح التدريب بقدرته على تفسير قراره واكتشاف الخطأ. أما التعامل مع المرضى فيبقى محكوماً بسلامتهم والتقييم الطبي.

هذه أساليب تستحق الاختبار، ولم تثبت فائدتها في جميع التخصصات. لكن تجربة الطلاب أظهرت أن طريقة تقديم المساعدة قد تغيّر أثرها على التعلّم.

والمطلوب ليس أن يحفظ الإنسان كل ما تعرفه الآلة، بل أن يفهم ما يكفي لمراجعتها: هل أجابت عن السؤال؟ هل أغفلت معلومة مهمة؟ وما الذي قد يغيّر النتيجة؟ عندئذ تصبح المراجعة البشرية فحصاً واعياً للإجابة، بدلاً من الموافقة عليها دون تمحيص.

حين تُغلق الشاشة... هل تبقى المهارة؟

ماذا يبقى حين تُغلق الشاشة؟

كلما أصبحت إجابات الذكاء الاصطناعي أكثر إقناعاً، احتجنا إلى إنسان يفهمها ويستطيع مساءلتها. وهذه القدرة تُكتسب بالممارسة؛ فمن نطالبه باكتشاف خطأ الآلة يحتاج إلى فرص يتعلّم فيها كيف يصل إلى الإجابة ويختبر صحتها.

لذلك ينبغي أن نقيس نجاح التقنية بما ننجزه بمساعدتها، وبما نتعلّمه في أثناء استخدامها أيضاً. قد ينتهي الواجب، ويكتمل التقرير، وتظهر التوصية على الشاشة. لكن يبقى اختبار آخر: عندما نغلقها ونواجه مسألة جديدة، هل نكون أقدر على التفكير، أم أشد حاجة إلى فتحها من جديد؟


هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟
TT

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

هل يستطيع علماء الوراثة مكافحة الأمراض باستهداف «التنشئة» بدلاً من «الوراثة»؟

​إن أحد أروع دورات الحياة تتمثل في حقيقة أن كل طفل يولد صغيراً. لذا، ومهما تراكمت آثار الزمن على الحمض النووي لوالديه عبر حياتهما، فإن عملية التكاثر تمحو تلك الآثار الجزيئية، ما يمنح الجيل التالي صفحة بيضاء، كما كتبت إميلي بومغارتنر نون*.

والآن، يهدف مجال جديد في التكنولوجيا الحيوية إلى تسخير هذه الآلية الطبيعية لتحقيق ما كان يُعتقد سابقاً أنه مستحيل: إزالة المخلفات البيولوجية لماضينا. فمن خلال محاكاة هذه الآلية الطبيعية، يعمل علماء الوراثة على فتح آفاق جديدة لعلاج الأمراض أو الوقاية منها في مراحل لاحقة من العمر. ولا يتم ذلك عن طريق تعديل الجينات نفسها؛ بل عن طريق تغيير زمان ومكان وكيفية التعبير الجيني.

«الإبيجينوم» أو «ما فوق الجينوم»... تراكم تأثيرات العوامل الخارجية على الجينات المتوارثة من الوالدين

«الإبيجينوم»- «ما فوق الجينوم»

كل هذا ممكن بفضل الإبيجينوم (Epigenome)، وهو شبكة من العلامات الكيميائية المنتشرة في جميع أنحاء الجسم، والتي ترتبط بالحمض النووي، وتحدد لكل نوع من الخلايا كيفية التصرف.

وإذا شبَّهنا الحمض النووي للشخص بكونه سلسلة من النوتات الموسيقية، فإن الإبيجينوم هو مجموعة علامات يضعها قلم قائد الأوركسترا على النوتات. وهي علامات تتراكم عبر الزمن، تشير إلى النوتات التي يجب عزفها بصوت أعلى أو أخفض أو حتى تخطيها تماماً.

عوامل خارجية تؤثر على الجينات

وعلى عكس الجينوم الثابت، فإن الإبيجينوم يتغير استجابة لعوامل خارجية كالإجهاد المزمن، وسوء التغذية، والتعرض للسموم أو العدوى، والشيخوخة. وعلى سبيل المثال، قد تزيد خلايا الدم لدى طفل يتعرض للتدخين السلبي من نشاط الجينات المحفزة للالتهاب، وتُقلل من نشاط الجينات المسؤولة عن إصلاح الخلايا، ما يزيد من خطر إصابة الطفل على المدى الطويل بالربو وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.

من تعديل الجينات إلى تعديل «فوق الجينات»

تستطيع أدوات تعديل الجينات الحالية إعادة كتابة الشفرة الوراثية التي تُحدد «طبيعتنا» بشكل دائم. أما النهج الجديد، المسمى بتعديل الإبيجينوم، فيسعى إلى تعديل تراكم «العوامل البيئية» في خلايانا.

