تونس: «شبهات فساد» تحوم حول وزراء في التعديل الحكومي

تمسك المشيشي بالأسماء المقترحة قد يدخله في صراع مع الكتل الداعمة له

جانب من المظاهرات الشعبية التي تواصلت أمس ضد الحكومة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرات الشعبية التي تواصلت أمس ضد الحكومة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

تونس: «شبهات فساد» تحوم حول وزراء في التعديل الحكومي

جانب من المظاهرات الشعبية التي تواصلت أمس ضد الحكومة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرات الشعبية التي تواصلت أمس ضد الحكومة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

يتجه هشام المشيشي، رئيس الحكومة التونسية، للحفاظ على قائمة الوزراء التي اقترحها خلال التعديل الوزاري الأخير، غير عابئ بانتقادات الأحزاب السياسية، سواء من الحزام السياسي الداعم له أو من أحزاب المعارضة التي شككت في سيرة 3 وزراء مقترحين على الأقل، واتهمتهم بشبهات فساد، فيما تصر أطراف أخرى على أن معظم الوزراء الـ11 الجدد من المنتمين أو المقربين من حزبي «حركة النهضة الإسلامية» و«قلب تونس».
وللرد على هذه الانتقادات، كشفت رئاسة الحكومة عن إجراء مجموعة من التحريات، عن طريق الهيئة التونسية لمكافحة الفساد، وهيئات الرقابة التابعة لمصالح رئاسة الحكومة، خاصة حول المعطيات المتعلقة بوزيري الصحة والتشغيل المقترحين في التعديل الوزاري. وأكدت في بياناتها أن ما يروج من اتهامات «لا يرقى إلى مستوى شبهات الفساد وتضارب المصالح». وكانت قيادات من حركة النهضة، المتزعم للحزام السياسي الداعم لحكومة المشيشي، قد تحدثت عن طلب إجراء تعديل جديد على التعديل الحكومي قبل عرضه على البرلمان الثلاثاء المقبل، وطالبت بالاستغناء عن بعض الأسماء التي حامت حولها شبهات فساد وتضارب مصالح، حتى تتمكن من منح ثقتها لأعضاء الحكومة الجدد دون تعرضها لانتقادات.
وفي السياق ذاته، أكدت منظمة «أنا يقظ» (منظمة حقوقية مستقلة) أن التعديل الوزاري المقترح يضم أسماء «مشبوهة مثيرة للجدل تم اعتمادها في إطار حسابات حزبية وسياسية». واتهمت رئيس الحكومة بعدم الاتعاظ من أخطاء سابقيه، مذكرة بأن تضارب المصالح «كان السبب المباشر في استقالة حكومة إلياس الفخفاخ»، مشددة على ضرورة التحري، وحسن اختيار أعضاء الحكومة وإطارات الدولة، والابتعاد عن التعيينات المشبوهة التي تكرس فكرة «الحصانة السياسية».
يذكر أن منظمة «أنا يقظ» هي التي كانت وراء إثارة ملف نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس المتهم بتبييض الأموال والتهرب الضريبي، وكان من نتائج تلك الشبهات صدور أمر باعتقاله وسجنه. وكان رئيس الحكومة قد أوضح غداة الإعلان عن تعديله الوزاري أنه حافظ على «فلسفة وطبيعة» الحكومة التي نالت ثقة البرلمان في بداية سبتمبر (أيلول) الماضي، معتبراً أنها «حكومة مستقلة غير متحزبة»، وتضم كفاءات «لا يشك أحد في نزاهتها»، مؤكداً تمسكه بالدفاع عن هذه الحكومة، على اعتبارها «خياره واجتهاده الشخصي الذي لن يتراجع عنه»، وهو ما يعني -حسب متابعين للشأن المحلي- رفضه التنازل عن خياراته، وعدم القبول بتعديل التحوير. وبهذا الخيار، يرى مراقبون أن المشيشي وضع حزامه السياسي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بما فرضه في تعديله، رغم الشبهات التي تلاحق بعض مرشحيه، أو إسقاط هؤلاء، والدخول في صراع مع رئيس الحكومة، وإضعافه سياسياً.
وفي غضون ذلك، تواصل أحزاب الحزام السياسي الداعم للحكومة، المكونة من «النهضة» و«حزب قلب تونس» و«ائتلاف الكرامة» و«تحيا تونس»، إضافة إلى «كتلة الإصلاح الوطني» و«الكتلة الوطنية»، مشاوراتها بهدف التوصل إلى توافقات، وعقد «صفقات» سياسية، سواء فيما بينها أو مع الحكومة.
وكانت كتلة «تحيا تونس» و«الإصلاح الوطني» قد اشترطتا استقلالية الوزراء المقترحين، لكن أسامة الخليفي، رئيس كتلة حزب قلب تونس، أكد انعدام هذا الشرط، بعد أن أكد أن من بين الوزراء المقترحين شخصية قريبة جداً من حزبه، وأخرى من حركة النهضة، وهو تصريح سيؤثر لا محالة على علاقة الحكومة بالأحزاب الممثلة في البرلمان. وفي هذا الشأن، قال جمال العرفاوي، المحلل السياسي التونسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن المشهد السياسي الحالي «يفتح على احتمالين أساسيين: إما مرور التعديل برمته، وتحقيق نصر للمشيشي، ليس فقط على حساب رئاسة الجمهورية، بل على حساب حزامه البرلماني الذي سيتكبد خسائر بمفرده، خاصة النهضة التي انقسمت كتلتها إلى شقين».
ويتابع العرفاوي: «أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في إسقاط أسماء وزارية مقترحة في جلسة المصادقة، وبذلك يفقد المشيشي الدعم السياسي للحكومة، ويصبح أضعف مما هو عليه، داخلياً وخارجياً، لأنه لن يستطيع أن يسوق لنفسه بصفته رئيس حكومة له القدرة على اتخاذ القرار وفرضه»، على حد تعبيره.
من جهة ثانية، تظاهر مئات التونسيين أمس في العاصمة ومدن أخرى احتجاجا على القمع الأمني وللمطالبة بسياسة اجتماعية أفضل، وذلك عقب أيام من الاحتجاجات الليلية شهدت أحداث عنف وتوقيف المئات.



