السنيورة: تطوير النظام لا يُبحث تحت تهديد السلاح والشارع

رفض في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن يكون لبنان محكوماً بقرار خارجي

الرئيس فؤاد السنيورة
الرئيس فؤاد السنيورة
TT

السنيورة: تطوير النظام لا يُبحث تحت تهديد السلاح والشارع

الرئيس فؤاد السنيورة
الرئيس فؤاد السنيورة

أكد رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة أنَّ أصلَ الأزمات الراهنة التي يتخبَّط فيها لبنان «لا يعود إلى خلافٍ حول تفصيلات واجتهادات، وإنما يعود إلى افتراقٍ، أو بوادر افتراق، بين خيارين»: أولهما «خيار الطائف»، وثانيهما «مشاريع غلبة وغربة لا يحتملها لبنان»، مشدداً في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن موضوع تطوير النظام «لا يمكن أن يُبحث تحت التهديد بالسلاح والقمصان السود والشارع»، لافتاً إلى ضرورة ألا يكون لبنان «محكوماً لقرار خارجي أو سلاح خارجي يفرض على اللبنانيين ما يجب أن يقوموا به».
وأعلن السنيورة «مبادرة للعيش المشترك والدستور والإنقاذ الوطني»، تقوم على تطبيق اتفاق الطائف، والتمسك به بصفته مرجعية نهائية، مشيراً إلى أن الخلاف بين الخيارين اللذين يتنازعان لبنان في هذا الوقت ينقسم بين طرف يتمسك بـ«خيار الطائف المنسجم مع تكوين لبنان، ومعناه ودوره، الذي لم يحظَ بأي فرصة حقيقية للتطبيق والإنجاز حتى الآن»، وبين «تطلعات أخرى من خارج العقد الوطني الحقيقي، تراهن على موازين قوى متحركة في الداخل والخارج، وهي بذلك مشاريعُ غَلَبة أو غربة لا يحتملها لبنان».
وتطرق السنيورة إلى المعضلات السياسية التي يعاني منها لبنان، والانقسامات على المفاهيم، والدعوات لتطوير النظام، مؤكداً أن «لبنان قائم على قوة التوازن، وليس توازن القوى»، مشدداً على أن «العودة إلى الطائف ينصف الجميع ويطمئنهم».
ورأى أن أخطر ما في الوضع الراهن هو «عجزُ القوى السياسية المتصدّرة للمشهد عن المبادرة في تحديد وجهة إنقاذية وطنية (أي عامة)، بدلاً من انشغال كل فريق بالمحافظة على رأسه، في انتظار ما ستُفضي إليه لعبة الأمم في المنطقة، للتكيُّف طوعاً أو كرهاً مع نتائجها». وعليه، يطرح مبادرة ضرورية، تتمثل بالتمسك باتفاق الطائف، كون «مرجعية الطائف والدستور تختلف تماماً عن تلك النظرة القائلة بأن تسوية الطائف كانت (ضرورية مؤقتة، ولوقْفِ الحرب الداخلية لا أكثر)».
وعلى العكس من ذلك، أعرب السنيورة عن اعتقاده بأنَّ اتفاق الطائف «كان تسوية تاريخية واقعيَّة منْصِفة متوازنة، بالإضافة إلى أنها صحَّحت عدداً من الانطباعات والسلوكيات الخاطئة التي اعتَوَرتْ التجربة اللبنانية في مدى قرنٍ من الزمان»، مشدداً على أنها «تمتلك مقومات الدوام الاستراتيجي».
وأكد السنيورة أن «مقاربتنا أو مبادرتنا هذه لا تنطلق من تمييزٍ مسبَق بين أحزابٍ وطوائفَ وقطاعات وأمزجة أهليَّة سائدة في هذا الجانب أو ذاك، وإنما تقوم على التمييز في كل هذه المستويات بين مَنْ استخلصوا الدروس، وعقدوا العزمَ على التلاقي، وبين مَنْ لم يستخلصوا بعدُ أو لم يعقدوا العزم»، مضيفاً: «هي ليست مبادرة في وجه أحزابٍ وكيانات سياسية، وإنما في وجهِ مراوحة قاتلة».
وشدد على «أهمية وسموّ العمل الوطني اللبناني الذي يتحقق بنتيجته نهوض لبنان، بصفته رسالة وقيمة حضارية وثقافية ووطنية يجتمع من حولها اللبنانيون ليُعززوا جهودهم من أجل إعادة الاعتبار لدولتهم القادرة العادلة، بقرارها الحر المستقل وسلطتها الحصرية الوحيدة على كامل أراضيها، المصممة على تحييد لبنان بشكل إيجابي عن كل الصراعات والمحاور الإقليمية والدولية، كما جاء في مبادرة البطريرك بشارة الراعي»، مؤكداً أنه «بتلك المعاني وغيرها، يكون اتفاق الطائف قد مهَّد الطريق لزمنٍ لبناني جديد حَدَاثي».
