ساعات تشرئب نحو الشمس والقمر

معرض «ماسترز أوف تايم» يؤكد أن صناع الساعات رواد يرغبون في اختراق الفضاء الواسع

ساعات تشرئب نحو الشمس والقمر
TT

ساعات تشرئب نحو الشمس والقمر

ساعات تشرئب نحو الشمس والقمر

من الواضح أن الأفلاك والنجوم والكواكب هي التي شكلت شخصية أهم إصدارات الساعات الفاخرة في عام 2014. وليس ببعيد أن تشكل شخصيتها لعام 2015 أيضا بالنظر إلى الاهتمام المتزايد بها من جهة، وما تطلبته من أبحاث وحرفية عالية استغرقت عدة سنوات وراء الكواليس، من جهة أخرى. فبعد أن كان الاهتمام، ولا يزال إلى حد ما، منصبا على الغوص في أعماق البحار أو تسلق أعالي الجبال، أو حتى قيادة الطائرات والبواخر، نلاحظ أن صناع الساعات غيروا الدفة باتجاه السماء، بدافع رغبة محمومة في استكشاف الكون الفسيح من حولنا بطريقة جمعت علوم الجبر والرياضيات بالشاعرية التي تثيرها صور القمر والنجوم في النفس. وربما تكون مجموعة «دي إف إس» التي أصبحت لها محلات في كثير من المطارات والعواصم العالمية أكثر ما سلط الضوء على هذا الاتجاه في معرضها الأخير بهونغ كونغ. معرض أطلقت عليه عنوان «ماسترز أوف تايم»، واستعرضت فيه أكثر من 400 قطعة أقرب إلى التحف، تبارت فيها نحو 40 شركة لإظهار حرفيتها وقدراتها الإبداعية العالية، من «فان كليف أند أربلز» و«بولغاري» إلى «بريغيه»، «برايتلينغ»، «بلانبان»، «شوبارد»، «شوميه»، «فرانك مولر»، «غروبل فورسي»، «فاشرون كونستانتين»، وهلم جرا من الأسماء العالمية المشهود لها بالإبداع والابتكار في مجالات تخصصها.
يقول نائب رئيس المجموعة للتسويق العالمي، كريستوف تشاي لـ«الشرق الأوسط»، إن «اكتشاف الفضاء والكواكب أفضل طريقة لفهم البشرية، وربما هذا ما يجعل اهتمامنا حاليا بهذا المجال أكبر من ذي قبل، لأننا بتنا ندرك أننا سنفهم الكثير عن حياتنا عندما نفهم الفضاء والكواكب، بل وحتى النجوم والمذنبات». ويضيف بأن «دي إف إس» DFS تفخر بتوجهها لزبون عالمي، بغض النظر عن جنسيته أو ثقافته. كل ما نعرفه أنه زبون يفهم الرفاهية ويقدر كل ما يتعلق بها من قريب أو بعيد، سواء كان على شكل مجوهرات أو نظارات أو عطور أو ساعات يد فريدة من نوعها. لهذا نجتهد في البحث عن آخر الصيحات والابتكارات لتلبية رغبته في التميز.
وحسب ما جسده المعرض، فإن تلبية هذه الرغبات مجابة حتى وإن تطلبت حمله إلى فضاءات جديدة تتراقص في دقات العقارب الشاعرية بالحسابات والصور الفلكية.
تنظم المجموعة كل سنة معارض في عواصم عالمية منتقاة تلخص فيها خبرة 54 عاما تمخضت عنها علاقات مهمة مع المبدعين والمبتكرين في هذا المجال. وهذا ما يشرحه كريستوف تشاي بقوله إن «التطور طبيعي، لأن خبرة كل هذه السنوات لا بد أن تتجسد فيما ننتقيه، وما نحصل عليه من منتجات من شركات نتعامل معها منذ سنوات، وتربطنا بها علاقات ثقة متينة. هذا العام اخترنا عنوان (ماسترز أوف تايم)، للتأكيد على أن صناع الساعات كانوا ولا يزالون رائدين فيما يقومون به، مثلهم مثل علماء الفلك الذين كانوا يدرسون تحركات الكواكب ويجتهدون للدفع بالإبداع إلى أقصى حد، كما يتمتعون بحرفية عالية».
