صورة شاعر... ذكرى قضية

محمود درويش في مصر

المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
TT

صورة شاعر... ذكرى قضية

المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971
المؤتمر الصحافي لدرويش بعد وصوله إلى القاهرة عام 1971

ليست القاهرة بالمكان الممتع لنجوم الشِّعر. وأفترض أن العيب ليس في المدينة أو في الشاعر النجم، بل في اجتماعهما!
لا تلبّي القاهرة فكرة الشاعر عن نفسه أو تحقق له صورته التي يراها في المدن الأخرى؛ فبينما يتجمع الآلاف في أمسية لشاعر كبير في مدرج جرش أو استاد اللاذقية الرياضي، لا يتجاوز حضور أمسية شعرية في القاهرة المئات المفردة.
وربما يستريح البعض إلى تفسير ذلك بعلاقة القاهرة بالشِّعر، لكنه يعود في الحقيقة إلى علاقة المدينة بالنجم؛ فهي لا تحب أن تتطلع كثيراً إلى السماء، وتريد من نجومها أن يتعلموا مهارة السير في الشوارع، وتضمن لهم ألا يفقدوا نجوميتهم. نموذجها نجيب محفوظ وعبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل. نجم يحيِّي العابرين ويسأل النادل عن أولاده قبل أن يستريح على كرسيه في مقهى الرصيف.
لهذا سيبقى سوء التفاهم قائماً بين النجوم من شعراء العرب وبين المدينة، لكن علاقة محمود درويش الشاب مع القاهرة تختلف عن علاقة أي نجم أدبي آخر، علاقة أم بابن لم يكمل عدة الرضاع.
وقد كرَّس الكاتب الصحافي سيد محمود كتاباً لاستقصاء هذه العلاقة، صدر أخيراَ عن «منشورات المتوسط» في 335 صفحة، نصفها متنه البحثي والنصف الآخر يضم نصوص مقالات كتبها كبار المثقفين المصريين عن درويش الشاب ومقالاته وحواراته وتغطياته والكثير من الصور.
بحث المؤلف في أرشيفات الدور الصحافية، وأجرى لقاءات مع شهود الوقائع الأحياء عاقداً المقابلات بين الروايات، لتقديم سردية متماسكة ومفصّلة للمرة الأولى عن سنوات احتضان القاهرة للشاعر في بداياته الأدبية. وقد كانت تلك الفترة موضع التباس في الوقائع والتواريخ بالإضافة إلى التباس وضع درويش نفسه بوصفه فلسطينياً يحمل الجنسية الإسرائيلية، والتباس اللحظة السياسية؛ حيث أعدت مصر عبد الناصر خطة استقباله، ووصل إلى مصر السادات!
التباس وضْع درويش، هو التباس وضْع كل الفلسطينيين في الأرض التي صارت إسرائيل بعد النكبة، ووجدوا في الانضمام للحزب الشيوعي الإسرائيلي وسيلة للتعبير عن حقوقهم. ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 احتدم النقاش داخل الحزب وكان من نتيجته خروج الأعضاء الفلسطينيين ومعهم نحو 200 إسرائيلي ليشكّلوا القائمة الموحدة «راكاح» وبين أعضائه درويش وزملاؤه من الشعراء الفلسطينيين الذين سيجري تهريب قصائدهم وينحت لهم الروائي غسان كنفاني عام 1966 مصطلح «شعراء المقاومة». ومع النكسة عام 1967 سطع اسم درويش وتوالت دواوينه التي صارت خمسة قبل أن يغادر إسرائيل نهائياً عام 1970.
قبل أن يرى محمود درويش القاهرة كان قد صار نجماً فيها. بدأ الأمر بمقالات الناقد رجاء النقاش الذي نشر في 22 ديسمبر (كانون الأول) 1967، بعنوان «مطلوب محاولة عالمية لإنقاذ هذا الشاعر» واستمر في رهانه على درويش. نشر تالياً قصائد لدرويش في عدد يناير (كانون الثاني) 1968 في مجلة «الهلال»، وقدمها بعنوان «الكلمات أيضاً تقاوم». وقد صنعت «الهلال» برئاسة تحرير كامل زهيري الحدث الأهم في حياة درويش المحاصَر بالعداء، فنشرت ديوانه «آخر الليل» كاملاً في عدد مايو (أيار) من العام ذاته، وتوالت الحفاوة المصرية. محمد إبراهيم أبو سنة ينشر قصيدة بإهداء لمحمود درويش، ويكتب عنه صلاح عبد الصبور مقالاً بعنوان «القديس المقاتل»، وكتب الناقد الفني كمال النجمي مطالباً الملحنين بتلحين قصائده.

