عام 1854 تكللت بالنجاح جهود العلماء في الماضي لتسجيل نمط ضربات القلب لدى البشر، أي تلك الخطوط المتموجة المألوفة التي نشاهدها على شاشات المراقبة في المستشفيات، عندما قام عالم ألماني بضغط شريان بلوح ثقيل موصول إلى مؤشر مصنوع من ضفيرة شعر كانت تتعقب النبضات على شريط من الورق المتحرك، جرى تسويده بسواد دخان (سخام) مصباح زيتي.
واليوم عن طريق استخدام أساليب المعالجة الرقمية المبتكرة لتحويل أشكال الموجات إلى أصوات، قام أحد الفنانين ومؤرخي الأصوات بتحويل هذا النمط الأخرس المكتوم من الخطوط إلى الإيقاع الصوتي المعهود عن القلب. وفي عملهم على مخطط طبي جديد نسبيا تمكنوا من بعث وإحياء بالصوت نبضات رجل فرنسي عمره 100 سنة، شرع قلبه ينبض في العام 1769. أي قبل 20 سنة من اندلاع الثورة الفرنسية.
* صوت القلب
وكان الفنان داريو روبليتو يقوم ببحث عن القلوب الصناعية لإقامة منشأة فنية خيالية في مدينة هيوستن في أميركا، عندما التقى بالمؤرخ باتريك فيستر، بينما كان الاثنان في زمالة لدى مؤسسة سميثسونيان في العام 2011 وقام الاثنان بالاطلاع على المجلات العلمية القديمة، والخوض في التاريخ القديم في كيفية قيام أطباء القرن الـ19 بتسجيل نبض المرضى، وبالتالي إخراج صوت لهذا النبض بطريقة لم تجر محاولتها من قبل.
ويقول فيستر، 43 سنة: «نحن وبمعنى ما، نحاول إعادة هذه العمليات الفسيولوجية إلى الحياة، وأنا لست متأكدا ما سنتعلمه من هذه التسجيلات، لكن ثمة منفذا ما على النبض عن طريق سماعه قد لا يمكن الحصول عليه بمجرد النظر إلى الخط المتموج الذي نراه على الورق».
وبالنسبة إلى الدكتور أو إتش فريزر جراح القلب الباحث في معهد تكساس للقلب في هيوستن، فإن التسجيلات هذه تفتح مضمارا جديدا للدراسة: «فقد كان لصوت القلب دور فعال في تشخيص حالته في الأيام الخالية»، يقول فريزر: «عندما كان الطب آنذاك فنا فعليا»، وفقا لـ«نيويورك تايمز».
وحتى منتصف القرن الـ19 كان تخطيط نبض القلب يتطلب من الطبيب الدخول جراحيا إلى الشريان، ووضع جهاز معدني أو أنبوب زجاجي داخله. ولم يكن هنالك متطوعون بشريون، وكانت الدراسات محصورة بالحيوانات. وكان التسجيل الأول المعروف قد حصل في 12 ديسمبر (كانون الأول) 1846. عندما قام الطبيب الألماني كارل لودفيك بتسجيل نبض حصان.
وكان كارل فون فييرودت العالم الفسيولوجي هو الذي اخترع الجهاز الدقيق الذي يخطط ضربات القلب من دون أي جراحة. ودعا جهازه هذا «سفيغموغراف» sphygmograph، أي «كاتب النبض». وفي العام 1854 استخدم جهازه هذا لتعقب 45 نبضا ضعيفا لرجل اسمه جون هان، 71 سنة، الذي كان يشكو من انتفاخ الرئة.
وبغية إعطاء صوت لعملية التعقب هذه، قام فيستر بترقيم تدوين الخطوط المتموجة التي سجلها فون فييرودت. فبالنسبة إلى مستوى ارتفاع الخط الذي يمثل زيادة أو نقصانا في كمية ضغط الدم، عين لهما ترددات صوتية عالية ومنخفضة، مانحا الصوت العالي للأماكن التي هي في شكل الموجة، حيث الضغط يتغير بسرعة، والصوت المنخفض للأماكن حيث الضغط يبقى ثابتا نسبيا. والتغيرات السريعة هذه تتعقب انفتاح صمامات القلب وانغلاقها.
واستخدم فيستر أساليب مختلفة لإنتاج ملفات صوتية لمراقبة القلب وتعقب نبضاته جمعها إتيان - جولس ماري العالم الفسيولوجي في القرن التاسع عشر، والرائد السينمائي. وفي العام 1865 استخدم ماري نوعا جديدا من السماعات التي يستخدمها الطبيب، وملأ غشاءين بها بالماء، جرى كبسهما على صدر المريض، بدلا من وصلهما بأنابيب مطاطية للسمع، كالتي كان يستخدمها كارل كوينغ مخترع هذا النوع من السماعات، وقام بعد ذلك بوصل الغشاءين إلى جهاز تسجيل.
* برنامج موسيقي
واعتمد فيستر على برنامج يستخدم عادة لتشغيل الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية، وهو الأسلوب ذاته الذي استخدمه ورفاقه منذ العام 2008 لإعطاء صوت للتعقبات التصويرية للخطابات البشرية، التي سبقت فونوغراف ثوماس أديسون بنحو 20 سنة.
وبعد ترقيم تسجيلات ماري التي عرضت ذروة تغيرات النبض على مدى الوقت، قام فيستر بتحرير الصورة إلى شكل يستطيع برنامج الموسيقى التصويرية للأفلام السينمائية تحويلها إلى ملف صوتي بصيغة WAV. وهذا الصوت الذي انبعث من جديد، والذي يعرض بدايات ما كنا نعتقده حواجز دائمة أمام الوصول إلى التاريخ، هو أحيانا أكثر طيعا وسهولة للاختراق، كما يقول روبليتو، 42 سنة، الفنان الخيالي.
والكثير من التسجيلات الصوتية إلى جانب نماذج وتماثيل روبليتو الخاصة بالقلب الصناعي، هي جزء من إنجازه الجديد. «فحدود الحياة قد جرى اجتيازها بهدوء»، وذلك في معرض أقيم في منيل كوليكشن في هيوستن.
ويقول فريزر جراح القلب بأن المعرض يذكره بالقول الفرنسي «بكاء من القلب»، ففي هذه التسجيلات «تبكي القلوب منذ قرن ونيف»، مضيفا أن هذا العمل ينبغي أن يكون ضمن الأدب الطبي.
وفي الخريف الذي ولى، وبعد افتتاح المعرض اكتشف فيستر وروبليتو مخططا فوتوغرافيا أنتج عام 1869 من قبل الطبيب الفرنسي تشارلز أوزانام يصف نبض رجل فرنسي في سن المائة، هو مونسنيور ليغار، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة. وقام فيستر بتحويل هذا المخطط الذي يصور نبضات القلب إلى صوت، باعثا الحياة إلى نبضات قلب رجل ولد في القرن الثامن عشر.