بدوره يؤكد بينجامين كلايمر مؤسس والرئيس التنفيذي لموقع «هودينكي» للساعات الفاخرة على أهمية هذه النقلة نحو القمر والنجوم وتسليط «دي إف إس» الضوء عليها قائلا إن «الفضاء كان ولا يزال يرتبط بمفهوم الريادة، ويجسد حرص صناع الساعات الدائم على استكشاف الجديد والغوص في المجهول، سواء بالتوصل إلى حركات أو تصاميم جديدة أو خامات غير مسبوقة». ويعلق بأن كل هذه الأمور مقدور عليها، لكن «أن تجعل هذه التحف تكتسب نبضا قويا، فإن هذا يحتاج إلى قدرات هائلة يصعب وصفها. عندما أنظر إلى ساعتي، مثلا، فأنا لا أتعامل معها على أنها مجرد أداة لقراءة الوقت، بل على أنها تتويج لتطور تكنولوجي عبر عدة قرون من التغيرات الاجتماعية والثقافية».
وهذا بالضبط ما تستعرضه شركات متمرسة مثل «فان كليف أند أربلز»، عندما طرحت مجموعة ساعات «بويتيك كومبليكايشن»، وتحديدا ساعة «ميدنايت بلانيتاريوم» بتعقيداتها الشاعرية. ساعة اختزلت الفضاء في علبة يد صغيرة تمثل النظام الشمسي وحركة الكواكب الـ6؛ الأرض، وعطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، وهي تدور حول الشمس. من الواضح أنها، بشاعريتها وتعقيداتها، لا تستهدف زبونا يركز على الساعة كوسيلة لقياس الوقت، فسحرها يكمن في تعقيداتها، بدءا من الأقراص ذات اللون الأزرق الداكن إلى الدقائق البراقة، التي مع الزخارف النحاسية الدقيقة وحركة الدوران بسرعات مختلفة، تثير الشعور بأن النجوم المتلألئة تتحرك في السماء ليلا. أسرع الكواكب، عطارد، مثلا، يدور حول الشمس ذات اللون الذهبي الوردي في منتصف الساعة مرة واحدة كل 88 يوما، بينما سيتعين عليك الانتظار 29.5 لرؤية زحل يكمل دورة كاملة حول مينا الساعة.
ويرمي هذا النوع من الساعات إلى عكس بعض من السحر الذي غلف محاولات الإنسان السابقة رسم خريطة للسماء ليلا. فخلال القرنين الـ17 والـ18، كانت أكثر الكتب العلمية دقة عن علم الفلك عبارة عن إبداعات تنضح بالجمال، وتحوي عناصر فنية وشعرية لوصف الكواكب ومحاكاة حركتها.
والآن، نجحت صناعة الساعات في رسم صورة مصغرة من علم الفلك خلال القرن الـ17 ووضعها حول الرسغ. بل ويؤكد كريستوف تشاي أن «هناك ساعات تعود إلى القرن الـ11 تتطرق إلى موضوع الزمن والفضاء، وهذا أمر مفهوم، لأنهما موضوعان ارتبطا ببعض منذ بداية الكون تقريبا. وطبعا مع مرور الوقت وتطور علوم الرياضيات والاكتشافات، زاد هذا الاهتمام، خصوصا أنه كلما غصنا في هذا المجال، أدركنا أننا ما زلنا نجهل الكثير». وفي ظل عالم يعج بالمتغيرات السريعة، تبث فكرة ساعة من شأنها أن تتوقع أحوال السماء والكواكب، وتربط تواصلا بين مرتديها وعالم بعيد، شعورا بالاطمئنان والسكينة. وهذا تحديدا هو ما جذب شركة «آي دبليو سي شافهاوزن» لهذه النوعية من الساعات. فرغم شهرة الشركة بتصميم الساعات الرياضية عالية الأداء، بدأت في تحويل اهتمامها لحاجة الإنسان للتواصل مع الكون. منذ عامين، استعرضت قدرتها الفنية بطرحها ساعة «بورتوغيز سيدرالي سكافوسيا»، وهي أشبه بمرصد مصغر حول الرسغ، يحمل خريطة للسماء ليلا. وقد استغرق علماء الشركة قرابة عقد من الزمن لإنجاز تصميمها.
دار «كارتييه» لم يكن من الممكن أن تتخلف عن الركب، وأطلقت بدورها ساعة تحمل مؤشرا يكشف أطوار القمر، تحمل اسم «روتوند دو كارتييه إرث آند مون توربيون». بضغطة زر، ينزلق قرص يحمل لون أزرق سماوي عبر فتحة عند علامة الساعة السادسة التي توضح التوربيون، مما يخلق شكلا هلاليا، أو تغطيه تماما وتوفر عرضا بصريا للقمر ليلا، وهو حل سحري يحمل البصمة المميزة لـتصاميم الدار.
