حكايات فولكلورية... من «أسطورة البئر» إلى «معين اللسانيات»

حكايات فولكلورية... من «أسطورة البئر» إلى «معين اللسانيات»

ذاكرة حمزة المزيني في سيرته التي «استقرت بها النوى»
الثلاثاء - 13 جمادى الآخرة 1442 هـ - 26 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15400]

فألقت عصاها واستقرت بها النوى
كما قرت عَيْناً بالإيابِ المسافِرُ
بهذا البيت للشاعر الجاهلي عمرو بن سفيان البارقي، المشهور بـمُعقر بن أوس، استهل الدكتور حمزة بن قبلان المزيني، أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود سابقاً المؤلف المتخصص في اللسانيات والترجمة، سيرته التي صدرت مؤخراً عن دار «مدارك» للنشر، واقتطع ثلاث كلمات من هذا البيت وعنون سيرته بها: «واستقرت بها النوى»، مريحاً القارئ من عناء السؤال عن دلالات هذا العنوان، مضيفاً لذلك مقولة الكاتب الأميركي فرانكلين جونز: «لا تكشف السيرة الذاتية شيئاً سيئاً عن كاتبها سوى ذاكرته». لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فجاءت سيرته حافلة بما يستحق التوقف عندها.
رصد حمزة المزيني الذي ولد في وادي العقيق، في ضاحية المدينة المنورة الغربية الجنوبية، عام 1944، في سيرته تفاصيل دقيقة أشبه بالتاريخ الشفوي، وبقصص هي لوحات فلكلورية أشبه بالأساطير، غطت فترة طويلة منذ ولادته ونشأته ودراسته في المدينة المنورة وبداياته بالقراءة، ثم مجيئه إلى الرياض وحصوله على شهادة البكالوريوس من قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الرياض (جامعة الملك سعود أصلاً ولاحقاً) عام 1971. وبعدها دراسته في بريطانيا، ثم في جامعة تكساس في أوستن عام 1981، وحصوله على الدكتوراه في تخصص اللسانيات. وعند عودته إلى الوطن، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود حتى تقاعده رسمياً في عام 2002. وخلال هذه المسيرة، أصدر 16 مؤلفاً، بالإضافة إلى ترجمة 23 كتاباً في اللسانيات وغيرها، وله أيضاً مشاركات كتابية في الصحف السعودية والعربية عن قضايا الشأن العام والتعليم، وقضايا فكرية تتصل بالدين واللغة والاجتماع. كانت حصيلتها أكثر من 650 مقالاً. كما ألقى عدداً من المحاضرات في النوادي الأدبية والمنتديات الخاصة والجامعات. إضافة إلى ذلك كله، شارك المزيني في عدد من المؤتمرات المتخصصة في اللغة العربية واللسانيات والترجمة والقضايا الفكرية، داخل بلاده وخارجها.
وطرح الدكتور حمزة المزيني في سيرته تفاصيل دقيقة هي أقرب إلى الميثولوجيا، لعل أحدها «بير برود»، وهي بئر رئيسية في نزلة تحمل اسمها، حيث ولد صاحب السيرة، وتم تداول في تفسير اسمها أشياء كثيرة. وتتميز هذه البئر عن غيرها في المنطقة بأنها واسعة جداً، إذ تتكون من بئرين متجاورتين موصلتين، وبغزارة مائها الذي كان يجذب منها بالسواني. وتروى عن هذه البئر التي يعود تاريخها إلى عهود بعيدة بعض الأساطير الطريفة، منها أن السيل هدم جانباً من طيها في إحدى السنوات، فأخذت الهموم صاحبها في أول ليلة بتلك الحادثة، ولم يستطع النوم، فتوجه في منتصف الليل نحو البئر مهموماً، لأن انهدام طي البئر يترتب عليه أن يموت زرعه ظمأً لا محالة. ولما اقترب من البئر، اعترض طريقه رجل، وأمره بأن يعود إلى بيته وينام، فعاد خائفاً مهموماً. ولما أصبح ذهب إلى البئر، فوجد أن الطي قد بني، وعاد إلى حالته التي كان عليها قبل السيل، وفسرت تلك الحادثة أسطورياً بأن الجن هم الذين أعادوا بناء الطي ليلة البارحة!
