«شهود على التاريخ»... حوارات حول نكسة الـ67

لقاءات مع أمين هويدي وسامي شرف وجيهان السادات وبرلنتي عبد الحميد

جيهان السادات
جيهان السادات
TT

«شهود على التاريخ»... حوارات حول نكسة الـ67

جيهان السادات
جيهان السادات

يضمن كتاب «شهود على التاريخ»، الصادر حديثاً عن «دار الأدهم للنشر والتوزيع»، مجموعة من الحوارات الصحافية أجراها الكاتب ماهر مقلد مع شخصيات فاعلة في التاريخ المصري الحديث، من بينها أمين هويدي رئيس جهاز المخابرات العامة المصري، وسامى شرف أحد مؤسسي المخابرات العامة المصرية أيضاً سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر الشخصي للمعلومات. كما يضم الكتاب لقاءات مع عدد من الكتاب والفنانين، بينهم محمود السعدني وثروت أباظة وعادل إمام وبرلنتي عبد الحميد وسعد الدين وهبة وأسامة أنور عكاشة والسيد يسين، وحواراً مع جيهان السادات زوجة الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات، إلى جانب آخرين.
وخصص مقلد لكل فصل نوعية معينة من الحوارات، حرصاً على «تحقيق التجانس في طرح الرؤى والأفكار». وجاء الفصل الأول «شهود يوليو (تموز)» متضمناً 4 لقاءات موسعة مع «سامى شرف» مدير مكتب رئيس الجمهورية في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، يذكر فيها أن عبد الناصر لاحظ عدم مغادرته المكتب إلا بعد منتصف الليل «فأشفق عليّ، وتعمد أن يترك المكتب في العاشرة مساء، ويذهب إلى النوم. وعندما يطمئن أنني غادرت، وأغلقت المكتب، يعاود العمل من جديد».
يقول عن ذلك: «كنت أسكن قبالة منزل الرئيس، ومن بيتي أستطيع أن أشاهد الضوء في حجرة نومه. وعندما أكتشفُ أنه عاد من جديد للعمل، أعود بسرعة إلى المكتب حتى أكون إلى جواره... لكن عبد الناصر طلب منى عدم العودة، والخلود إلى الراحة، وقال لو كنت في حاجة لوجودك في ساعات الليل المتأخرة لطلبت منك البقاء».
ويقارن شرف بين تلك الفترة التي عمل فيها مديراً لمكتب عبد الناصر والسنوات الأولى من حكم الرئيس أنور السادات التي عمل فيها معه: «بعد تولي الرئيس السادات مقاليد السلطة، أخبرني أن ساعات العمل تنتهي في الرابعة عصراً على أكثر تقدير، وأن الإجازة الأسبوعية تبدأ من ظهر يوم الخميس حتى صباح السبت، وتعجبت من ذلك، وقلت له العالم الخارجي لا يحصل على إجازة يومي الخميس والجمعة، لكن الرئيس السادات قال هذا نظام نتفق عليه».
ويكشف شرف أسرار ما جرى في مايو (أيار) 1971، وما يُعرف بـ«ثورة التصحيح»، وحقيقة ما أشيع عن أنه ورفاقه تقدموا باستقالات جماعية: «لم نقم بانقلاب في مايو (أيار)، ولم نتقدم باستقالات جماعية، ولو كنا نريد لفعلنا، حيث كان الجيش تحت قيادة الفريق محمد فوزي، والداخلية شعراوي جمعة، والإعلام محمد فائق، وأنا سامي شرف معي الحرس الجمهوري، لكن تعلمنا من عبد الناصر أن عهد الانقلابات قد ولى، وتعاهدنا على ذلك».
ويضيف شرف أن الذي حدث «هو أن السادات أبلغني أنه قبل استقالة شعراوي جمعة، وطلب منى إبلاغه. وعندما فاتحت شعراوي جمعة، أخبرني أنه لم يتقدم باستقالته أصلاً. وكان في التوقيت نفسه ممدوح سالم يحلف اليمين. ويومها، علق شعراوي جمعة، قائلاً: الآن نستريح. وفي تطور مفاجئ، جرت تمثيلية ثورة التصحيح، وتم القبض علينا. ولو كنا نخطط لانقلاب لحدث بسهولة، وكان الأمر مجرد خبر في التلفزيون بأن الرئيس تعرض لوعكة صحية، ولن يظهر بعدها، على اعتبار أن كل مفاصل الدولة كانت معنا، والوحيد الذي كان مع الرئيس السادات هو الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل».

