عزيزة الطائي: الأدب الخليجي أصبح أكثر وعياً بالواقع وتفاعلاً مع القضايا الإنسانية

الناقدة العمانية تقول إن هناك كاتبات لم يكملن مسيرتهن بسبب الأعراف الاجتماعية

عزيزة الطائي
عزيزة الطائي
TT

عزيزة الطائي: الأدب الخليجي أصبح أكثر وعياً بالواقع وتفاعلاً مع القضايا الإنسانية

عزيزة الطائي
عزيزة الطائي

ترى الناقدة العمانية عزيزة الطائي، في هذا الحوار، أن وظيفة المثقف ليست الاعتراض والضدية بقدر ما هي تهدف إلى تشخيص الخلل في المنظومة الاجتماعية والثقافية، كما تحدثت عن القيود التي تعاني منها المرأة العربية، بخاصة الكاتبات، اللواتي لم يستطع كثير منهن مواصلة مسيرة الكتابة بسبب قيود الزواج والأعراف الاجتماعية.
هنا نص الحوار معها بمناسبة صدور كتابها «السرد في قصيدة النثر العمانية»:

> تؤكدين في كتابك الجديد أن قصيدة النثر استطاعت تحطيم الثوابت المستقرة... كيف ذلك؟
- بكل ثقة واطمئنان أقول ذلك من خلال تتبعي وقراءتي ودرسي لمجموعة من النصوص لعدد من الشعراء في هذه البقعة من الوطن العربي الكبير، فقد لاحظتُ من خلال تتبعي أن قصائد النثر في عُمان منذ بدايتها، حتى الآن، تشكل بحد ذاتها منظومة تستحق الدرس، إضافة إلى ما تميز به خطابها من أنساق ثقافية يلتقي في كثير منه مع السياق الثقافي الذي تشكلت فيه قصيدة النثر العربية. وقد اهتديت وأنا أحلل مضامينها إلى ضروبٍ من دواوين لشعراء تجسد قصائدهم هذا التفاعل بين الشعري والسردي في آن، وتبين لي قدرة الشاعر العُماني، وجرأته على الخوض في غمار التجريب والتحديث. فجاءت القصيدة مشحونة برؤى الحياة، وخلخلة القيم المتوارثة مع نسيج السياق الثقافي العربي. هكذا سعى شاعر قصيدة النثر في عمان واجتهد، فتجددت نصوصه مع عاصفة تغير بُنى القصيدة وإعادة بناء خصائصها الفنية، وإنتاج «ثيماتها الموضوعاتية» التي تتسق مع الحياة العصرية، بل إنها جاءت لتدمير هذه القوالب التقليدية بشكل يتماهى مع رغبة الشاعر في تدمير كل ما من شأنه أن يقف دون حياة الإنسان بلغة تستوعب الجروح المعاصرة والضياع الوجودي والفراغ المفضي إلى حدود العدمية لتتجلى المعاناة الإنسانية، كمنجز يخوض معاركه من أجل ترسيخ خطاب شعري لا يؤمن بالتجنيس المنغلق والأحادي الرؤية، بل على العكس بكتابة شعرية حداثية هجينة تستمد معطيات شاعريتها من القصة، والمسرحية في تداخل إيجابي يعصف ببنية الخطاب الشعري التقليدي.
> من خلال متابعتك للمشهد الإبداعي الخليجي، هل هناك اختراق لـ«المعوقات» التي تحد من حرية الإبداع بالنسبة للمرأة، والتي يسميها البعض «ثوابت المجتمع»؟
- بلا شك هناك العديد من المعوقات التي لا تزال الكاتبة تعاني منها، كما أن هذه الثوابت الاجتماعية أثرت في تشكلها، ليس على مستوى الحضور الإبداعي للمرأة الخليجية بشكل عام، بل على المضامين والموضوعات التي كتبت فيها من جهة، وانكفاء كاتبات كثيرات عن إخراج أعمالهن الإبداعية من جهة أخرى لأسباب عديدة أقلها رغبة الأهل وضغوط الزوج. والدليل على ذلك أن الكثير من التجارب النسائية توقفت عند أول إصدار لها إما بسبب الثورة على منجزها الذي أخرجته لأنه اخترق نسيج المجتمع، أو ارتباط الكاتبة في عمر مبكر، ما ساعد على توقف إبداعها. ومن جانب آخر نجد المبدعة صارت تنحت ذاتها شعراً وسرداً أكثر من التفاتها لقضايا اجتماعية أخرى، مما قادها إلى إهمال قضايا سياسية أبرز، واقتصادية أهم، لا يزال المجتمع الخليجي يعاني منها، إثر التحولات التي اخترقت نسيجه على مستويات عدة. عموماً الأمر بحاجة إلى تشخيص لواقع حال الكاتبة بشكل عام بالتعزيز من حضورها، وبالدعم والتشجيع وتوعية المجتمع بأهمية تمكين إبداع المرأة على كافة الأصعدة.
> إلى أي حد حملت روايتك «أصابع مريم» هذا الرفض للأفكار التقليدية التي تكبل المرأة العربية، وتفرض الوصاية عليها؟
