لماذا لم تنتج روسيا فلسفة بمستوى أدبها وموسيقاها؟

لوسكي يحلل أسباب خمودها الفكري حتى القرن الـ19

لماذا لم تنتج روسيا فلسفة بمستوى أدبها وموسيقاها؟
TT

لماذا لم تنتج روسيا فلسفة بمستوى أدبها وموسيقاها؟

لماذا لم تنتج روسيا فلسفة بمستوى أدبها وموسيقاها؟

عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة» بمصر، صدرت طبعة من كتاب «تاريخ الفلسفة الروسية»، بترجمة دقيقة سلسلة للمترجم الراحل فؤاد كامل، لكن لم تتم الإشارة إلى أنها طبعة جديدة من هذا المرجع الكبير الذي صدر لأول مرة عن «دار المعارف» بالقاهرة عام 1984. كما تم تجاهل معلومة أساسية، وهي أن الكتاب راجعه المفكر الراحل د. زكي نجيب محمود (1905-1993)، ولا يوجد أيضاً أي تعريف بالمؤلف نيقولاي لوسكي (1870-1965).
في هذا الكتاب، يطرح نيقولاي لوسكي سؤالاً محورياً: لماذا لم تنتج روسيا فلسفة تضاهي إسهامها في الأدب، كما أنتجت لنا إبداعات بوشكين وجوجول وتولستوي وتورجنيف ودوستوفسكي، أو الموسيقى التي قدمت لنا فيها ريمسكي كورساكوف وتشايكوفسكي، فضلاً عن الدراما والأوبرا والباليه؟
يجيب لوسكي عن هذا السؤال بإشارته إلى «بومة منيرفا»، وهي من ملاحظات هيغل البارعة، إذ إن هذه البومة لا تبدأ في الطيران إلا في غبش المساء. وهذه القاعدة -كما يشير- تنطبق على تطور الفكر الروسي الذي ظل خامداً حتى القرن التاسع عشر؛ أي بعد أن طوت الدولة الروسية ألف عام من عمرها. وكانت قرون الاحتلال التتري، ثم الانعزالية التي عانتها موسكو، سبباً في حرمان الشعب الروسي من التعرف على الفلسفة الأوروبية الغربية، فلم يتصل بالثقافة الغربية على نطاق واسع إلا بعد أن فتح بطرس الأكبر نافذة تطل على أوروبا.
ويشير لوسكي كذلك إلى أن ارتباط الفلسفة باللاهوت والدراسات الدينية في روسيا أدى إلى تأخر انطلاقها عقوداً طويلة، فضلاً عن تبعية الفكر الروسي في بعض الفترات للمدارس الفلسفية خارجه، مثلما حدث مع «المثالية الألمانية»، كما دعا إليها كانط وفتشه وشلنج. يضاف إلى ذلك أن اضطهاد الحكومة لرموز الفلسفة كان أحد الأسباب التي أدت إلى تأخر الفكر الروسي، حيث لم يجد الفلاسفة الروس مساحة الحرية والتسامح نفسها التي حظي بها نظراؤهم في بريطانيا وألمانيا وفرنسا. ويدلل لوسكي على ذلك بإعلان الأمير شيرينسكي شهماتوف (1850) أنه قد ثبت أن الفلسفة يمكن أن تكون نافعة، ولكنها قد تكون شيئاً ضاراً أيضاً، ولهذا فقد ألغى كرسي الفلسفة في الجامعات، ولم يسمح بغير تدريس المنطق وعلم النفس التجريبي وحدهما، على شرط أن يقوم بتدريسهما أساتذة اللاهوت.

صدمة فيلسوف

من رموز الفلسفة في القرن التاسع التي يتوقف المؤلف عندها إيفان كيرفسكي، المولود في موسكو (1806)، وكان والده من النبلاء أصحاب الأطيان، وقد تلقى تعليمه المنزلي تحت إشراف الشاعر زوكوسفكي، ثم تحت إشراف زوج أمه فيما بعد.
وظهرت مواهبه مبكراً، إذ كان لاعباً ممتازاً للشطرنج. ففي سنة 1813، رفض الجنرال الفرنسي الأسير «بونامي» أن يلاعبه خوفاً من أن ينهزم أمام طفل في السابعة من عمره، خاصة بعد أن تتبع الطفل لعدة ساعات في لهفة شديدة، فرآه يهزم دون عناء الضباط الآخرين من الفرنسيين. وفي سن العاشرة، كان على معرفة طيبة بروائع الأدب الروسي والأدب الفرنسي الكلاسيكي في لغته الأصلية. وفي الثانية عشرة، أتقن الألمانية إتقاناً تاماً، وشرع يتعلم اللاتينية في سن السادسة عشرة، في أثناء إقامته بموسكو.
وفي عام 1829، وقع كيرفسكي في قصة حب صدمته بعنف، وغيرت مجرى حياته، وخشي الأطباء أن يصاب بانهيار تام، فبعثوا به في رحلة إلى الخارج للتسرية عن نفسه، فأمضى عام 1830 في زيارة برلين ودرسدن وميونيخ. ولما عاد إلى روسيا، بدأ في إصدار مجلة «الأوروبي» العام التالي، غير أن هذه المجلة أغلقت بعد صدور عددها الثاني بسبب مقال نشره تحت عنوان «القرن التاسع عشر».
فقد قرأ الإمبراطور نيقولا الأول المقال، وقال بعدها إن الكاتب يدعي أنه لا يتكلم في السياسة، وإنما يتحدث في الأدب، غير أن نيته كانت تتجه إلى شيء آخر مختلف تمام الاختلاف، إذ كان يعني بـ«التربية» الحرية، وبـ«النشاط الذهني» الثورة، بينما لم يكن «الاتجاه الوسطي المصطنع» شيئاً آخر غير الحكومة الدستورية. وكان من المحتمل أن ينفى كيرفسكي من العاصمة، لو لم يدافع عنه زوكوفسكي. ولم يكتب كيرفسكي شيئاً تقريباً زهاء أحد عشر عاماً جراء هذه الصدمة.
ويقارن كيرفسكي بين الفكر الغربي والفكر الروسي، قائلاً: إننا نجد في الغرب لاهوتاً عقلياً مجرداً، هو عبارة عن إثبات الحقيقة بسلسلة من التصورات المنطقية. أما في روسيا القديمة، فنجد التطلع إلى الحقيقة يحدث عن طريق «السمو الباطني للوعي الذاتي». كما أن الغرب أنتج نظاماً للدولة قائماً على العنف والغزو، بينما نظام الدولة في روسيا القديمة قائم على التطور الطبيعي للحياة القومية.

الموالون للغرب

يوضح الكتاب أن كيرفسكي كان يمثل اتجاهاً قوياً في الفكر الروسي، هو الاتجاه القومي أو النزعة السلافية، عكس بيوتر تشادايف واتجاهه المناقض (المستغرب)؛ أي الموالي فكرياً للغرب الأوروبي. ويأخذ المؤلف على الاتجاه الأول إسرافه في تمجيد ماضي روسيا السياسي وطابعها القومي، ومغالاته في تقدير سماتها الوطنية، ثقافة وأسلوب حياة. والاتجاه الثاني، على العكس من ذلك، يؤمن بأنه ينبغي لروسيا أن تتعلم من الغرب، وأن تسلك عملية التطور ذاتها التي سلكتها أوروبا، لا سيما على مستوى العلم التجريبي وقيم التنوير الدنيوي.
كان بيوتر تشادايف ابناً لمالك ثري من ملاك الأراضي. درس في جامعة موسكو، ولكنه تركها قبل تخرجه، والتحق بالجيش، وشارك في حرب 1812، وفي الحملات الأجنبية التي أعقبتها، وعاش في الخارج من عام 1823 إلى 1826، والتقى في ألمانيا بالفيلسوف شلنج الذي راسله فترة طويلة، وفي فرنسا التقى لامنيه. وبحسب تشادايف، فإن هناك قوتين فاعلتين في حياتنا: الأولى ناقصة، وهي في داخلنا؛ والثانية كاملة، وهي في خارجنا، ومنها نستمد أفكار الخير والواجب والفضيلة والقانون، وهذه الأفكار يتلقاها جيل عن جيل بفضل التتابع المتصل للعقول التي تكون ما يسميه «الضمير الكلي».
ويعرج الكتاب على نيكولاي تشيرنشفسكي (1828-1889)، أحد المنفتحين على الفلسفة الأوروبية، قائلاً: «كان ابناً لأحد القساوسة، وقد تعلم في معهد ساراتوف الديني، إلا أنه تحول فيما بعد إلى أحد رموز الاتجاه الفلسفي الروسي، وكون تصوره عن العالم تحت تأثير المادية الفرنسية في القرن الثامن عشر، وفلسفة هيجل، وتعاليم بردون وسان سيمون وفوربيه وليرو، خاصة فويرباخ الذي قرأ له «ماهية المسيحية». وعندما بلغ العشرين، انقلب مادياً ملحداً وجمهورياً ديمقراطياً بسبب «ما يعانيه البشر عامة من آلام لا يستحقونها»، وكان إلغاء الملكية بثورة لا ترحم يقوم بها الفلاحون واحداً من أهدافه الرئيسية في الحياة، وأدى نشاطه الثوري إلى القبض عليه سنة 1826، وحكم عليه بالسخرة في سيبيريا، ثم بالبقاء فيها مقيماً. وفي سنة 1883، سمحت له السلطات بالعودة إلى روسيا.
ويدافع تشيرنشفسكي عن نظرية «الأنانية العقلية»، فالأناني العاقل برأيه هو من يدرك أن السعادة الشخصية تتفق مع الصالح العام، وقد عرض نظرياته الأخلاقية عرضاً قوياً في روايته «ماذا يجب أن نفعل؟». وفيها يقول أحد أبطال الرواية فيما يتعلق بتضحيته من أجل الآخرين: «لست من الناس الذين يقومون بالتضحيات، والحق أنه لا وجود لمثل هذا الأمر، فالإنسان يتصرف التصرف الذي يبعث الارتياح إلى نفسه».

هجوم على الماركسيين

يهاجم نيقولاي لوسكي الماركسيين وفلسفتهم «المادية الجدلية»، مشيراً إلى أنهم يقعون في كثير من المتناقضات، فهم يقولون إن تلك الفلسفة ترتبط بفلسفة هيغل، وبتصوره للمنهج الديالكتيكي بالذات، لكنهم سرعان ما يعودون ليؤكدوا أن فلسفتهم تختلف اختلافاً عميقاً عن فلسفة هيغل الذي يدافع عن المثالية، ويعتقد أن أساس العالم هو «الروح المطلقة»، بينما يقوم تصورهم عن العالم على أساس «الخبرة».
ويرى لوسكي أن الماركسيين ليسوا ماديين بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، ولكنهم يجعلون تصورهم للعالم يبدو على أنه مادي، لأنهم يتركون أشياء دون أن تقال، أو يعلنون تصريحات غامضة تخلو من كل دقة، وهم يستمدون كثيراً من المعونة في هذا الصدد من كلمة «حركة» التي يطبقونها على تغيير الوضع في المكان من جهة، وعلى الأفعال الخلاقة التي تنتج صفات جديدة. ويلفت كذلك إلى أنهم ينتفعون كل الانتفاع بكلمة «طبيعة» التي كثيراً ما يستخدمونها، بدلاً من كلمة «مادة».
ويوضح الكتاب هنا كثيراً من المفاهيم الملتبسة حول العلاقة بين المثالية والمادية، كفلسفتين متعارضتين، قائلاً: «أما نظريتهم الخاصة التي يستعيرونها من ديالكتيك هيغل عن (تطابق الأضداد)، ومن ثم عن (تحقق المتناقضات)، فهي في الحقيقة تعبير ينقصه الدقة عن فكرة (وحدة الأضداد)».



إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).