في المقابل، تحمل ساعة «ريتشارد لانغه بربتشوال كالندر تيرالونا» ساعة «Terraluna RICHARD LANGE PERPETUAL CALENDAR (175.00 جنيه إسترليني) لمسة واقعية وعملية واضحة. أفضل ما تتميز به أن تعقيداتها لا تظهر إلا بعد قلبها لكشف ظهرها الذي يجسد تصويرا دقيقا لنصف الكرة الشمالي، لكن بالإمكان رؤية ابتكار تقني مثير على جانب محرك الساعة، يظهر فيه موقع القمر بالنسبة إلى الأرض والشمس. يتكوّن العرض من 3 أقراص، على القرص السماوي المرصّع بالنجوم، يُرى القمر من خلال نافذة مستديرة وهو يدور حول الأرض بعكس اتجاه عقارب الساعة مرة واحدة في الشهر. تستنسخ الآلية الشهر القمري المكوّن من 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثوانٍ بشكل دقيق جدا بحيث يستغرق الأمر 1058 سنة قبل أن يحتاج العرض إلى التصحيح ليوم واحد. تحتها، يدور القرص القمري، مُظهرا قمرين جديدين مدورين. يمكن ملاحظة تقدم أطوار القمر من خلال نافذة في القرص السماوي. في مشهد الكوكبة، يشغل مكان الشمس ميزان الساعة. في الأيام التي يكون فيها القمر هلالا، يقف القمر المظلم بين الأرض والشمس. إنه يبدو ككرة سماوية متلألئة على الجانب الآخر من الأرض في الأيام التي يكون فيها القمر بدرا. وبالتالي، يتم الإشارة إلى مكان وطور القمر في وقت واحد. في وسط العرض، تدور الأرض حول محورها الخاص مرة واحدة يوميا. إنه وقت النهار على النصف الذي يواجه الشمس، أو ميزان الساعة، والليل من الجهة الأخرى. يوفر المقياس المدرج للـ24 ساعة، الذي يحيط بمينا الساعة إشارة للوقت من اليوم لنصف الكرة الشمالي.
خلال سبتمبر (أيلول) من هذا العام طرحت دار «فاشرون كونستانتين» بدورها ساعتها الفلكية «ماتر كابينوتيير أسترونوميكا»، التي تتمتع بالعديد من الوظائف، منها تكرار الدقائق وتوربيون وتقويم أبدي وتحديد الزمن وحفظ الطاقة وتحديد أوقات الشروق والغروب، كما تتضمن خريطة للسماء على ظهرها تستعرض الأوقات التي تكون فيها الأرض أكثر بعدا عن الشمس وأطوار القمر والمواسم والأبراج الفلكية. وتجدر الإشارة إلى أن «فاشرون كوستانتين» ابتكرت في عشرينات القرن الماضي عددا من ساعات الجيب الفلكية، كانت واحدة منها من نصيب فؤاد الأول، ملك مصر. ويعلق كريستوف تشاي بأنه بعد كل هذه الإصدارات المتميزة، التي تجعل البعض يحتاج إلى دروس في علم الفلك وتحركات النجوم، فإن المستقبل مفتوح أمام صناع الساعات. المشكلة أنه بات عليهم أن يبحثوا تحديات جديدة وغير مسبوقة، وهذا يعني أنه على صناع الساعات والحرفيين أن يتمتعوا بكفاءة عالية في الرياضيات والعلوم وليس فقط في جمع المكونات الدقيقة ورصها بطريقة محسوبة. «فالتحدي الكبير أمام صناع الساعات السويسرية حاليا يبقى مواجهة التطور التقني الذي تشهده الهواتف الذكية»، حسبما يقول، مضيفا: «الهواتف قد تكون عملية لكن لا يمكن مقارنتها بالساعات وما تثيره من عواطف في نفس صاحبها. مما لا شك فيه أن الساعات الفاخرة تختلف تماما عن الساعات الذكية، ورغم أن كلتا الصناعتين ستستمر في البحث والتطوير لاستهداف الزبائن واستقطابهم، فإنني واثق بأن صناعة الساعات الفاخرة ستبقى صامدة أطول، لأنها بمثابة رمز أبدي في علبة صغيرة».
لا يختلف اثنان على أن الابتكار هو الدافع الأول لهذه الشركات على طرح هذه الإبداعات، وهو أيضا المحفز لهم لاستثمار الجهد والبحث لإنتاج ساعات راقية وفريدة من نوعها، من دون أن ننسى دور الزبون في تأجيج هذا الاهتمام والتشجيع على المزيد من الأبحاث والتطويرات، خصوصا بعد أن فتحت شهيته على الاستثمار البعيد المدى. ومن الجدير بالذكر أن معرض «ماسترز أوف تايم» في هونغ كونغ - ماكاو سيمتد إلى 28 فبراير (شباط) المقبل.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.