وعرج المزيني على الحديث عن قصة كفاح الآباء والأجداد، متناولاً كفاح أمه: «بعد أن توفي أبي ونحن صغار، كانت أمي تكاد تكون العائل الأول لنا، إذ كان محصول المزرعة لا يغطي حاجتنا كلها. وقد عوضنا الله (تعالى) عن فقد أبي بها، فرعتنا رعاية لا يوفيها حقها عنها ذكرها الجميل؛ كانت تتولى الصرف علينا من مردود ما كانت تشتغل به من أعمال مختلفة، ومن تلك الأعمال أنها كانت تعتني بالنعناع الحساوي (الذي كانت تشتهر به منطقتنا الحسا، وينسب إليها). كما كانت تذهب بنا يوم الجمعة إلى المدينة ببضاعتها، وتشتري لنا أنواع الحلويات والبسكويتات والفاكهة. وكانت تنفق على ذلك كل ما تحصل عليه من عائد، ولا تدخر منه شيئاً لنفسها».
وفي حديثه عن تجاربه الحياتية في الفترات التكوينية الأولى، عد المزيني (صاحب السيرة) أنها نتاج صدف تمليها الظروف التي ينشأ فيها الفرد مثل كل البشر، وتحيط بهم وتدفعهم إلى اتجاه بدل من اتجاه آخر، ذاكراً في هذا السياق قصة التحاقه بالمدرسة الصناعية بعد حصوله على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية. وكان المجال الوحيد لمواصلة دراسته إما الالتحاق بمعهد المعلمين أو المدرسة المتوسطة، فاختار الأولى، لكن لجنة القبول لم توافق على إلحاقه بالمعهد لأسباب تتعلق بعدم تأهيله جسمانياً من ناحية الطول لانتفاء صفة التميز عن الطلاب الذين سيدرسهم بعد أن يتخرج، فاتجه إلى الالتحاق بالمرحلة المتوسطة، لكنه لم يتمكن من الحصول على مقعد دراسي فيها لاكتفائها من الطلاب، فما كان منه إلا الالتحاق بالمدرسة الصناعية، حيث اختار صاحب السيرة تخصص الميكانيكا، ثم الحدادة، ثم الخراطة، ليقطع دراساته بعد عام رغم تفوقه، إذ آثر الالتحاق بالمرحلة المتوسطة التي كانت بعيدة مسافة طويلة عن مسكنه، ولا يستطيع الوصول إليها إلا بصعوبة، من خلال الركوب مع شاحنات القلاب التي تنقل الأتربة والرمال.
وبعد عودته من بعثته الدراسية، بدأت علاقة المزيني بالكتابة الصحافية، حيث دخل في سجالات صحافية مع زملائه بالجامعة، لعل أبرزها مع الدكتور مرزوق بن تنباك، عن تأثير دراسة اللهجات العربية على اللغة العربية، وقضية السرقات العلمية التي يسطو فيها بعض الباحثين على ما أنجزه باحثون آخرون، من خلال قصة سطو الدكتور رمضان عبد التواب على ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار لكتاب المستشرق الألماني «يوهان فك». كما شارك في سجال مع أحد الطلاب القادمين من المدينة المنورة، حيث اختار الطالب موضوعاً في رسالة للماجستير عن لغة قريش، عد فيها أن اللغة العربية الفصحى هي لغة قريش، ولم تزد أدلته في ذلك على الأدلة التقليدية المعروفة نفسها، وقد سميت هذه القضية «معركة لغة قريش»، واشتهر المزيني بمقال بموضوع «الخفاش الأسود»، أحد أبرز الحضور في عالم المنتديات الإلكترونية الذي كتب عن صاحب السيرة أبشع ما يمكن أن يكتب، مشحوناً بالشتائم والألفاظ النابية، وكان مؤثراً في تأليب المغرضين عليه، ليكشف صاحب السيرة أن ذلك الشخص لم يكن سوى إمام المسجد الذي كان يصلي فيه المزيني.
وقد جه المزيني جانباً من نشاطه الكتابي الصحافي لمكافحة التوجهات الطائفية والتطرف الديني، ومظاهر التطرف الديني في المناهج الدراسية في التعليم العام، والنشاطات التي تقام في المدارس وتعزز ذلك التطرف.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة