توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً

عيد صالح يكشف تناقضاته في «ماذا فعلت بنا يا مارك؟»

توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً
TT

توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً

توظيف الفضاء السيبراني... شعرياً

يبدو سؤال الشاعر عيد صالح في ديوانه «ماذا فعلت بنا يا مارك؟» الصادر عن «دار الأدهم» بالقاهرة، وجودياً بامتياز لا يبحث عن يقين ما ولا ينتظر إجابة محددة، مسكوناً بغرابة انخفض فيها سقف الخيال المفتوح على براح المجهول، وأصبح حقيقة تمشي على الأرض بقدم عرجاء وروح مشوهة. كما ينفتح على ضجر العالم وصخبه، ويبرز كسؤال هوية مبتورة وهشة، تفتش في الانتماء عن معنى الانتماء نفسه، وفي الحرية عن معنى الحرية نفسها، وفي الفوضى عن معني آخر للجنون والهذيان.
لا شيء قابلاً للصدق والكذب في الفضاء السيبراني، بل لا شيء موجوداً أصلاً. هكذا على عتبة نفي كأنه الإثبات، وإثبات كأنه النفي، تبني الذات الشاعرة موقفها من الوجود والواقع والعالم والأشياء؛ متخذة من هذا الفضاء دلالة على المسخ والتكرار، ونفي القدرة على التفرد والخصوصية، في وقت أصبحت فيه الحياة مجرد مجموعة من الحجرات مفتوح بعضها على بعض، كاسرة أفق التجاور الرخو في اللامكان واللازمان، إلى حد شرعنة التعرّي كملاذ وحيد للتخفي، حيث لا حقيقة مجردة مكتفية بذاتها، إنما في قدرتها على العيش في كنف الضد، كأنه كينونتها الهاربة المسكوت عنها...
يحدث هذا في اللحظة نفسها والزمن نفسه، سواء هنا أو هناك، أو فيما مضى، وما هو كائن، وما سيكون. على هذه الأرضية، تتناثر أسئلة الذات وحيرتها الشائكة الملتبسة المستريبة من كل شيء في قصائد الديوان وصفحاته التي تربو على المائتين. وبروح غاضبة يخاطب الشاعر «مارك زوكربيرغ» مؤسس موقع «فيسبوك» وصانعه، ويصب جام غضبه عليه إلى حدّ اللعنة، في نص بعنوان «مارك» يقول فيه:
«هذا اللعين مارك
نزع الفرادة والخصوصية
حتى الجينات تمازجت
لتُنتج مسخاً
أراني في كثير من الوجوه والنصوص
حتى ذلك القروي الذي كان يقف بالساعات
ليحظى بنظرة خاطفة
والذي طارد في أحلامه مارلين مونرو
وظلت صورة شيري ماكلين بالأبيض والأسود
مع صورة هيمنغواي وجون كينيدي
في حافظته حتى بليت.
كلهم شعراء وفلاسفة وجنرالات
كلهن ملكات جمال الفيس
هكذا يبدو المشهد في هذا الفضاء السيبراني اللاهث حيث كل شيء مركب ومتجزّأ، مادي وغير مادي، محسوس ولا محسوس، ما ينعكس على مغامرة الذات في فضاء الشعر الرجراج، ويصبح الشك نزعة أصيلة لمحاولة المعرفة، بل محاولة التكيف والإذعان.
ولا يهم أن تتم هذه المحاولة باسم التمرد أو الرفض أو الخديعة، فكلها صور للاستلاب يكشف عنها الديوان، ويعرّي تناقضاتها على مسرح لا بداية له ولا نهاية، فليس ثمة نص محدد، أو صراع معلوم، أو حبكة يمكن أن تكسر منطق التأويل المفرط للشيء، واللا شيء معاً، في الفهم والإدراك وفك التباس الدالّ بالمدلول، التباس الشك باليقين، الفوضى بالضرورة، الصورة بالأصل، وقبل كل شيء التباس الحقيقة بظلالها، في هذا الفضاء اللاهث المجنون.
ومن ثمّ يبرز في الديوان ما تمكن تسميتها «ازدواجية المعنى»، وتتجلى على مستويات شتى: اللغة والشكل والمضمون، الرؤية والمغامرة مع الداخل الذاتي والواقعي العام، كما تعلو نبرة التهكم والسخرية وتصبح سلاح الذات في مواجهة رعب عالم افتراضي، لم يعد فيه المجهول أسطورة إنما حقيقة معيشة ومعطى يومي، أصبح من مفردات الحياة ونثرياتها الاعتيادية المألوفة... تعي الذات الشاعرة ذلك، وأنه ليس أمامها، سوى الاشتباك مع هذا العالم الجديد والتفاعل مع مغامرته السيبرانية، حتى تخلص لسؤالها الخاص، ابن الشعر والحياة، وتدفعه نحو الجِدة والمغامرة.
تعاود الذات الشاعرة مساءلاتها لمارك برؤية مغايرة، تنصّبه خصماً، وتحت شرف الخصومة تحاوره بحدّة، مستندةً إلى حائط التاريخ، لإعادة القراءة واستجلاء الحقيقة، وطرح الأسئلة من جديد. مثلما يطالعنا في نص بعنوان «كيف؟» يقول فيه:
«كيف حدث هذا
مَن منّا حذف الآخر يا مارك
لا أتصور إلا أن تكون مشاغبة منكَ
لن أذهب حد المغامرة الكونية
التي تتربص بي فيمن أحبّ
دَعْكَ من ألاعيب الواقعية السحرية
والتي أشعلتَ بها الحروب والقلوب
وجمَّعتَ العشاقَ والمراهقين والمتصابين والفصاميين
بنواصيك ونواديك
لا يتصالح الشاعر مع «مارك» الأميركي اليهودي رغم أنه يخاطبه في النص الذي وسم عنوان الديوان (ص 88) بالعبقري الشرير، صاحب الفضاء الفاجر، وفي الوقت نفسه، يذكّره بـ(ألفريد روزينبورغ، الألماني مفكر النازية الشهير أحد المقربين من هتلر، في أثناء الحرب العالمية الثانية: «ككم لصوص يا روزينبورغ - ونحن قرويون سذج - لا نزال نصفق لمهرج السيرك - وهو يحصد أرواح العالم - في عنجهية»).
أيضاً لا يومض التاريخ في النصوص كعظة أو عبرة، أو قناع لحكاية مكتملة، انتهت فصولها إلى غير رجعة، وإنما يأتي كسؤال مفتوح على الماضي والحاضر، يتنوع بصيغ ورؤى فنية وشعرية متباينة، كاسراً أفق التوقع؛ تارةً بالموازاة مع الوجع والحلم الإنساني ونشدانه العدل والحرية والشعور بالأمان. وتارةً بتوظيف آلية الإرجاء والاحتمال، وتغييب المشبه به، لإبراز هشاشة العلاقة في عالم رتيب، أصبح الضجر قانونه السائد.
أضف إلى ذلك، إبراز «اللاءات»، في عناوين الكثير من النصوص (لا شيء، لا وقت، لا أحد، لا ضير، لا أجد ما أقوله، لا أجد ما يليق بك)، وفي الوقت نفسه تأكيد فعل الإرادة (أريد قصيدة لا تمثلني، أريد أن أبكي، أريد أن أحكي)، ناهيك بالاعتماد على صيغة التنكير والكلمة الواحدة، والضمائر المفردة، وأسماء الوصل والإشارة والحال والنفي (أنا، أنت، تلك، كيف، حيث، ليس) وغيرها، ما يجعل العناوين بمثابة مفاتيح خاطفة، تتماثل مع مفاتيح الفضاء السيبراني، والتي تعتمد على مجرد الضغط الخفيف على الزر.
يسهم هذا في تعدد خطاب الذات الشاعرة وينمّي حيوية حوارها مع مرآتها الخاصة، حيث صورة الأم والعائلة وظلال الصِّبا والطفولة وملامسة النشوى الأولى في الطبيعة والأشياء والعناصر، كما تنفتح على العالم في مرايا الآخر، بثنائياته الشرهة وكوارثه وكوابيسه التي لا تنتهي. فيما تصبح أكثر حميمية، تلتمس الونس والدفء في مرايا الشعراء والكتاب من أصدقاء الدرب ومكابدة الفرح بالشعر والحياة... يقول في نص بعنوان «كأن» يختم الديوان:
«كأن المكان يشبه المكان
والمدينة كأنها هي
والمقهى والنادل
والعابرون في الشارع
والرصيف المتهدم
والجونلة المتطايرة
والأعين المتلصصة
والشيخ المحوقل
يصب نظراته ولعناته
مشهد من عمق الواقع اليومي، أراد الشاعر أن يخفف من وطأته بعلاقة مضمَّرة من التشبيه الناقص، تاركاً صداها يتردد في التنديد باغتيالات الزعماء المؤسسين ومنهم: الحريري، وياسر عرفات، والشيخ يس، وفي نداءات الأمل المجهَضة اللاهثة، على رموز الثورة والتحرر (يا عبد الحليم ليست الصورة كما غنيت - يا ناصر، رفعنا الرأس في الميدان - وجزّها الرفاقُ والعسس)... لا يخلو المشهد من إحساس ما بالدراما، لكنه يمر سريعاً فوق السطح، بينما يتكثف في النصوص المشدودة إلى الداخل، حيث الذات تحنُّ لمرثيتها المعلّقة بين الماضي والحاضر، والذي يجسدها الشاعر في نص لافت بعنوان «جريمة» يقول فيه:
«أنا الميت الحي
أجترُّ ماضي الذي كان
كخرقة بجوار حائط متهالك
كقطة تكاثَر الذبابُ حولها
كآثار حذاء مثقوب
في وحل حارة معتمة
كنت أبحث فيها عن أختي الضائعة»
وبعد: عيد صالح، أحد الأصوات المهمة في جيل شعراء السبعينات في مصر، جمع بين خبرة الطب وكهانة الشعر، وها هو يواصل صوته في هذا الديوان، ويدفعه إلى آفاق أرحب بشغف المغامرة والحب.



الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.


المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين
TT

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولاً إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيراً وحضوراً في الوجدان الشعبي الكردي.

ويبرز الكتاب المكانة الريادية التي شغلها يوسف جلبي في تاريخ الأغنية الكردية، إذ كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، ليترك إرثاً فنياً جمع بين الحفاظ على التراث وتجديده وتطويره. وقد شكّلت أعماله جسراً بين الذاكرة الشعبية والإبداع الفني، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور.

ويستند المؤلف إلى جهد توثيقي امتد سنوات، اعتمد خلاله على لقاءات وشهادات ووثائق ومرويات نادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم شهادات تفصيلية عن حياة والده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والظروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شهادات ومرويات من أفراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسم صورة أكثر اكتمالاً للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها.

كما يتناول الكتاب الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بيوسف جلبي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصولاً إلى اعتقاله وتعذيبه على يد عناصر المكتب الثاني تحت إشراف ضابط الاستخبارات في قامشلي حكمت ميني، وانتهاء حياته تحت التعذيب عام 1962، في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفها واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الفن الكردي.

ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنياً وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نتيجة غياب التوثيق، رغم تأثيره العميق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة.

قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات محمد، اللذان تناولا تجربة يوسف جلبي الفنية ومكانته في تاريخ الغناء الكردي ودوره بوصفه أحد الآباء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين.