محاولة بريطانية لاحتواء التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا

دومينيك راب يؤكد دعم لندن الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي في الخرطوم

وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين خلال مؤتمر صحافي مع نظيره البريطاني دومينيك راب في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين خلال مؤتمر صحافي مع نظيره البريطاني دومينيك راب في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

محاولة بريطانية لاحتواء التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا

وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين خلال مؤتمر صحافي مع نظيره البريطاني دومينيك راب في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين خلال مؤتمر صحافي مع نظيره البريطاني دومينيك راب في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

تقود بريطانيا جهوداً حثيثة لاحتواء التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وللحيلولة دون تحوله لحرب بين البلدين الجارين، وينتظر أن يلعب وزير الخارجية البريطاني الذي أنهى زيارة للخرطوم، وغادرها إلى أديس أبابا، على حل النزاع وتهدئة التوتر، وذلك لكون بلاده هي التي وقعت الاتفاقية الحدودية عن السودان إبان الفترة الاستعمارية.
وقال الوزير دومينيك راب للصحافيين في مطار الخرطوم بنهاية زيارته للسودان، أمس، إن زيارته تتضمن إثيوبيا، وإنه سيعمل هناك على إيجاد حل معقول للنزاع، للحفاظ على مصالح الإقليم.
وأوضح وزير الخارجية السوداني المكلف عمر قمر الدين أنه قدم شرحاً لضيفه حول تطور الأوضاع، أكد فيه أن حدود السودان معروفة دولياً، وطلب منه إبلاغ أديس أبابا بذلك، وأن كلا من الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الإثيوبية توافقت على تحديد الحدود بين السودان وإثيوبيا فيما عرفت باتفاقية 1902.
ورغم المزاعم الإثيوبية بأن بريطانيا تحاملت على بلاده، تؤكد الشواهد التاريخية أن إثيوبيا وقعت الاتفاقية بكامل إرادتها ولم تكن مستعمرة وقتها.
وتؤكد الوثائق وعدد من الاتفاقيات أن حدود البلدين تم تخطيطها منذ ذلك الوقت، وأن المفاوضات اللاحقة بين البلدين تضمن اعترافاً إثيوبيا بالحدود، وأن الطرفين كانا يتفاوضان على إعادة وضع العلامات الحدودية التي أزيلت، وتقريب المسافة بين علامة وأخرى، بحيث تصبح مرئية منها.
من جهة أخرى، جددت بريطانيا تأكيد دعمها للحكومة الانتقالية السودانية، وأشارت السفارة إلى أن الزيارة جاءت «لإبراز الدعم للحكومة الانتقالية» التي تولت السلطة عقب الإطاحة بالرئيس المستبد عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019 على إثر احتجاجات شعبية ضد حكمه.
وأبدت لندن عزمها على تخفيف ديون السودان، وتقديم مساعدات مالية عينية له، وسلمت الخرطوم الجزء الأول منها والبالغ 40 مليون جنيه إسترليني (55 مليون دولار)، ضمن برنامج الدعم المالي المباشر للأسر لمواجهة آثار الإصلاحات الاقتصادية التي تجريها الحكومة السودانية. كما ستدفع بريطانيا مبلغ 300 مليون دولار، لتسوية متأخرات ديون سودانية لدى البنك الأفريقي للتنمية.
ووصل وزير الخارجية البريطاني «دومينيك راب» السودان، ليلة أول من أمس في زيارة تعد الأولى من نوعها لمسؤول بريطاني بهذا المستوى للسودان منذ نحو عقدين، أجرى خلالها مباحثات مع كل من رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ووزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين، ووزير العدل السوداني نصر الدين عبد الباري.
وأعلن الوزير راب رغبة المملكة المتحدة في مواصلة تعميق العلاقات مع السودان بقوله: «بين المملكة المتحدة والسودان علاقات تاريخية قوية، وشراكة تجارية نريد أن نرى لها الازدهار والنمو»، وأشار إلى «التقدم الذي أحرزته الحكومة الانتقالية».
وأكد راب دعم بلاده لجهود حكومة الخرطوم باتجاه التحول الديمقراطي والاقتصادي، فضلا عن عقده للقاءات مع «النساء اللواتي لعبن دوراً قيادياً في الثورة»، ووقف معهن على كيفية إسهام الدعم البريطاني للأشخاص المحتاجين.