حماسة ثم رفض

في البداية كان وضع شعراء المقاومة مفهوماً ودور فلسطينيي الداخل مقدّراً في الحفاظ على الوجود الفلسطيني داخل الكيان الجديد، لكن سيقع الارتباك وتخفت الحماسة العربية مع ظهور اسم محمود درويش ضمن الوفد الإسرائيلي المشارك في مهرجان الشبيبة العالمي بصوفيا عام 1968.
قوبل درويش بعداء سافر من كل الوفود العربية في المؤتمر، وسيتذكر درويش مع سميح القاسم في مراسلاتهما التي نشرتها مجلة «اليوم السابع» في الثمانينات ذكريات النبذ المؤلمة التي تعرضا لها، لكن المصريين كانوا الأقل تشدداً، الأغلبية قبلت التواصل وإن لم تقبل رغبة درويش بإلقاء شعره أمامهم.
في أثناء وبعد المؤتمر قادت صحف عربية حملة ضد درويش وسميح القاسم اللذين سارا تحت العَلَم الإسرائيلي. وتوالت ردود أفعال تجرّم التعامل مع درويش. وفي دمشق صدر قرار رسمي بمنع دواوينه، وقام حزب البعث بفصل الكاتب الفلسطيني فيصل الحوراني لأنه تجرأ واتصل بشبيبة الحزب الشيوعي الإسرائيلي.

بين أنياب الاحتلال

في صوفيا تشبث درويش بفرصة سفر إلى موسكو حيث قضى فترة قصيرة في مدرسة إعداد الكادر الحزبي، عاد بعدها إلى القدس، ثم حاول السفر إلى فرنسا لحضور ندوة جمعية الصداقة الفرنسية العربية، ولم يُسمح له بالدخول، وتجول في أكثر من مطار، حيث التقى في برلين الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) الذي أجرى حواراً مع درويش نشرته مجلة «المصور» المصرية، ومما جاء فيه على لسان درويش: «سمعت سميح يتحدث عن الخروج من إسرائيل إلى البلاد العربية فطلبت منه ألا يفعل ذلك. وقلت له إن قيمتنا أن نبقى هنا... أن نبقى في فلسطين المحتلة نكافح وندافع عن الوجه العربي لأرضنا».
عاد إلى حيفا، وقبل أن يستعد لزيارة موسكو مجدداً صدر أمر باعتقاله في بيته، وخضع للمراقبة، وكان عليه ألا يغادر حيفا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1969 صار تحديد الإقامة اعتقالاً، استمر حتى أول فبراير (شباط) 1970، ثم سمحت له السلطات بالمغادرة إلى موسكو في الخامس من مارس (آذار)، بموجب منحة للدراسة بمعهد العلوم الاجتماعية.
وفي موسكو أسهم الشاعر معين بسيسو، في بناء مجال عربي لدرويش؛ فعرف حسين مروة ومحمد دكروب وجيلي عبد الرحمن وسهيل إدريس الذي وضع صورة درويش على غلاف مجلته «الآداب» لكنه سيتعرف -عبر بسيسو كذلك- على شخصية استثنائية وهو الدكتور مراد غالب السفير المصري شديد القرب من عبد الناصر، وهو الذي سيرتب فكرة انتقال درويش للعيش في القاهرة.
ويبدو أن سفور أنياب الاحتلال ضد الشاعر التقت مع الظرف السياسي في مصر لترتيب هذه الخطوة. كان عبد الناصر قد رفض عرضاً بإعادة سيناء عبر صلح منفرد، معتبراً ذلك بيعاً لعروبته وتخلياً عن الشعب الفلسطيني، وبدأ في محاولته إنهاض العروبة الجريحة، ومن بين الجهود توثيق التواصل مع فلسطينيي الأرض المحتلة.