جيهان وعادات الرئيس
ويتضمن الكتاب 4 حوارات مع جيهان السادات: الحوار الأول كان في عام 1997، بمناسبة مرور 25 عاماً على ذكرى انتصار السادس من أكتوبر (تشرين الأول)؛ وحوار بعد ظهورها في برنامج «شاهد على العصر» على قناة الجزيرة، نشر في 7 أبريل (نيسان) 2001. وأجرى مقلد الحوارات في منزل الرئيس السادات بالجيزة، عدا حوار كان عبر الهاتف من مقر إقامتها في الولايات المتحدة الأميركية. وتحدثت السادات عن عادات الرئيس الراحل، والساعات التي سبقت بدء حرب أكتوبر (تشرين الأول)، وطلب الرئيس مبارك الذي كان وقتها قائداً للقوات الجوية أن تبلغ السادات بأن شقيقه عاطف قد استشهد.
وتضمن الكتاب حواراً أيضاً مع «أمين هويدي» الذي عينه عبد الناصر في منصب وزير الحربية، ثم أسند إليه منصب رئيس المخابرات العامة. وكان الحوار في ذكرى مرور 31 عاماً على النكسة. وضمن الحوار، قال هويدي إن عبد الناصر «لم يكن بمقدوره عزل وزير الدفاع المشير عبد الحكيم عامر بعد أن سيطر على الجيش»، وذكر أنه وشعراوي جمعة هما اللذان قاما بعزله.

برلنتي والمشير عامر
وفي الحوار مع الفنانة برلنتي عبد الحميد، زوجة المشير عبد الحكيم عامر، ذكرت أن مذكرات صلاح نصر هي الأكثر موضوعية بين كل ما كتب عن حكم عبد الناصر، وعن الحقبة الناصرية، وقد كان أكثر أعضاء مجلس قيادة الثورة ثقافة وأكثرهم قدرة على الكتابة، ولو لم يكن في موقع مدير المخابرات العامة لكان أديباً كبيراً ومحللاً سياسياً عميقاً. لقد كان -حسب قولها- أكثر «أعضاء الثورة دراية بأن الثورة تأكل نفسها، كما كان مؤرخاً حقيقياً لمعظم التفاصيل، لا يفوت أي واقعة مهما كانت صغيرة دون تدوينها». وكشفت في الحوار أنها تعرضت للمراقبة لمدة عام كامل حتى تتم الموافقة على زواجها من عبد الحكيم عامر الذي تؤكد أنه لم ينتحر، وأن التقارير الرسمية تثبت ذلك.
وتضمن الفصل الثاني «الحوارات الشائكة» لقاءات مع الدكتور عبد الصبور شاهين، والدكتور مصطفى محمود، والإعلامي عماد الدين أديب، وآخرين.
أما الفصل الثالث، فقد تضمن عدداً من الحوارات التي أعطى لها مقلد عنوان «الحوارات النادرة»، وتضمنت لقاءات مع الشيخ محمد متولي الشعراوي، وفاطمة وأم كلثوم نجلتي الأديب نجيب محفوظ، والدكتور مجدي يعقوب، والشاعر عبد الرحمن الأبنودي، والكاتب وديع فلسطين، والدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية السابق، والفنان عادل إمام، والشاعر مصطفى الضمراني.
أما الفصل الرابع، فقد كان عنوانه «حوارات التطبيع»، وتضمن حواراً مع الكاتب المسرحي علي سالم، والكاتب سعد الدين وهبة الذي قام بتجميد عضوية على سالم في اتحاد كتاب مصر بعد زيارته لإسرائيل التي فاجأ بها الوسط الفني والثقافي في مصر، وهناك أيضاً حوار مع الكاتب السيناريست أسامة أنور عكاشة، والكاتب صلاح عيسى، والدكتور عبد المنعم سعيد، والدكتورة نوال السعداوي، والكاتب محمود السعدني.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً