عن مبدأ التجانس في الأدب

نوفيلا «بارتبلي النسَّاخ» لهرمان ميلفل مثالاً

عن مبدأ التجانس في الأدب
TT

عن مبدأ التجانس في الأدب

عن مبدأ التجانس في الأدب

في «ألف ليلة»، يقوم السندباد البحري بأولى رحلاته، وتغرق سفينته، لكنه ينجو بأعجوبة، ويعود رابحاً إلى بغداد، بعد أن يمر بسلسلة من الأهوال. يقيم بين أهله آمناً لفترة، ثم تناديه المغامرة، فيعود إلى السفر مرة أخرى، ويستمر هذا التتابع حتى سبع رحلات، أي سبع دورات من فقدان الأمان والعودة إليه. بعد ذلك، اكتفى من السفر، وتفرغ للسهر، مستعيداً حكايات أسفاره السبعة، في كل ليلة يهز سلام مستمعيه بإعادة تصوير المغامرات الخطرة، ثم يعيد إليهم سلامهم بخروجه سالماً من كل مغامرة. وهذه إحدى وظائف الأدب الأساسية التي لا يستطيع النص أن يؤديها إلا إذا كان مقنعاً.
تحتاج فنتازيا السندباد البحري، والفنتازيا عموماً، جهداً مضاعفاً للإقناع، لأنها وهم بشكل شبه مطلق، لكن كل الروايات وهم من حيث المبدأ. بين الرواية والواقع مسافة تطول أو تقصر، وعلى الروائي أن يوهم القارئ بأن عمله يشبه الواقع، وشخصياته تشبه بشراً حقيقيين. ويتحمل مبدأ الانسجام بين عناصر العمل العبء الأكبر في مسؤولية إقناع القارئ. وهذا هو المبدأ الذي أراد إيتالو كالفينو أن يناقشه، دون أن يمهله القدر.
ترجم محمد الأسعد مبادئ كالفينو الشهيرة تحت عنوان «ست وصايا للألفية القادمة»، ضمن سلسلة «إبداعات عالمية - الكويت 1999»، وترجمها محمد مخطاري «ستة مقترحات للألفية الجديدة»، ضمن «منشورات جامعة محمد الخامس أكدال 2008»، وهي في الحقيقة ست من فضائل الكتابة الرشيقة في كل زمان، أضاء عليها كالفينو عندما ربطها بالمستقبل. وفي مقدمة الكتاب، تقول إيستر (أرملته) إنه كان قد أخبرها بأن لديه أفكاراً لثماني محاضرات على الأقل ليلقيها في جامعة هارفارد، ضمن برنامج «المحاضرات الشعرية لشارلز إليوت نورتن» في الموسم الجامعي (1985-1986)، لكن أفكاره كانت واضحة بصدد ستة مقترحات أساسية، كتب خمسة منها قبل السفر: الخفة، والسرعة، والدقة، والرؤية، والتعدد. وترك المقترح السادس «الاتساق» مجرد عنوان، وكان ينوي أن يكتبه في أثناء وجوده في هارفارد، لكنه مات دون أن يكتبه. وكل ما تعرفه أنه كان ينوي اتخاذ نوفيلا هرمان ميلفل «بارتبلي النسَّاخ» (Bartleby the Scrivener) مثالاً رئيسياً في تلك المحاضرة.
خلقت مقدمة إيستر الفضول لمحاولة استكشاف الانسجام الذي رآه كالفينو في «بارتبلي»، تلك النوفيلا المتدفقة بانسياب ووضوح نقطة ماء تمضي على سطح بللور مائل (ترجمتها إلى العربية زوينة آل تويّه). ويتولى السرد محام يدير مكتب توثيق عقود، يروي عن نفسه وعن الآخرين. مبدئياً، المحامي منسجم مع المهنة التي اختارها؛ لم يطمح للترافع في قضية أمام المحاكم تجعل منه بطلاً شعبياً، مفضلاً مهنة تدر دخلاً منتظماً معقولاً.
يعمل لديه ناسخان، يُلقبهما بلقبين منسجمين مع شخصيتهما: تريكي (لأن وجهه يصطبغ بالأحمر عندما يغضب مثل الديك التركي) ونيبرز (لأنه يصر على أسنانه كالكماشة عندما يغضب)، وكلاهما يتغير مزاجه في توقيت مختلف. تريكي يغضب بعد الغداء بسبب الأفراط في الشراب، ونيبرز يصل إلى المكتب غاضباً في الصباح لأنه يعاني عسر الهضم، ومع تقدم الوقت ترتاح أمعاؤه فيهدأ. وهناك عامل خدمات في المكتب اسمه «جنجر نت» حاز لقبه من كعك الزنجبيل والبندق الذي يشتريه يومياً للعاملين في المكتب.
تمضي الحياة متناغمة: عامل الخدمة ماهر مطيع، والموظفان يغضبان ويهدآن بالتناوب، وهكذا يجد المحامي دائماً من ينجز الأعمال المهمة بحرص في أي وقت. الموظفون يقدرون رب العمل، ويخاطبونه بالتبجيل اللائق، فيعوضونه عن خمول ذكره في المدينة.
وفي يوم من الأيام، يظهر «بارتبلي»، شاب نحيل جاء يطلب عملاً. تعاطف معه المحامي، وأفسح له زاوية من غرفته. بدأ الشاب يعمل بدأب، لا يخرج للغداء في مطعم أبداً، ولا يدخل في نقاش مطلقاً، لكنه عنيد لا يعترف بقواعد. يطلب منه المحامي أن يجلس أمامه ليراجع معه ما نسخه، فيجيبه: «أُفضِّل ألا»؛ ينطق بجملته الناقصة قاطعة الرفض، ويعود إلى ركنه بثبات.
مع الوقت، زادت الأشياء التي يُفضِّل بارتبلي «ألا يفعلها»، واستمرت انسحابات صاحب المكتب من أمامه، مرة بدافع الشفقة عليه لأنه حزين، ومرة ترفعاً عن استخدام سلطته ضد شخص ضعيف، لكن اختلال التوازن بينهما أصبح مثيراً للشبهة أمام الموظفين وعملاء المكتب.
وذات يوم عطلة، قرر المحامي المرور على المكتب، حاول أن يضع مفتاحه في الباب فلم يستطع، وتأكد أن هناك مفتاحاً في الجهة الأخرى. طرق الباب، ففتح بارتبلي في ملابسه الداخلية، وطلب بثقة من صاحب المكتب أن يتمشى قليلاً حول المبنى إلى أن يرتدي ملابس ملائمة ويسمح له بالدخول.
لم يعرف المحامي متى بدأ بارتبلي استخدام المكتب سكناً خاصاً له بعد انصراف العاملين، ولا كيف يفعل ذلك دون أن يظهر أثر لممتلكاته الشخصية في أثناء النهار. طلب منه أن يبحث عن سكن خاص ينتقل إليه، فلم يستجب بارتبلي، بل بدأ «يُفضِّل ألا» يعمل شيئاً بالمطلق!
بدا في وقاحة قوة احتلال صامتة، واستمر هذا الوضع طويلاً بفضل انسجام برود بارتبلي مع السمات النفسية للمحامي: الهادئة العطوفة الجبانة، وكذلك بفضل التوازن المزاجي بين تريكي ونيبرز. ففي أي وقت يستشيرهما المحامي في أمر بارتبلي، يكون هناك واحد رائق المزاج يطلب منح الشاب المسكين فرصة أخرى!
وعندما أصبح وجوده فوق الاحتمال، قرر المحامي أن ينقل المكتب إلى مبنى آخر، وأحس بالسعادة لأن بارتبلي فضَّل ألا ينتقل، وبقي في مكانه ينغص بوجوده الصامت حياة المستأجرين الجدد الذين طردوه، فاستوطن سلم العمارة، فتكاتف السكان وأودعوه السجن بتهمة التشرد.
ظل المحامي مشدوداً إلى لغز بارتبلي، يشعر بالأسى تجاهه، فزاره في السجن واتفق مع متعهد الأغذية الذي يتولى تحسين وجبات السجناء على أن يعتني ببارتبلي، ودفع له النقود اللازمة، لكن بارتبلي فضَّل «ألا يأكل» حتى مات. بعد ذلك، سنكتشف أن بارتبلي الذي أخل بانسجام المكتب، وبانسجام المحامي مع حياته، كان يعمل قبل ذلك بالبريد، كاتباً في مكتب «الرسائل الميتة»، وهي الرسائل التي لا يُستدل على العنوان المرسلة إليه، وتقبع في تلك المقبرة. هكذا، نعرف من أين أتى بارتبلي بيأسه وعدميته.
الانسجام مبدأ عام في الحياة من أتفه الأشياء لأعظمها؛ ثلاثة أرباع الثرثرة في حفل زفاف تنطلق من مبدأ الانسجام أو عدمه: انسجام العروس مع العريس، انسجام الموسيقى مع طبقة المدعوين، انسجام الطعام، انسجام كل شخص مع ما يرتديه، انسجام امرأة مع مرافقها.
هز بارتبلي انسجام طاقم المكتب عندما ظهر، وهز الانسجام النفسي للمحامي عندما أصرَّ على الموت، وهز انسجامنا نحن القراء في نهاية النوفيلا. وقد كانت متابعة عدم الانسجام في مكتب صغير أهون علينا من اكتشاف هوة العدم المؤسفة. تختلف السينما قليلاً عن الأدب؛ لا تغامر بإيذاء المتلقي إلا نادراً، لأنها فن يدفع الجمهور تكلفته مباشرة، لذلك تُفضِّل في الغالب إعادة الانسجام.
من حسن الحظ أن كل عنصر في الكتابة يعزز نقيضه، ويتعزز به. ينشأ تماسك العمل الفني وانسجامه النهائي من الاختلاف. الناعم بحاجة إلى الخشن، والصلب بحاجة إلى الليِّن. هذا هو القانون الموحد للبناء في كل الفنون. في رحلة السندباد الثالثة يواجه المسافرون الذين تحطمت سفينتهم خطر الأقزام على الجزيرة في الصباح، ويجدون قصراً يحتمون به في الليل، فينزل لهم من سقفه وحش عملاق.
ويمكن لعدم الانسجام الواضح جداً أن يصنع عظمة رواية، وأن يرسم ملامح شخص لا يُنسى. كل شخصيات دوستويفسكي تعاني عرضاً أو أكثر من أعراض عدم الانسجام في داخلها، ومع المجتمع.
وفي كثير من الثقافات، نجد نكتة بطلها نموذج السكير غير المتناغم مع السكر الذي يمعن في الشرب كي ينسى عار أنه سكِّير. وقد صنع دوستويفسكي من هذه النكتة أبطالاً ميلودراميين، مثل مارميلادوف في «الجريمة والعقاب». ومثله، صنع أنطوان دو سانت إكزوبري سكِّيره في «الأمير الصغير»، وجعل الصبي يتعجب منه ومن غرابات الراشدين! لكن راسكولنيكوف وإيفان كارامازوف هما أكثر شخصيات دوستويفسكي ألماً ولمعاناً بسبب عدم انسجامها.
لنفكر لماذا يعيش «السيد أحمد عبد الجواد»، بطل ثلاثية محفوظ، في وجداننا، ولماذا ارتفع ليصبح واحداً من النماذج الأصلية في تاريخ الرواية، رغم أنه لم يرتكب جريمة بشعة مثل راسكولنيكوف، ولم يصل مجونه إلى مستوى مجون زوربا اليوناني؟ سره في عدم الانسجام بين حياته العلنية وحياته السرية، وقد تكفل حزنه على استشهاد ابنه في ثورة 1919 بتحقيق انسجامه لسنوات، ثم حققت أمراض الشيخوخة انسجامه النهائي.
وهل كانت إيما بوفاري تشكو من شيء سوى عدم الانسجام مع شارل، الزوج المتفاني، الذي أثبت أنه أكثر الرجال قدرة على الحب والغفران؟



مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».