- من الصعب الحديث عن رؤية الكاتب لمنجز إبداعي كتبه، ولكن سأضع نقاطاً موجزة لفتح قوس لبعض القضايا المثارة في متن الرواية. فرغم اكتظاظ «أصابع مريم» بصوت الأنثى الشرقية بصورة عامة. فالخطاب السردي الذي اتكأت عليه هو خطاب يحمل لقارئها سيلاً متدفقاً من أصوات النساء اللاتي يمثلن صورة ليست ببعيدة عن واقع المرأة العربية بشكل عام حتى لو انطلقت من البيئة العمانية، لذلك نجد اللغة مشحونة بالألم والوجع، الجرأة والعنف، السخرية والتهكم؛ وكأن الرواية جاءت للتعبير عن إشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع عربي ينتصر للرجل ويدين المرأة؛ بل تتجسد فكرتها حول صراع المرأة وتمردها على تقاليد المجتمع وأعرافه.
ويتجلى الصراع بين التمرد والاستسلام على مستويات عدة، منها التباين الثقافي بين الأب والأم في الأسرة الواحدة وصراع المجتمع وغليانه بكمية هائلة وخفية من التفاوت الطائفي والإثني والطبقي، فضلاً عن استسلام المرأة وخضوعها وخوفها من التمرد والطلاق. فالحكاية تصب في مجرى هموم الأنثى وتأزمها، وهناك محطات أخرى، يطرح من خلالها علاقات مأزومة حيناً ومبهجة حيناً آخر بين الذكر والأنثى، لكنها عندما تصطدم بما يدور في المجتمع تتشظى.
> تبدو الكثير من أفكارك المنبثة في نصوصك الإبداعية، وكأنها تحمل روح الرفض والتمرد دائماً، فهل تؤمنين بمقولة سارتر «وظيفة المثقف أن يعترض»؟
- أؤمن تماماً بأن المثقف جزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية بأكملها، وعليه أن يعري المجتمع ويخلخله بكل ما يحمله سلباً وإيجاباً. وأؤمن أن وظيفة الكاتب ليست الضدية والمخالفة بقدر ما هي تصحيح المسار الاجتماعي، واختراق الظل، والمهمش، والمعظم، الصالح والطالح، المرغوب وغير المرغوب. وتأتي الإجابة على أهمية هذا السؤال متمثلة في وعي الكاتب، وقدرته على انتقاء الجنس الأدبي الذي يلائم فكرته. والإشكالية ليست مخالفة الرأي العام أو مسايرته، التمرد عليه أو الخضوع له؛ بل قدرة المبدع على اقتناص الموضوع الذي يشغل المجتمع وكينونة ناسه، ذلك الموضوع الذي يكتبه بفكره وإحساسه، ويستطيع التأثير من خلاله على أكثر شريحة في المجتمع وفئاته. هذا لا يتأتى إلا بوعي الكاتب وثقافته وموضوعيته وفهمه وقراءته للمحيط والمعيش من حوله. نحن نستل الموضوعات من المآسي والجروح والإحباطات والانكسارات، والمسألة تكمن في القضايا المجتمعية الكبرى كيف نستطيع اختراقها وتصحيحها، وخلخلة ثوابتها... لذلك مقولة سارتر، وإن اتفقت معها، لا أجعلها مثالاً لأي عمل أنوي كتابته، فثيمة العمل وواقع الحدث هما اللذان يفرضان نفسيهما على تجلي الفكر. نحن نصنع الرؤية التي نريد الحديث عنها، ونرسم الرسالة التي نريد توجيهها بالمخيال الذي نمتلكه، وبالحس الإنساني الذي نعيشه.
> إلى أي حد يملك المثقف الخليجي هامشاً للتعبير عن آراء قد تخالف التيار العام؟
- هذا سؤال في غاية الأهمية. علينا النظر إلى واقع المثقف ومعاناته في مجتمعاتنا العربية بموضوعية وتوازن، كون المثقف والمبدع الخليجي، بل المبدع العربي، محاصراً من السلطة والمجتمع معاً. ولكن هناك كثيرين كرسوا أقلامهم لتكون حرة أبية، لا تهادن جبروت السلطة، ولا تلين أمام ثوابت المجتمع، فنوعوا في كتاباتهم، وسبروا قضايا خلخلوا فيها كل القيود والسلاسل والثوابت بل المسكوت عنه، فبرز لنا أدب متنوع من جدران السجون، وقعر الهامش، وأصبح التفاعل مع القضايا العربية على مستويات عدة، وبرزت أعمال تناولت هموم العرب والقضايا الإنسانية والتحولات السياسية والاقتصادية التي اخترقت النسيج العربي العام.
> برأيك هل ثمة خصوصية ما تميز الشعر العماني عن نظيره في دول الخليج العربي؟
- أيضاً سؤال مهم جداً، كون الشعر العماني له جذور قديمة ممتدة في التاريخ، وخاض كل تحولات الشعر العربي وقضاياه في أزمنة متفاوتة. فقد عُرِف نظم الشاعر العماني منذ العصر الجاهلي كون عمان امتدت جغرافياً تفاعل من خلالها مع قضايا الأمة العربية منذ وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو، وتواصل مع رموز الشعر العربي كأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي، وحمل قضاياه إنسانية أينما حل وارتحل لذلك تميز برصيد مهم من القصائد، واكبت وتزامنت مع التحولات التي طرأت مع تطور القصيدة العربية فكتب مبكراً شعر التفعيلة كعبد الله الطائي، وبدأ كتابة قصيدة النثر تزامناً مع القصيدة العربية كسماء عيسى وسيف الرحبي.
وهناك تجارب أدبية، شعراً أو سرداً، تمكنت من الاشتغال على نفسها، واستطاعت مناطحة التجارب الكبرى. وفي المقابل هناك تجارب لا تزال بحاجة إلى الدعم والتشجيع وهي كثيرة.
وللأسف الشديد كانت هناك نظرة دونية للمبدع والكاتب والنقد الخليجي؛ ولكن أرى أنها بدأت تتراجع نوعاً ما في الآونة الأخيرة وتخف وطأتها لعدة أسباب، منها ربما قنوات التواصل والاطلاع على منجز الكاتب، والتعرف عليه ما قد يشكل سبباً في دفع الناقد العربي أن يلتفت لبعض التجارب الجادة التي استطاعت أن تكتب بمراس وتحمل قضايا محلية وقومية وإنسانية جادة.
> في هذا السياق، كيف ترين إنكار البعض لعمق التجربة الإبداعية الخاصة بأدباء الخليج، بزعم أن المبدع الخليجي لا يمتلك أسباباً حقيقية للمعاناة بسبب حياة الرفاهية والدعة التي قد يعيشها؟
- هذه الفكرة انطلقت من دول المركز، ظناً منها أن الرفاهية لا تخلق إبداعاً؛ ربما نتفق معهم إلى حد ما كون المجتمع الخليجي تأخر قليلاً عن أشقائه بسبب ظروف الحياة المجتمعية التي عانى منها تعليمياً وثقافياً وسياسياً؛ ولكن مع ارتياد العلم وحضور الثقافة نجد أن الأدباء في الخليج تنوع نتاجهم وتطور فكرهم بما يتلاءم وواقع المجتمع العربي والعالمي الجديد، وأصبح هناك العديد من المثقفين والمفكرين الذين أسهموا بحراك المشهد الثقافي العربي، وأصبحت هناك مؤسسات ومراكز معنية بالثقافة وتنميتها. ولو تساءلنا بشفافية: ألا يوجد في هذه الدول التي غرقت بالنفط معاناة؟ ألا يوجد بها مهمشون على قارعة الطريق؟ ألا يعاني الإنسان فيها من أزمات وغبن وظلم؟ ثم ألم تتعلم شعوبها وتستطيع أن تدرك ما يحدث حولها وفي رحم أحشائها؟! وهل هناك شعب يخلو من معاناة؟
لعل هذه الأسئلة كلها كفيلة بالإجابة عندما نشهد إصدارات خليجية استطاعت قراءة الواقع بوعي وإدراك، كما أنها استطاعت التفاعل مع قضاياه العربية والإنسانية، وقدمت لنا نصوصاً شعرية ونثرية جديرة بالالتفات والنظر والدرس.
> على ضوء ما سبق، هل اختلف المشهد الأدبي العربي الذي كان يقوم في السابق على مراكز مثل القاهرة وبيروت وبغداد، فيما بقية العواصم هي الأطراف، كيف ترين ذلك حالياً؟
- لا شك أصبحت هناك نظرة أخرى لطبيعة حضور وتفاعلات المشهد الثقافي والأدبي على مستوى الوطن العربي. رغم أن هيمنة الحواضر لا تزال تأسرنا كشعوب خليجية وتعد مرجعية كبيرة لنا، مع حضور مركز آخر تمثل في المغرب العربي. لقد أصبح المشهد الخليجي يستقي من مركزية المشرق ممثلاً في المراكز الأدبية الأولى كمصر والشام والعراق، فضلاً عن المغرب بحداثته ورؤاه الفرنسية. وأصبحنا نثق بالباحث والناقد والمفكر العربي من المشرق أو المغرب أكثر من ثقتنا بالباحث والناقد والمفكر الخليجي، ونفرح فرحاً عظيماً إن درس أحدهم منتجاً لنا أو جاملنا في إصدار خرج للنور. وأرى أن هذه آفة كبيرة ستودي بالمبدع الخليجي إلى مأزق عدم الثقة بنفسه وبعمله وبحراك المشهد الثقافي الذي هو منه وإليه. لذلك تتفشى بيننا أمراض ثقافية بحاجة إلى نفض الغبار عنها بهدف إعادة الاعتبار إلى أنفسنا، كي يسير المشهد الثقافي بثبات ورسوخ علميين، والبعد عن «الشللية» التي تقود إلى التجريح أو الإحباط، والتحصن بالموضوعية والعلمية، ليبقى المشهد الثقافي العربي نقياً ملهماً راسخاً له حضوره ورؤيته محلياً وعربياً وعالمياً.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.