عن مبدأ التجانس في الأدب

نوفيلا «بارتبلي النسَّاخ» لهرمان ميلفل مثالاً

عن مبدأ التجانس في الأدب
TT

عن مبدأ التجانس في الأدب

عن مبدأ التجانس في الأدب

في «ألف ليلة»، يقوم السندباد البحري بأولى رحلاته، وتغرق سفينته، لكنه ينجو بأعجوبة، ويعود رابحاً إلى بغداد، بعد أن يمر بسلسلة من الأهوال. يقيم بين أهله آمناً لفترة، ثم تناديه المغامرة، فيعود إلى السفر مرة أخرى، ويستمر هذا التتابع حتى سبع رحلات، أي سبع دورات من فقدان الأمان والعودة إليه. بعد ذلك، اكتفى من السفر، وتفرغ للسهر، مستعيداً حكايات أسفاره السبعة، في كل ليلة يهز سلام مستمعيه بإعادة تصوير المغامرات الخطرة، ثم يعيد إليهم سلامهم بخروجه سالماً من كل مغامرة. وهذه إحدى وظائف الأدب الأساسية التي لا يستطيع النص أن يؤديها إلا إذا كان مقنعاً.
تحتاج فنتازيا السندباد البحري، والفنتازيا عموماً، جهداً مضاعفاً للإقناع، لأنها وهم بشكل شبه مطلق، لكن كل الروايات وهم من حيث المبدأ. بين الرواية والواقع مسافة تطول أو تقصر، وعلى الروائي أن يوهم القارئ بأن عمله يشبه الواقع، وشخصياته تشبه بشراً حقيقيين. ويتحمل مبدأ الانسجام بين عناصر العمل العبء الأكبر في مسؤولية إقناع القارئ. وهذا هو المبدأ الذي أراد إيتالو كالفينو أن يناقشه، دون أن يمهله القدر.
ترجم محمد الأسعد مبادئ كالفينو الشهيرة تحت عنوان «ست وصايا للألفية القادمة»، ضمن سلسلة «إبداعات عالمية - الكويت 1999»، وترجمها محمد مخطاري «ستة مقترحات للألفية الجديدة»، ضمن «منشورات جامعة محمد الخامس أكدال 2008»، وهي في الحقيقة ست من فضائل الكتابة الرشيقة في كل زمان، أضاء عليها كالفينو عندما ربطها بالمستقبل. وفي مقدمة الكتاب، تقول إيستر (أرملته) إنه كان قد أخبرها بأن لديه أفكاراً لثماني محاضرات على الأقل ليلقيها في جامعة هارفارد، ضمن برنامج «المحاضرات الشعرية لشارلز إليوت نورتن» في الموسم الجامعي (1985-1986)، لكن أفكاره كانت واضحة بصدد ستة مقترحات أساسية، كتب خمسة منها قبل السفر: الخفة، والسرعة، والدقة، والرؤية، والتعدد. وترك المقترح السادس «الاتساق» مجرد عنوان، وكان ينوي أن يكتبه في أثناء وجوده في هارفارد، لكنه مات دون أن يكتبه. وكل ما تعرفه أنه كان ينوي اتخاذ نوفيلا هرمان ميلفل «بارتبلي النسَّاخ» (Bartleby the Scrivener) مثالاً رئيسياً في تلك المحاضرة.
خلقت مقدمة إيستر الفضول لمحاولة استكشاف الانسجام الذي رآه كالفينو في «بارتبلي»، تلك النوفيلا المتدفقة بانسياب ووضوح نقطة ماء تمضي على سطح بللور مائل (ترجمتها إلى العربية زوينة آل تويّه). ويتولى السرد محام يدير مكتب توثيق عقود، يروي عن نفسه وعن الآخرين. مبدئياً، المحامي منسجم مع المهنة التي اختارها؛ لم يطمح للترافع في قضية أمام المحاكم تجعل منه بطلاً شعبياً، مفضلاً مهنة تدر دخلاً منتظماً معقولاً.