وقال فيودور أورنوف، خبير تعديل الجينات ومدير البحوث والتطوير العلاجي في معهد الجينوميات المبتكرة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي: «لا شك في أن تعرُّضنا لعوامل بيئية يؤثر على وظائف جيناتنا». وهو أحد مؤسسي شركة «تيون ثيرابيوتكس»، التي تُجري تجارب سريرية على أداة لتعديل الإبيجينوم لعلاج التهاب الكبد الوبائي المزمن من النوع «بي» في الكبد.

علاج التهاب الكبد «بي»

يعمل العلاج عن طريق تثبيط الحمض النووي للفيروس داخل خلايا الكبد، ما يمنعه من إنتاج البروتينات التي تُثبط جهاز المناعة، ويُمكِّن الجسم من التخلص من العدوى نهائياً.

وأضاف أورنوف: «تتعلم جيناتنا من خلال التجربة، وهذا ما يُعرف بالتنشئة. لذا، يُعد تعديل الإبيجينوم وسيلة لعكس تأثير التنشئة.

وتُجري 12 شركة على الأقل حالياً تجارب على هذه التقنية، وقد بدأت شركات عدة بالفعل تجاربها السريرية. وفي مايو (أيار)، نشرت «تيون ثيرابيوتكس» بيانات أولية تُظهر أن الجرعات العالية من دوائها تُقلل بشكل ملحوظ من مؤشرات التهاب الكبد الوبائي من النوع «بي» لدى بعض المشاركين.

تعديل أفضل من قصِّ الجينات

يُعدُّ تعديل الإبيجينوم مناسباً بشكلٍ فريدٍ للحالات التي لا يرغب فيها الأطباء في تعطيل جينٍ ما أو حذفه من الجينوم بالكامل؛ بل يهدفون إلى ضبط تعبيره بالزيادة أو النقصان المناسبين. لنأخذ على سبيل المثال الأشخاص الذين يعانون من ألمٍ مزمن، والذين يحتاجون إلى خفض مستوى الألم بشكلٍ كبير، ولكن ليس إيقافه تماماً. فالانعدام التام للإحساس بالألم يُعرِّض هؤلاء الأشخاص لخطر الإصابة بأضرارٍ جسيمة؛ إذ قد لا يلاحظون الكسور أو الحروق العميقة. ويقول أورنوف: «إننا نريد مستوى مثالياً من سلوك الجين: لا زيادة ولا نقصاناً؛ بل المستوى المناسب تماماً».

بديل أكثر أماناً

كان تعديل الجينات باستخدام تقنية «كريسبر»، التي تقصُّ الحمض النووي نفسه، مقتصراً في الغالب على الاضطرابات الخطيرة، مثل فقر الدم المنجلي؛ لأن مخاطر الخطأ -كحذف جزءٍ حيوي من الجين عن طريق الخطأ- غالباً ما تفوق فوائده. وقد بدأت بعض المجموعات البحثية بتجربة أدواتٍ تعتمد على «كريسبر» لعلاج حالاتٍ شائعة مثل ارتفاع الكوليسترول، ولكن خيار تعديل الإبيجينوم قد يُوفِّر بديلاً أكثر أماناً. ومثلاً وبدلاً من تناول الستاتينات يومياً، قد يتمكن بعض المرضى قريباً من تلقي حقنة واحدة من شركة «سكرايب ثيرابيوتكس»، تعمل على تثبيط جين في الكبد يُدمر المستقبلات المسؤولة عن إزالة الكوليسترول الضار (LDL)، ما يُقلل بشكل كبير من خطر إصابتهم بأمراض القلب.

ويقول جوناثان وايزمان، عالم الأحياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «إن كروما بايو»، وهي شركة أخرى متخصصة في العلاجات الجينية، وتعمل على علاج التهاب الكبد الوبائي المزمن من النوع «بي»: «هذا أشبه بالعلاج الأمثل الذي يُجرى بجرعة واحدة».

استخدامات غير طبية

ونظراً لأن تعديل الإبيجينوم يبدو آمناً وقابلاً للعكس حتى الآن. ويتساءل بعض العلماء عما إذا كانت هذه التقنية ستُستخدم في مجالات غير طبية، وأخرى تجميلية. وقال وايزمان إن التعديل قد يُعزز مستويات هرمون النمو لزيادة طول الطفل، أو لتحفيز نمو مزيد من الخلايا في القشرة الدماغية، ما يُحسِّن الذاكرة أو الذكاء. كما تصوِّر استخدام الرياضيين المحترفين لهذه التقنية لرفع مستويات الهرمونات الطبيعية مؤقتاً، ما قد يمنحهم ميزة تنافسية.

