تابوهات ليلى سليماني

حققت مبيعات عالية على المستوى العالمي وتُرجمت أعمالها إلى 18 لغة

تابوهات ليلى سليماني
TT

تابوهات ليلى سليماني

تابوهات ليلى سليماني

تفضل ليلى سليماني، الكاتبة الفرنسية المغربية الأصل، أن تكشف الجانب الخفي من حياة البورجوازيين المنزلية: شخصياتها المخبوصة بحكاياتها الدرامية النفسيجنسية مدهشة بذات الطريقة التي تدهشنا بها كرة من الشَّعر تسببت في حجز الماء حين نظل نسحب ونجد المزيد مما تحمله، مقاومين رغبةً في التقيؤ. روايتا سليماني الأوليان: «في حديقة الوحش» (نُشرت مترجمة عام 2019 بعنوان «أديل»)، وروايتها الفائزة بجائزة الغونكور «الأغنية الحلوة» (نُشرت مترجمة عام 2018 بعنوان «المربية الكاملة»)، تعرضان، على التوالي، الشبق النسوي وقتل الأطفال، مع أنهما تَحدثان في مشاهد باريسية منزلية مريحة.
ليلى سليماني كاتبة حققت مبيعات عالية على المستوى العالمي –تُرجمت أعمالها إلى 18 لغة والمزيد قادم– ونشرت مطبوعات محترمة مثل «النيويورك تايمز بوك ريفيو» و«النيويوركر» مراجعات متوهجة حول أعمالها. ويمكنني أن أفهم لماذا يجد العديد من القراء هذه المتعة الكبيرة في قراءة سليماني: إنها تكتب رواياتها كما لو كانت أفلاماً؛ فهي مفعمة بتحكم عفوي بأنواع التحرك والترقب والصور المفاجئة التي تجعل مشاهدي السينما على أعصابهم.
وفي حين أن هذه مقادير مناسبة للنجاح التجاري، فإنها ليست معياراً للقيمة الأدبية. على الرغم من كل القوة والجسارة التي تتعامل بها سليماني مع الموضوعات التي «لا تقال»، فإن موهبتها تكمن في مجالين رئيسين: إقناع الآخرين بأنها أول مَن كسر حدود تابوهات مكسورة سلفاً، واختراع حبكات مثيرة تمنح القارئ كمّاً لذيذاً من الصدمات وتُنتج ما في الخطيئة من قشعريرة تتراوح بين المعتدلة والضخمة (حسب حساسيات القراء) وكلها نتيجة لإغراق معظم القراء في أفعال من المتوقع أنهم يتنكرون لها –مثلاً قلب عربة رضيع مملوءة برضيع ومشتراوات البقالة.
منذ فازت روايتها «المربية الكاملة» بأرفع الجوائز الأدبية الفرنسية (الغونكور) عام 2016، وسليماني تحتل الواجهة بوصفها أكثر وجوه الأدب الفرنسي حضوراً في المشهد (واللغة الفرنسية حيث عملت سفيرة الرئيس ماكرون للشؤون الفرنكوفونية، وهي وظيفة قَبِلتها بعد أن رفضت عرضاً بأن تكون وزيرة للثقافة). ومع الصعود المستمر لمكانة سليماني وتأثيرها، من المهم الاقتراب أكثر من أعمالها والتعرف على قيمتها سواء من حيث هي أدب ومن حيث هي تدخّل في السياسات النسوية الدولية، مثل الصراع ضد القوانين القمعية في المغرب التي تعاقب المثلية والجنس خارج الزواج.
هل الإثارة التي سبّبتها سليماني تستحق فعلاً التكريم (والمبيعات الضخمة) التي حققتها أعمالها؟ وإذا نظرنا إلى أن روايات سليماني وأعمالها غير السردية تتصل بالطبقة والجنس والجنسية، هل لكسرها التابو فعلاً تأثير يؤدي إلى تسوية التعقيدات الصعبة؟ أخشى أن أسلوبها المميز يؤدي في النهاية إلى تعميق، ربما دون قصد، الثنائيات والتقسيمات التي ستنتقدها سليماني بالتأكيد من حيث هي مثيرة للبغضاء.
لقد حصلت سليماني في فرنسا على تكريم مبهر: اعتُبرت ثاني شخص فرنسي في العالم من حيث التأثير (بعد مصمم الأزياء هيدي سليمان مباشرةً وقبل نجم كرة القدم كيليان مبابي)؛ وأُثنيَ على مناداتها الشرسة بحقوق المرأة (في المغرب بصفة خاصة)؛ وأُفردت لها صفحات المجلات البرّاقة التي تُظهرها تلبس الأزياء على طاولة مطبخها، وبأناقة آسرة.
كان صعود سليماني صاروخياً إلى درجة أن السياسي الاشتراكي مانويل فالز، حين أعلن ترشحه للرئاسة الفرنسية عام 2016 وضع سليماني على نفس المستوى الذي يقف عليه عمالقة الأدب: «روح فرنسا هي الثقافة، الإبداع، وتميزنا الرائع، إرثنا، مشاهدنا، إبداعنا، هي التقنية الفرنسية المعروفة في كل القارات، ولكنها أيضاً لغتنا، اللغة الفرنسية: لغة رابيليه، هوغو، كامو، سيزير، بوفوار، موديانو، أو ليلى سليماني».
تعمل اللغة بيدي سليماني على صدمة القارئ على مستويين: أولاً، بتقديم محتوى مثير يتضمن الجنس والقتل (بين موضوعات أخرى)، وثانياً، بسرد المحتوى بعاطفة ونغمة متماسكة على نحو درامي. نستطيع أن نرى ذلك النزوع إلى الصدمة في روايتي سليماني الأوليين.
تتضمن رواية «أديل» قصة صحافية باريسية تتسم بالشبق النسوي ولا تستطيع السيطرة على رغبتها في معاشرة الرجال دون تمييز، وبغضّ النظر عن الخطر الذي يمثله هذا الإدمان على حياتها البورجوازية المحترمة التي يشاركها فيها زوج جراح وابنهما الصغير. تمضي الحبكة إلى الأمام مثل سيارة تتحرك نحو حافة جبل وباتجاه نهاية غير سعيدة لا يحصل فيها أحد على ما يريد ويخسر فيها الجميع ما يملكون.
«المربية الكاملة» تقدم أيضاً نهايات غير سعيدة للجميع في حكايتها المرعبة التي تدور حول مربية بيضاء اسمها «لويس» تنضم أو تتسلل إلى حياة زوجين باريسيين من المهنيين الشباب (مريام شارفا، محامية متخصصة في قانون الجريمة، وزوجها، بول ماسي، مهندس صوت في بداية صعوده). «لويس» التي يطاردها ماضٍ بائس وما يبدو أنه اضطراب في الشخصية، تصل إلى نهاية تقتل فيها الطفلين اللذين في عهدتها.
رغبة سليماني في إحداث صدمة تتضح منذ السطر الأول لرواية «المربية الكاملة»: «الرضيع ميت». بتعبير أورسولا ليندسي، في مراجعة للرواية في «النيويورك بوك ريفيو»، «تملك سليماني القدرة على تعليق القارئ بمقدمات مثيرة توصلها بنغمة واقعية على نحو مرعب. نثرها الموجز يبدو لي –على الرغم من تصميمه على إحداث صدمة– حَذِراً ومحاطاً بطوق ضيق ولكنه مؤثر».
إذا كان نثر سليماني مؤثراً في سحب القارئ معه، فإن ذلك بالتأكيد نتيجة للواقعية الصارمة التي تروي بها أشياء مرعبة. هذا الإفراغ من العاطفة، الخلو الذي تتسم به الكتابة، أدى إلى مقارنات مع ألبير كامو وإرنست همنغواي. لكن تخلَّف نثر سليماني عن اللحاق بأسلوب أيٍّ من الكاتبين يتضح في كونه مصمَّماً لهدف واحد هو جعل القارئ يقف على قدميه.
التلقي النقدي الإيجابي شبه العالمي لأعمال سليماني يتكئ على نزعة قرائية باتجاه التماهي: يثير عملها أولئك الذين يقرأون ليقيموا في نص وفي شخصيات ذلك النص، ليتوحدوا بهم. تعبّر لورين كولنز، فيما نشرته في مجلة «النيويوركر» عن هذه الدينامية بدقة حين تصف مشهداً يطاردها أكثر من غيره في رواية «المربية الكاملة»: «إنك تشعر بغضب بول، بقدر ما تشعر بمقدار الصدمة التي لا بد أنه سبّبها للويس».
إذا كانت «كولنز» مطارَدة بمشهد يُظهر «بول» البورجوازي البوهيمي غاضباً من «لويس» البيضاء المنتمية إلى الطبقة العاملة لأنها أغرقت «ميلا» الصغيرة بالمساحيق، فإن ذلك لأنها تتماهى مع هاتين الشخصيتين المختلفتين جداً وتعيش عواطفهما كما لو كانت عواطفها هي. مقطع مثل ذلك لا يراه قارئ مثلي لا يقرأ نصاً لكي يصير شخصاً آخر. ما يحدث بدلاً من ذلك هو مشهد مصطنع، مشهد مصنوع بعناية للتعبير عن هوّة تفغر فاهاً في الطبقة والتعليم اللذين يفصلان «بول» عن «لويس» (اختلاف يتكرر المرة تلو الأخرى عبر الرواية وبأساليب مبالَغ بها). «لويس»، مثلاً، لا تستطيع أن تتقبل إتلاف الطعام (تطلب من الأطفال الذين تعتني بهم أن يلعقوا علب الزبادي حتى تنظف، وتستعيد هياكل الدجاج التي لا تزال عظامها مكسوّة ببعض اللحم). بالنسبة إليّ قراءة سليماني تشبه تجربة الدغدغة حين يكون المرء غير قابل لذلك –أي ليست تجربة ممتعة كثيراً، حتى إن كانت متعة للآخرين.
بنشر سليماني رواياتها ذات الطابع التلصصي الاستثاري، نجحت في إيجاد الانطباع بأنها محطِّمة للتابوهات. تقول كولنز: «تحت غطاء حبكة استثارية تتحدى سليماني موضوعاً ممنوعاً آخر: رغبات المرأة». وسليماني بدورها تقبلت هذا الدور، متفقة معه بسرعة ومعيدة إنتاج تأطير المرأة بوصفه تابوهاً أبدياً. بتعاملها المباشر مع جنسانية المرأة ونفسانيتها في «أديل» و«المربية الكاملة»، تتقمص سليماني دور «التي تكسر الصمت المحيط بالمرأة». ومع ذلك فإن السؤال: أي تابوهات انكسرت يا ترى في أيٍّ من الروايتين؟
وفي حين يبدو بدهياً أن البطركية لا تزال حية تُرزق في العالم، فإن سليماني أبعد ما تكون عن الأسبقية في تناول القلم ورفع الغطاء عن تجارب المرأة ورغباتها وجسدها. منذ وُجد الأدب والنساء يرفعن أصواتهن، منذ العصور الوسطى حتى الآن (انظر: كريستين دي بيزان وإيلواز في «إيلواز وأبيلارد» اللتين تقطر رسائلهما بالهياج الجنسي والرغبة). في القرن الأخير وحده، في الأدب الفرنكوفوني، نجد العديد من الأمثلة. رواية كاترين مييه «الحياة الجنسية لكاترين م» (2001)، التي حصلت على جائزة «بري ساد»، ورواية بولين رياج «قصة أو (o)» (1954)، على سبيل المثال، كلتاهما تتناولان موضوعات «التابو» الجنسية، بينما رواية «الأيام الحية» (2013) لأناندا ديفي تبرز امرأة تفضّل الجنس مع الأطفال.
تناوُل سليماني للجنس في «أديل» يبدو مروَّضاً إلى حد بعيد بالمقارنة. أما التابو المفترض فيما يتعلق بموضوع رغبات المرأة خارج مملكة الجنس، فليس ثمة نقص في الأعمال الأدبية التي تتحدث عن طموحات النساء، شعورهن بالقيود في المجال البورجوازي المحلي –فرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار تحضران إلى الذهن هنا. أو لو أخذنا موضوع قتل الأطفال: ذلك أيضاً موضوع مطروق منذ أمد بعيد على يد ميديا (في الأسطورة اليونانية).
لكن الواضح من أعمال سليماني غير السردية أنها وضعت ثقلها في الأعمال السردية التي تُظهر حياة النساء ورغباتهن بوصفها موضوعات ممنوعة. في حين أن أعمال سليماني السردية المثيرة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن كتاباتها غير السردية المتسمة بالهدوء، فإن كلا اللونين من الكتابة يرويان ويؤكدان المرأة - التابو بطرق تضع سليماني كما لو كانت محطِّمة استثنائية للتابوهات: الكاتبة الهادئة المعنية بالجانب المثير والمظلم من حياة المنزل البورجوازية الأنثوية؛ المدافعة المتحمسة عن حقوق المرأة في كفاحها ضد السلطات البطركية القامعة والمبنية على الاحتفاظ بتابو المرأة ومحو تجارب النساء.
في عام 2017 نشرت سليماني كتاباً كاملاً بعنوان «الجنس والكذب: الحياة الجنسية في المغرب» (الذي تُرجم إلى الإنجليزية عام 2020 للأسف بعنوان «الجنس والكذب: حكايات حقيقية حول الحياة الحميمة للنساء في العالم العربي»، عنوان يمحو الخصوصية المغربية للكتاب). الكتاب مكرّس لمنح أصوات النساء منصة قد لا تُسمع تلك الأصوات من دونها. ليس لديّ شك في قوة مجموعة كهذه من الشهادات. لكن العمل لم ينشره ناشر مغربي أو يوجَّه إلى جمهور مغربي؛ نشره ناشر باريسي لجمهور فرنسي (والآن، بترجمته إلى الإنجليزية، يتوفر لجمهور أنغلو - أميركي).
بتناولها موضوعاً مغربياً وعينها على جمهور فرنسي، فإن سليماني تضع الخيط في إبرة تُعلي من شأن قيم التنوير الفرنسي (التي يُستشهد بها عدة مرات في الكتاب كما لو كانت قيماً كونية) وذلك بتصوير الكبت الجنسي المغربي على خلفية غرب أكثر حرية (دون أي نقد للوجوه التي تكشف أن فرنسا ليست فردوساً نسوياً، كما يتضح من ترقية متهم بالاغتصاب إلى أعلى مراتب الحكومة).
ترويج سليماني لقيم التنوير الفرنسي يتضمن نقداً لأولئك المفكرين الفرنسيين الذين قد يصفون مواقف كالتي اتخذتها هي –أنه لا توجد حرية جنسية في المغرب؛ أن الجنسانية في العالم العربي بؤس جنسي– بأنها نوع من الجوهرانية. إنها تتبنى موقع المؤيدة (تلك التي تمنح صوتاً لمن لا صوت له) في ممارسة خيرية مستجيبة لضمير حي ومنطلقة من امتيازها كفرنسية مغربية قادرة على التحرك بحرية بين كلا العالمين. إنني لا أشك في حسن نيات سليماني، ولا أشك في الحاجة إلى تأييد كهذا، لكن من الصعب ألا يرى المرء «الجنس والكذب» بوصفه عملاً يؤكد الاستثناء الفرنسي ويسمح بظهور الإسلاموفوبيا كما لو كانت اهتماماً بحقوق المرأة.
بعد فوز سليماني بجائزة «الغونكور» عام 2016، نشرت صحيفة «اللوموند» مقالة عنوانها «امرأة، شابة، مولودة في بلد أجنبي: ليلى سليماني، بروفايل غير معتاد بين جوائز الغونكور»، الأمر الذي يُبرز إلى أيِّ حد اختلفت سليماني، من حيث هي كاتبة مغربية وامرأة في ريعان الشباب، عن الرجل الفرنسي الأبيض الذي تذهب إليه الجائزة عادةً. أود أن أقول إن اختلاف سليماني عن النمط هو بالضبط ما جعل الجائزة تذهب إليها: استثمار الكاتبة في قيم التنوير (أي القيم الفرنسية) إلى جانب اختلافها العرقي والجنساني، يسمح للمؤسسة الأدبية والثقافية الفرنسية بأن تظل محافظة بينما تبدو كأنها تقدمية.
تدّعي فرنسا أنها أقل عنصرية من الولايات المتحدة، لكن سياساتها «المتعامية عن اللون» بصرامة هي سياسات تساوي نفور ترمب من اختبار «كوفيد». هنا يصبح منطق «إن لم نفحص لن تكون لدينا حالات» مساوياً لمنطق «إذا لم تقس العنصر، فلا عنصرية لديك». ومع ذلك، يُظهر نجاح سليماني أن فرنسا تستطيع أن ترى اللون ولا تخشى استعماله.
المصدر: «ببلِك بوكز» Public Books:
1 يناير (كانون الثاني)، 2021.



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.