يعمل لديه ناسخان، يُلقبهما بلقبين منسجمين مع شخصيتهما: تريكي (لأن وجهه يصطبغ بالأحمر عندما يغضب مثل الديك التركي) ونيبرز (لأنه يصر على أسنانه كالكماشة عندما يغضب)، وكلاهما يتغير مزاجه في توقيت مختلف. تريكي يغضب بعد الغداء بسبب الأفراط في الشراب، ونيبرز يصل إلى المكتب غاضباً في الصباح لأنه يعاني عسر الهضم، ومع تقدم الوقت ترتاح أمعاؤه فيهدأ. وهناك عامل خدمات في المكتب اسمه «جنجر نت» حاز لقبه من كعك الزنجبيل والبندق الذي يشتريه يومياً للعاملين في المكتب.
تمضي الحياة متناغمة: عامل الخدمة ماهر مطيع، والموظفان يغضبان ويهدآن بالتناوب، وهكذا يجد المحامي دائماً من ينجز الأعمال المهمة بحرص في أي وقت. الموظفون يقدرون رب العمل، ويخاطبونه بالتبجيل اللائق، فيعوضونه عن خمول ذكره في المدينة.
وفي يوم من الأيام، يظهر «بارتبلي»، شاب نحيل جاء يطلب عملاً. تعاطف معه المحامي، وأفسح له زاوية من غرفته. بدأ الشاب يعمل بدأب، لا يخرج للغداء في مطعم أبداً، ولا يدخل في نقاش مطلقاً، لكنه عنيد لا يعترف بقواعد. يطلب منه المحامي أن يجلس أمامه ليراجع معه ما نسخه، فيجيبه: «أُفضِّل ألا»؛ ينطق بجملته الناقصة قاطعة الرفض، ويعود إلى ركنه بثبات.
مع الوقت، زادت الأشياء التي يُفضِّل بارتبلي «ألا يفعلها»، واستمرت انسحابات صاحب المكتب من أمامه، مرة بدافع الشفقة عليه لأنه حزين، ومرة ترفعاً عن استخدام سلطته ضد شخص ضعيف، لكن اختلال التوازن بينهما أصبح مثيراً للشبهة أمام الموظفين وعملاء المكتب.
وذات يوم عطلة، قرر المحامي المرور على المكتب، حاول أن يضع مفتاحه في الباب فلم يستطع، وتأكد أن هناك مفتاحاً في الجهة الأخرى. طرق الباب، ففتح بارتبلي في ملابسه الداخلية، وطلب بثقة من صاحب المكتب أن يتمشى قليلاً حول المبنى إلى أن يرتدي ملابس ملائمة ويسمح له بالدخول.
لم يعرف المحامي متى بدأ بارتبلي استخدام المكتب سكناً خاصاً له بعد انصراف العاملين، ولا كيف يفعل ذلك دون أن يظهر أثر لممتلكاته الشخصية في أثناء النهار. طلب منه أن يبحث عن سكن خاص ينتقل إليه، فلم يستجب بارتبلي، بل بدأ «يُفضِّل ألا» يعمل شيئاً بالمطلق!
بدا في وقاحة قوة احتلال صامتة، واستمر هذا الوضع طويلاً بفضل انسجام برود بارتبلي مع السمات النفسية للمحامي: الهادئة العطوفة الجبانة، وكذلك بفضل التوازن المزاجي بين تريكي ونيبرز. ففي أي وقت يستشيرهما المحامي في أمر بارتبلي، يكون هناك واحد رائق المزاج يطلب منح الشاب المسكين فرصة أخرى!
وعندما أصبح وجوده فوق الاحتمال، قرر المحامي أن ينقل المكتب إلى مبنى آخر، وأحس بالسعادة لأن بارتبلي فضَّل ألا ينتقل، وبقي في مكانه ينغص بوجوده الصامت حياة المستأجرين الجدد الذين طردوه، فاستوطن سلم العمارة، فتكاتف السكان وأودعوه السجن بتهمة التشرد.
ظل المحامي مشدوداً إلى لغز بارتبلي، يشعر بالأسى تجاهه، فزاره في السجن واتفق مع متعهد الأغذية الذي يتولى تحسين وجبات السجناء على أن يعتني ببارتبلي، ودفع له النقود اللازمة، لكن بارتبلي فضَّل «ألا يأكل» حتى مات. بعد ذلك، سنكتشف أن بارتبلي الذي أخل بانسجام المكتب، وبانسجام المحامي مع حياته، كان يعمل قبل ذلك بالبريد، كاتباً في مكتب «الرسائل الميتة»، وهي الرسائل التي لا يُستدل على العنوان المرسلة إليه، وتقبع في تلك المقبرة. هكذا، نعرف من أين أتى بارتبلي بيأسه وعدميته.
الانسجام مبدأ عام في الحياة من أتفه الأشياء لأعظمها؛ ثلاثة أرباع الثرثرة في حفل زفاف تنطلق من مبدأ الانسجام أو عدمه: انسجام العروس مع العريس، انسجام الموسيقى مع طبقة المدعوين، انسجام الطعام، انسجام كل شخص مع ما يرتديه، انسجام امرأة مع مرافقها.
هز بارتبلي انسجام طاقم المكتب عندما ظهر، وهز الانسجام النفسي للمحامي عندما أصرَّ على الموت، وهز انسجامنا نحن القراء في نهاية النوفيلا. وقد كانت متابعة عدم الانسجام في مكتب صغير أهون علينا من اكتشاف هوة العدم المؤسفة. تختلف السينما قليلاً عن الأدب؛ لا تغامر بإيذاء المتلقي إلا نادراً، لأنها فن يدفع الجمهور تكلفته مباشرة، لذلك تُفضِّل في الغالب إعادة الانسجام.
من حسن الحظ أن كل عنصر في الكتابة يعزز نقيضه، ويتعزز به. ينشأ تماسك العمل الفني وانسجامه النهائي من الاختلاف. الناعم بحاجة إلى الخشن، والصلب بحاجة إلى الليِّن. هذا هو القانون الموحد للبناء في كل الفنون. في رحلة السندباد الثالثة يواجه المسافرون الذين تحطمت سفينتهم خطر الأقزام على الجزيرة في الصباح، ويجدون قصراً يحتمون به في الليل، فينزل لهم من سقفه وحش عملاق.
ويمكن لعدم الانسجام الواضح جداً أن يصنع عظمة رواية، وأن يرسم ملامح شخص لا يُنسى. كل شخصيات دوستويفسكي تعاني عرضاً أو أكثر من أعراض عدم الانسجام في داخلها، ومع المجتمع.
وفي كثير من الثقافات، نجد نكتة بطلها نموذج السكير غير المتناغم مع السكر الذي يمعن في الشرب كي ينسى عار أنه سكِّير. وقد صنع دوستويفسكي من هذه النكتة أبطالاً ميلودراميين، مثل مارميلادوف في «الجريمة والعقاب». ومثله، صنع أنطوان دو سانت إكزوبري سكِّيره في «الأمير الصغير»، وجعل الصبي يتعجب منه ومن غرابات الراشدين! لكن راسكولنيكوف وإيفان كارامازوف هما أكثر شخصيات دوستويفسكي ألماً ولمعاناً بسبب عدم انسجامها.
لنفكر لماذا يعيش «السيد أحمد عبد الجواد»، بطل ثلاثية محفوظ، في وجداننا، ولماذا ارتفع ليصبح واحداً من النماذج الأصلية في تاريخ الرواية، رغم أنه لم يرتكب جريمة بشعة مثل راسكولنيكوف، ولم يصل مجونه إلى مستوى مجون زوربا اليوناني؟ سره في عدم الانسجام بين حياته العلنية وحياته السرية، وقد تكفل حزنه على استشهاد ابنه في ثورة 1919 بتحقيق انسجامه لسنوات، ثم حققت أمراض الشيخوخة انسجامه النهائي.
وهل كانت إيما بوفاري تشكو من شيء سوى عدم الانسجام مع شارل، الزوج المتفاني، الذي أثبت أنه أكثر الرجال قدرة على الحب والغفران؟



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».