وقال إن تراكم الأزمات في الداخل اللبناني «أخذ يُغري بعضَ الأطراف بتمرير اقتراحٍ انقلابي معلن على طبيعة النظام السياسي اللبناني، وصيغة العيش المشترك في هذا التصدع»، وذلك في إشارة إلى دعوة رئيس «التيار الوطني الحرّ»، النائب جبران باسيل، الأخيرة «بالأصالة عن نفسه، وبالنيابة -على ما يبدو- عن شريكه الدائم الثابت (حزب الله)، في السعي لتغيير النظام».
وعد السنيورة أنَّ الأزمات القائمة المتناسلة منذ عقود «ليست ناجمة عن أزمة نظامٍ سياسي ثبتَ فشلُه أو قُصورُه بالتجربة، كما يزعم بعضهم، وإنما هي أزمة إداراتٍ سياسية لم تكن في مستوى تسوية الطائف التاريخية». وإذ أشار إلى أن لبنان «تأسس على فكرة العيش المشترك، والمصلحة المتداخلة بين أبنائه»، لفت إلى أنه «بعد اتفاق الطائف، تم تلزيم تطبيق الإصلاحات الدستورية إلى النظام السوري، ولهذا كان لمصلحته أن يتصرف بصفته رجل المطافئ الذي يشعل الحرائق، مع البقاء جنبها كي يستطيع أن يشعلها في وقت لاحق»، مفسراً الحال بأنه «نظام ديكتاتوري كُلّف بإدارة نظام ديمقراطي». وقال إن «الأحزاب الطائفية التي أدارت البلد جعلت المخاوف المشتركة تحل مكان العيش المشترك، وبدل أن يستفيد كل واحد من مميزات الآخر، صار هناك خوف من الآخر».
ورأى السنيورة أن الطرح الذي يتمسك به بخصوص اتفاق الطائف لا يعني أن أي دستور في الدنيا مقدس؛ على العكس من ذلك «بالإمكان التطور والتوضيح، لكن عندما تهدأ النفوس». وشدد على أن موضوع تطوير النظام «لا يمكن أن يُبحث تحت التهديد بالسلاح والقمصان السود والشارع»، لافتاً إلى ضرورة «أن يكون للبنان قرار حر، ولا يكون محكوماً لقرار خارجي أو سلاح خارجي يفرض على اللبنانيين ما يجب أن يقوموا به».
وأوضح أن «مجلس الشيوخ» المطلوب تشكيله، بحسب وثيقة الطائف، ليس «مجلساً تشريعياً» ينحصر اهتمامه وقرارُه في القضايا الكبرى المتعلقة بالعيش المشترك، معرباً عن قناعته بأن «أعظم الدساتير ترتبط بحسن نوايا من يطبقونها».
ولا ينفي السنيورة أن المشكلة بدأت عندما بدأ الترويج لنظرية أن «الرئيس ينتخبه المسيحيون»، وبعدها «قضية الأقوياء الأربعة الذين يجب أن يكون من بينهم الرئيس»، مشدداً على أن «هذا خطأ كبير». ولفت إلى أنه «ذهب إلى بكركي حينها، ليخرج على الإعلام برسالة، مفادها أن انتخاب الرئيس يهم كل اللبنانيين، وليس المسيحيين وحدهم»، لافتاً إلى أنه بعد ذلك «حضرت نظرية الرئيس القوي»، وقال: «قلت في طاولة الحوار التي دعا إليها الرئيس نبيه بري (في عام 2006) إن ذلك يفرض رئيساً قوياً عند كل الطوائف، وعلى رئيس الجمهورية أن يكون رئيساً جامعاً لكل اللبنانيين، وليس لفريق محدد».
وجدد التأكيد أنه «وقتُ الخيارات الوطنية الكبرى الجامعة، وليس وقتاً لحماية رأسٍ من هنا أو هناك، تورَّط في رهانٍ زيَّنه له طيشُه أو أزمته الذاتية»، ذلك أن لبنان «يكون بجميع بَنيه أو لا يكون، ولجميع بَنيه أو لا يكون». ولهذه الغاية، يشير السنيورة إلى أنه «لا نجدُ بديلاً عن اتفاق الطائف والدستور، مرجعية ودليلَ عمل، بل نعدهما المرجعية الأنسب لاستقرار لبنان ومعافاته على طريق السيادة والاستقلال وصَوْنِ العيش المشترك، في وطنٍ نهائي لجميع أبنائه، عربي الهويَّة والانتماء، وفي دولة مطابقة لمجتمعها، لا دولة الغَلَبة على مجتمعها، كما هي الحال في دول الأنظمة الكليانية التوتاليتارية».



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.