«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.


الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
TT

الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)

تضع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، اقتصاد اليمن الهش أمام اختبار جديد، حيث تجد البلاد نفسها عُرضة لارتدادات مباشرة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.

وتتزايد الضغوط على العملة والأسواق المحلية في اليمن في ظل الاعتماد الكبير على الواردات الخارجية لتأمين معظم الاحتياجات من الغذاء الطاقة، بينما تؤكد الحكومة امتلاك مخزون سلعي يكفي أشهراً عدة، في وقت تشير مؤشرات السوق إلى ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

وتحاول الحكومة اليمنية احتواء التداعيات المحتملة للحرب الإقليمية؛ إذ حددت لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، خلال اجتماع طارئ برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أولوية حماية المعيشة واستقرار العملة الوطنية، والعمل على تحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة.

وناقش الاجتماع الحكومي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والخدمية والإنسانية في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة وتأثيرها المحتمل على سلاسل إمداد الغذاء والدواء والوقود، ودعا العليمي الجهات المعنية إلى الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما يضمن استمرار تدفق الواردات الأساسية ودفع رواتب الموظفين.

مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحث في اجتماع له تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، عرض رئيس الحكومة شائع الزنداني ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المؤشرات المالية والنقدية وخطط الاستجابة الحكومية للحد من تأثيرات الحرب، وقدَّما تطمينات بمستويات الأداء المالية العامة والاحتياطات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد اليمن ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود محلياً، بعد الارتفاع الذي تشهده عالمياً بسبب المواجهة المشتعلة في المنطقة؛ وهو ما سينعكس سريعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، عبر زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط المعيشية على السكان.

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني يوسف سعيد أحمد أنه من المبكر رصد كل آثار الحرب على الاقتصاد، غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى تداعيات محتملة واسعة، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بعد تصاعد الحرب في الخليج.

القدرة الشرائية لليمنيين مهدَّدة بمزيد من التدهور بعد اندلاع الحرب ضد إيران (أ.ف.ب)

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تجاوز سعر النفط حاجز 90 دولاراً للبرميل يضع اليمن في موقع المتضرر الأكبر؛ إذ تحولت البلاد منذ أواخر 2021 إلى مستورد صافٍ للنفط ومشتقاته بعد توقف صادراتها النفطية نتيجة هجمات الحوثيين على مواني التصدير.

هشاشة وانعدام يقين

وينوّه أحمد، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى احتمال أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، التي قد تصل إلى ثلاثة آلاف دولار إضافية لكل حاوية متجهة إلى المواني اليمنية، إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحنات؛ ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات.

كما يرجح تأثر سوق الصرف وتحويلات المغتربين والدعم الخارجي إذا طال أمد الحرب؛ ما يعزز حالة عدم اليقين في الاقتصاد.

وسط الركود الذي تعيشه الأسواق اليمنية تشتدّ المخاوف من ارتفاع وشيك للأسعار (أ.ف.ب)

وتفيد التقديرات الحكومية بأن المخزون السلعي من المواد الأساسية لا يزال عند مستويات آمنة، تكفي لفترة تقارب ستة أشهر، بدعم من تدخلات وتمويلات قدمتها السعودية، إلا أن خبراء الاقتصاد يرجّحون أن ما يتوافر في الأسواق لا يرقى إلى مستوى المخزون الاستراتيجي الحقيقي.

ولكون الاقتصاد اليمني اقتصاد حرب، ويعاني الهشاشة، فمن المتوقع أن يدفع ثمناً كبيراً في هذه الأزمة، حسب الخبير الاقتصادي مصطفي نصر الذي يؤكد أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحريين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع مباشرة في الأسواق اليمنية، خصوصاً وأن البلد تستورد معظم احتياجاتها من السلع الأساسية.

ويبين نصر لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية، قد يؤثر على المنح والمساعدات التي يتلقاها اليمن، خصوصاً أنه من الدول الهشة التي لا تملك استراتيجيات لتقييم المخاطر، أو مناعة لمواجهة مثل هذه الصدمات والتخفيف من المخاطر.

التصعيد الإقليمي يهدّد بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن والمزيد من خفض التمويل (أ.ف.ب)

وينفي نصر، وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إمكانية حصول اليمن على بعض الفوائد من هذه الحرب، مثل توجه خطوط الملاحة إلى ميناء عدن؛ بسبب عدم قدرته وكفاءته على استيعاب حركة السفن المتوقعة، إلا أنه يتوقع انخفاض الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية من إيران بفعل ما تتعرض له من استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ضرورة الإجراءات الاستباقية

تعهدت الحكومة اليمنية التي أُعيد تشكيلها أخيراً، بإعلان أول موازنة للدولة منذ 7 أعوام، واحتواء التضخم وتحسين معيشة السكان وانتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة.

ويذهب الأكاديمي الاقتصادي محمد قحطان إلى أن الحرب الدائرة تتصل بصراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل النفوذ الأميركي، وهي بعض المعطيات التي تحتم على الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي استشعار الخطر أمامها.

على الرغم من الاستقرار النسبي للعملة اليمنية تواجه الآن تهديد تأثيرات الحرب في المنطقة (أ.ف.ب)

ويشدد، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة استئناف تصدير النفط والغاز اليمني إلى الصين، والتي تُعدّ، بأمس الحاجة إلى بدائل الطاقة مع توقف الإمدادات من إيران ودول الخليج، إلى جانب الإسراع بإصلاح مصافي النفط في عدن لتغطية احتياجات السوق اليمنية من خلال عقود مع شركات صينية.

ويحذّر قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن؛ نظراً لاعتماد الحكومة الكبير على المساعدات الخارجية والواردات الغذائية، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من التدهور في الأمن الغذائي وأمن الطاقة ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمنع ذلك.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها مطلع هذا العام من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في اليمن الذي يواجه نحو 18 مليون شخص من سكانه خطر الجوع الحاد، بسبب مخاطر متداخلة من التطرفات المناخية والحرب وأزمات التمويل.