كما التقى أثناء وجوده في الخرطوم عددا من رموز المجتمع المدني السوداني، بما في ذلك المحامية المدافعة عن حقوق الإنسان «سامية الهاشمي»، وعدد من الشخصيات البارزة في الثورة، وبينهن كل من «رفقة عبد الرحمن، أحلام خضر»، للتعرف على رؤيتهم لمستقبل السودان، ومناقشة كيف يمكن للمملكة المتحدة تقديم المزيد من الدعم.
وأعلن وزير الخارجية البريطاني تقديم مساعدات فورية تبلغ 40 مليون جنيه إسترليني لبرنامج دعم الأسر في السودان، لتزويد 1.6 مليون شخص بالدعم المالي المباشر أثناء تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الحيوية، وأبلغ رئيس الوزراء أن بريطانيا مستعدة لدعم تخفيض ديون السودان بمجرد تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها حكومته.
وبحسب مصادر صحافية، تناولت زيارة المسؤول البريطاني البارز للسودان، دعم برامج العدالة الانتقالية في السودان، وإعلان برنامج بريطاني لدعم حوار شامل بقيادة سودانية حول موضوع العدالة الانتقالية، إلى جانب العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها، ودعم الانتقال السياسي السلمي في البلاد، والعمل على الحد من التوترات الحالية في العلاقات السودانية الإثيوبية، واحتواء ملفي الحدود وسد النهضة الإثيوبي، والتباحث حول كيفيات عمل البلدين معاً بشكل وثيق.
وقال راب إن السودان يمر بمرحلة «حاسمة في تاريخه، وإن بلاده تفخر بالوقوف إلى جانب شعب السودان، ودعم رئيس وزرائه عبد الله حمدوك في قيادة الانتقال نحو الحرية والسلام والعدالة»، وأضاف: «تفخر المملكة المتحدة بالوقوف جنباً إلى جنب مع شعب السودان، ودعم رئيس الوزراء في رحلة هذا البلد نحو الحرية والسلام والعدالة».
وأبلغ راب رئيس الوزراء شكر حكومة بلاده وتقديرها على الأعمال الخيرية التي تقوم بها، بما في ذلك استضافة أكثر من 55 ألف لاجئ إثيوبي، فروا من القتال في إقليم تيغراي، وأن الهدف من زيارته تسليط الضوء على التزام المملكة المتحدة بمستقبل السودان الديمقراطي.
وأثناء الزيارة، وقعت وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي السودانية، مع وزارة الخارجية البريطانية مذكرة تفاهم، بموجبها تفي المملكة المتحدة بالتزاماتها الخاصة بدعم الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة الانتقالية، ونصت على تسليم مساهمة بريطانية البالغة 40 مليون إسترليني.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية السودانية «سونا» عن وزير المالية المكلفة هبة محمد علي، أن وزارته وعقب توقيع المذكرة ستخصص لتمويل برنامج «ثمرات»، وهو برنامج لدعم الأسر الفقيرة عبر «صندوق الائتمان متعدد المانحين» التابع للبنك الدولي، لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
وقالت الوزيرة إن المبلغ جزء من مساهمة المملكة المتحدة التي التزمت بها مسبقا في مؤتمر شركاء السودان الذي عقد في العاصمة الألمانية برلين العام الماضي، وتعهدت محمد علي بمعالجة التشوهات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد منذ عقود.
وبدأت الحكومة السودانية في تنفيذ المرحلة الأولى من برنامج «ثمرات» لدعم الأسر الفقيرة، وهو يهدف لتخفيف الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها تلك الأسر، جراء المعالجات الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة الانتقالية، عبر شراكة بين وزارتي المالية والتخطيط الاقتصادي والعمل والتنمية الاجتماعية، ومؤسسات أخرى مختصة.
بدوره، قال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك عقب لقائه راب، إن بلاده حريصة على تعزيز التعاون مع المملكة المتحدة، بما يعكس روح علاقة الصداقة العريقة بين الشعبين.
وأشاد حمدوك بمواقف بريطانيا الداعمة للثورة السودانية، ودورها تجاه السلام، وفي إطار مجموعة شركاء السودان، متعهداً بالمضي قدماً في تنفيذ برامج المرحلة الانتقالية والتهيئة للانتقال الديمقراطي.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.