صناعة دولة

يرى سيد محمود قصة استقبال درويش في مصر نموذجاً لما يمكن أن تحققه دولة تمتلك مشروعاً سياسياً وثقافياً واضحاً. حسب رواية للسيدة ليلى شهيد، فقد قابل عبد الناصر الشاعر في موسكو، وبعد ذلك أرسل له جواز سفر دبلوماسياً مصرياً، وأمر بأن يعامل الشاعر الشاب معاملة كبار الشعراء. لا يجد سيد محمود مصدراً آخر يرجّح أقوال السفيرة التي كانت مقربة من درويش، ويجد نفياً من صديق آخر له هو السوري فاروق مردم بك. لكن عبد الناصر كان قد زار موسكو مراراً للاستشفاء أو طلب التسليح خلال إقامة الشاعر، وإن كان هذا اللقاء قد تم، ففي الغالب سيكون في زيارة يوليو (تموز) 1970، أي قبل وفاته بشهرين، وبعد أربعة أشهر من وجود درويش بموسكو، وربما يكون قد تعرف في المقابلة ذاتها إلى محمد حسنين هيكل.
وسيلتقي درويش في موسكو تالياً مع أحمد بهاء الدين الذي سيصير فيما بعد أباً روحياً له، وهذا هو وصف درويش له في حواره مع صافيناز كاظم فور وصوله. ويصفه سيد محمود بـ«ميدان كبير من الرحابة الإنسانية والكفاءة المهنية»، وعلى أي حال كان بهاء رئيس تحرير «المصور» وهو من أفرد لرجاء النقاش مساحات تقديم شعراء الأرض المحتلة، وعقب لقائه مع درويش عاد ليكتب عنه: «إنني أب لطفلين، لكنني لم أشعر شعوراً حقيقياً بمعنى فلذة الكبد إلا عندما رأيته. هذا قطعة مني».
عندما أنهى درويش منحته في موسكو اجتمع في سهرة وداعية مع الدارسين العرب، وأكد أنه عائد إلى حيفا، لكنه أعلن لاحقاً أنه وصل إلى القاهرة في التاسع من فبراير 1971 بعد رحيل عبد الناصر الفاجع سبتمبر (أيلول) 1970، ويعتقد فيصل حوراني أن درويش تمكن من تغيير وجهته في أحد المطارات بترتيب من السلطات المصرية ليصل إلى مطار بيروت ومنه إلى القاهرة.
كانت عملية وصوله نصراً سياسياً، ووُضعت الخطة لتجعل منه نجماً. استقبلته مصر الرسمية والثقافية، وتبارت المجلات والصحف والإذاعة في تقديمه، وفي السويس سيلتقي رجال المقاومة. في مقابل ذلك سيبدأ هجومٌ عربيٌّ، كان أشرسه في مجلة «الحوادث» اللبنانية. ويدافع عنه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، مقترِحاً عليه أن يعمل في الإذاعة لتعريف الجمهور بواقع شعبه تحت الاحتلال واستغلال معرفته بالعبرية لكشف الواقع الثقافي في إسرائيل، وسيكون هذا بالفعل أول عمل يزاوله درويش في القاهرة قبل أن يقرر هيكل إلحاقه بالعمل بـ«الأهرام».
لم يبقَ بين مثقفي مصر وصحافييها الكبار مَن لم يحتفِ بدرويش، ولاحقت الصحف أخباره، وبينها خبر عن عكوفه على كتابة فيلم عن الأرض المحتلة يُخرجه شادي عبد السلام وتقوم ببطولته سعاد حسني، لكنّ ذلك الفيلم لم يظهر للوجود. وبعد استقباله في شيراتون انتقل إلى شقة في حي جاردن سيتي الراقي يقطنها توفيق الحكيم. وكان لا بد من حاسدين على التدليل الذي يلقاه درويش، نجيب سرور يقول: «نحن أيضاً شعراء الأرض المحتلة». بينما أطلق الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام أغنية ساخرة.
تقول شهادات المحيطين إن درويش كان متحفظاً في علاقاته مع الناس، والأمر المؤكد أنه يتضايق من الحفلات العامة، وربما كانت رغبته في الحفاظ على صورته وراء تجنبه الانخراط في علاقات واسعة، بينما ترى الكاتبة الصحافية منى أنيس أن تشبث درويش بالعزلة يعود إلى طبيعته الخجول.
على أي حال، يغادر درويش القاهرة منتصف عام 1972، حيث نشرت مجلة «الطليعة» خبر مغادرته إلى بيروت، لكن علاقته بـ«الأهرام» ستستمر حتى 1974عندما بدا اختلاف خيارات السادات للقضية عن خيارات عبد الناصر.
لا يجد سيد محمود تفسيراً مقبولاً لمغادرة درويش بعد أكثر قليلاً من عام، فهل يكمن السبب في فرضية عدم الانسجام بين نجم وضعته مصر الرسمية في السماء، ومدينة تريد أن ترى وتلمس نجومها على الأرض؟



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.