وأضاف: «لا أعتقد أننا نملك المعرفة الكافية لتطبيق ذلك حالياً، ولكنه ليس بعيداً عما يُمكن تصوره». ومع ذلك، أضاف: «أميل إلى الاعتقاد بأن هناك كثيراً من الفوائد التي يُمكننا تحقيقها قبل أن نبدأ القلق بشأن السلبيات».

آثار أخلاقية «غير ضارة»

أما هانك غريلي، أستاذ القانون في جامعة ستانفورد والمتخصص في الآثار الأخلاقية للتقنيات الحيوية الجديدة، فلا يُبدي قلقاً كبيراً بشأن مستقبل تعديل الإبيجينوم، باستثناء مسائل السلامة والفعالية وإمكانات إتاحته للآخرين. ويرى أن الأدوات قد تكون جديدة، ولكن فكرة تعديل الإبيجينوم ليست جديدة بحد ذاتها.

وقال غريلي: «إننا نُعدّل البيئة باستمرار»، بدءاً من تناول دواء «أوزمبيك» وصولاً إلى قراءة كتب التنمية الذاتية، على أمل التأثير في نقطة التقاء البيئة والبيولوجيا. وأضاف: «الآن، وبعد أن أصبحنا ننظر مباشرة إلى علم التخلق (epigenetics)، يبدو الأمر مختلفاً، ولكننا في الواقع نرى ما كان كامناً طوال الوقت». ويدرس علم «فوق الجينات» أو «علم التخلّق» (Epigenetics) الظواهر الناتجة عن التأثيرات الخارجية على الجينات، وفق «ويكيبيديا».

* خدمة «نيويورك تايمز».


كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟
TT

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

اعتُبر، في لغة شركات التكنولوجيا، «مستخدماً مكثفاً» لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي»، و«كلود». ولكن ما مدى استخدامي لهذه الأدوات؟ لنقلها بعبارة أخرى: إذا تعطل «تشات جي بي تي» لبضع ساعات، تتوقف إنتاجيتي تماماً، وأجد نفسي واقفاً بلا هدف في فناء منزلي، ولا أتمكن من إنجاز أي عمل ذي قيمة.

بين الدردشة والعمل

تعمل شركة «أوبن إيه آي» باستمرار على تعديل واجهة «تشات جي بي تي»، لكن أحد التغييرات الأخيرة كان له تأثير كبير بشكل خاص؛ إذ تطلب الشركة الآن من المستخدمين الاختيار بين وضعي «المحادثة، أو الدردشة» (Chat) و«العمل» (Work) عند استخدام النسخ المدفوعة من الروبوت. وقد يؤدي اختيار الإعداد الخاطئ إلى عرقلة مشروع بأكمله، أو على الأقل حرمانك من بعض أقوى وظائف «تشات جي بي تي».

ما هي الفروق بين الوظيفتين؟

بصفتي مستخدماً مكثفاً (وربما أصبحت مدمناً) لـ«تشات جي بي تي»، يمكنني توضيح الفروق بين وضعي «الدردشة» و«العمل»، واستعراض أفضل الطرق التي وجدتها للاختيار بينهما.

* وضع «الدردشة» - «شخصية إبداعية» مخصصة للمعلومات. صُمم وضع «الدردشة» في «تشات جي بي تي» للحالات التي تحتاج فيها إلى معلومات. عند اختيار هذا الوضع يتحول الروبوت إلى نمط المحادثة، ما يجعله مثالياً لمهام مثل البحث، والعصف الذهني.

في وضع «الدردشة»، يميل الروبوت إلى أن يكون أكثر تعاوناً، وودية؛ فهو موجود للعمل جنباً إلى جنب معك، أو ربما للإجابة عن أسئلتك الملحة، مثل: هل يُسمح باستخدام الهواتف أثناء أداء واجب هيئة المحلفين؟ أو هل دخل حيوان الراكون في المرأب الخاص بي؟ (وهما سؤالان حقيقيان طرحتهما مؤخراً على وضع الدردشة).

ولهذا الغرض يميل «تشات جي بي تي» في وضع «الدردشة» إلى توجيهك نحو المصادر والمعلومات بدلاً من إنجاز المهام نيابةً عنك.

ومن الناحية التقنية (خلف الكواليس)، غالباً ما يستخدم وضع «الدردشة» إصدارات أقل قوة قليلاً من نماذج «أوبن إيه آي» الأكثر تطوراً (نماذج الحدود القصوى للقدرات). وهذا يعني أن وضع «الدردشة» سيستهلك عادةً حصص الاستخدام الخاصة بك بوتيرة أبطأ مقارنة بوضع «العمل (Work)»، كما أنه يستجيب -على الأرجح- بشكل أسرع للاستفسارات التي لا تتطلب تفكيراً عميقاً؛ إذ لا أحد يرغب في الانتظار سبع دقائق للحصول على رد عند طرح سؤال بسيط.

ومن المؤشرات التقنية البارزة حقيقة أن «تشات جي بي تي» يُدرج ما يُعرف بمعلمات «UTM» (وهي وسوم لتتبع المصدر) ضمن الروابط الصادرة التي يعرضها في وضع الدردشة. وتساعد هذه البيانات التتبعية غير المرئية مواقع الطرف الثالث على معرفة متى يتلقون زيارة (نقرة) من مستخدم للبوت.

ويشير إدراج هذه المعلمات إلى أن «أوبن إيه آي» تتوقع منك -في وضع الدردشة- العثور على شيء مفيد، ثم النقر للانتقال إلى الموقع، واتخاذ إجراء بنفسك.

وضع العمل - الزميل المتأني في المكتب

*وضع «العمل» مخصص لإنجاز المهام. على النقيض من وضع الدردشة، فإن وضع «العمل» في «تشات جي بي تي» مخصص لإنجاز مهام محددة بالفعل.

وعند التبديل إلى وضع العمل تصبح الأداة أكثر جدية، ومباشرة في أسلوبها (بما يشبه بيئة الأعمال)، وأقل ودية ولطفاً في التفاعل. كما تصبح أكثر كفاءة في تحويل طلباتك إلى مخرجات محددة، ومنتجات نهائية.

مثلاً، إذا زودت «تشات جي بي تي» ببيانات من قناتك على «يوتيوب» في وضع الدردشة، فإنه سيتبادل معك الأفكار، ويقترح عليك أفكاراً جديدة لمقاطع الفيديو. أما إذا قدمت له البيانات نفسها في وضع العمل، فسيُعد لك تقريراً بصيغة «بي دي إف» يحلل مقاطع الفيديو الأفضل أداءً لديك، مدعوماً برسوم بيانية ذات طابع رسمي، وعناوين عملية، ومباشرة، مثل «تدقيق الأداء الشهري للمحتوى».

يحوّل وضع الدردشة «تشات جي بي تي» إلى «شخصية مبدعة» تطرح أفكاراً رائعة دون القيام بالكثير من العمل الفعلي. في المقابل، يحوّله وضع العمل إلى ذلك الزميل «المتأني» الهادئ في المكتب، والمنهمك دائماً في جداول بيانات «إكسيل»، والذي ينجز المهام المطلوبة منه بدقة، وموثوقية تامة.

منصة ذكية ذاتية العمل

باختصار، يحوّل وضع العمل «تشات جي بي تي» إلى ما يشبه منصة ذكاء اصطناعي ذاتية العمل (أو «وكيل ذكي» قادر على تنفيذ المهام). وفي هذا الوضع، عادةً ما يستغرق البوت وقتاً أطول في التفكير قبل تقديم الرد، كما يسهل عليه الحفاظ على تركيزه في المهمة الحالية.

إذا كنت تبحث عن أفكار لأنواع جديدة من المعجنات لبيعها في مخبزك (هل جربت نكهة الفستق؟)، فإن «وضع الدردشة» هو الخيار الأفضل. أما إذا كنت ترغب في كتابة أمر لشراء الدقيق، أو البدء مبكراً في تقدير ضرائبك، فإن «وضع العمل» يلبي احتياجاتك.

كيف أحدد خياري

عندما أجلس لاستخدام «تشات جي بي تي»، أسأل نفسي أولاً عما أريد تحقيقه من هذه الجلسة. هل أبحث عن معلومات، مثل إجابة عن سؤال محدد، أو قائمة من الأفكار؟ أم أنني أتطلع للحصول على شيء ملموس، مثل جدول بيانات، أو رسم بياني قابل للتنزيل، أو تقرير بصيغة «بي دي إف» يمكنني طباعته وقراءته أثناء ركوب القطار؟

إذا كان الأمر يتعلق بالخيار الأول، فأنا أختار «الدردشة». أما للخيار الثاني، فأنا أستخدم «العمل». كما أختار «الدردشة» أيضاً إذا أردت أن يكون أسلوب «تشات جي بي تي» أكثر وديةً، فبالنسبة للاستفسارات الشخصية يُعد هذا الخيار هو الأفضل دائماً تقريباً.

رغم أن التفكير في نواياك قبل بدء كل جلسة ذكاء اصطناعي قد يكون مملاً، فإنّ التوقف للحظة لاختيار وضع «تشات جي بي تي» المناسب سيجعل وقتك مع الروبوت أكثر فائدة وكفاءة. احصل على نتيجة أفضل، وستقل احتمالية استهلاك رصيدك بلا داعٍ، أو إضاعة وقتك في انتظار ردٍّ مطوّل.

* مجلة «فاست كومباني»