معمارية التشكيل الشعري الملحمي

معمارية التشكيل الشعري الملحمي

«دفتر العابر» للمغربي ياسين عدنان نموذجاً
الأربعاء - 23 جمادى الأولى 1442 هـ - 06 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15380]

بتناوله «الفضاء الرحلي السير ذاتي في قصيدة النثر» من زاوية «معمارية التشكيل الشعري الملحمي في (دفتر العابر)» للشاعر المغربي ياسين عدنان، يأتي الكتاب الجديد للعراقي محمد صابر عبيد، أستاذ النظرية والمناهج الحديثة والنقد التطبيقي، ضمن إصدارات «الآن، ناشرون وموزعون»، ليمثل إضافة في مجال التعاطي مع قصيدة النثر العربية والبحث فيما يبني شعريتها، بعد عقود من الجدل لإثبات شرعيتها.
وكتب عبيد، في معرض دراسته النقدية، أن «دفتر العابر» هو «قصيدة سير ذاتية مخصوصة بالسفر في رحلات يقوم بها الشاعر»، في ظل وجود «عدد لا بأس به من العناصر الميثاقية القرائية» التي «تؤكد سير ذاتية السرد الشعري في القصيدة»، وبالتالي فإذا كانت قصيدة النثر قد دخلت في هذا الفضاء السير ذاتي، فإن «دفتر العابر» يتوغل أكثر في «مصطلح أبعد وأغزر» هو «القصيدة الرحلية السير ذاتية» الذي يعده مصطلحاً جديداً، قال إنه ابتكره كي يستجيب لمحطات القراءة النقدية التي يقترحها كتابه الجديد.
توزعت الدراسة على 16 باباً، منطلقة من مقدمة ومدخل حول أسئلة قصيدة النثر، قبل أن يتركز التناول على «دفتر العابر»، بداية من زوايا العنوان والاستهلال والغلاف والإهداء والتصدير.
وانطلق عبيد من خصوصية الجدل الذي رافق قصيدة النثر العربية، مشيراً إلى أن قصيدة النثر تعد اليوم «مثار جدل وسجال وحوار كثيف ومتجدد ومتطور ومثمر». وقصيدة النثر بالنسبة له «بالغة التنوع من حيث طبيعة تجربة كتابتها؛ إذ تنفتح على أجواء وفضاءات كتابية ثرية لا حدود لها، تضمن حداثتها المستمرة وحريتها المطلقة وعدم انضوائها تحت أي هيمنة نظرية مسبقة ترسم لها طريقها وتحدد أولوياتها»، كما تتعدد بتعدد شعرائها وتنوعهم، وبالتالي فـ«حين يتم تناول هذه التجارب نقدياً لا بد أن تمنح كل تجربة عناية قرائية خاصة لا تنتمي إلا لها على نحو شديد الخصوصية والتمركز والوضوح».
ويوضح عبيد طريقة تعاطيه مع موضوع كتابه، مشيراً إلى أن الرؤية البحثية المتمثلة في «الفضاء السير ذاتي في قصيدة النثر» تتضح بعنوانه الثاني المكمِّل نظرياً «معمارية التشكيل الملحمي في (دفتر العابر) لياسين عدنان»، في حين يتحرر في ممارسته النقدية الحرة من أي مرجعية نقدية خاصة بمقاربة قصيدة النثر العربية على المستويات كلها؛ مشدداً على ابتكار منهج نقدي ورؤية نقدية من جوهر النص الشعري وحساسيته وطبيعته ومزاجه وفضائه، على نحو يسمح له بتسخير خبرته وذائقته ورؤيته العابرة للنظرية والمنهج والسياق والأداة والممارسة، وترك أدوات الفحص الشديدة الانتباه بمزاج نقدي حر وديمقراطي وحداثي، يعمل بأفق مفتوح لا يدين بالولاء والانتماء إلا إلى النص ولا شيء غير النص.
وفق هذا الاختيار والقناعة، سينطلق عبيد في تناول «دفتر العابر» ذي الطبيعة التي وصفها بـ«الملحمية»، مشيراً إلى أنه ينفتح على «أجواء ومساقات وطبقات ومقامات وظلال وزوايا ونوافذ كثيرة»، حيث إن «شعريته تستجيب أولاً وأخيراً لمعمارية التشكيل الشعري الملحمي» من حيث «الاشتباك والتقاطع والتعاضد والتفاعل والتداخل، وتتمخض عن فضاء رحلي سير ذاتي بالمعنى الذي يجعل منها قصيدة سفر ينهض بها شاعر راحل وعابر ومسافر ومغامر، يحكي سيرته الذاتية في هذه الرحلات شعراً».
بعد مقدمة الكتاب، سيعيدنا المدخل إلى الأسئلة التي رافقت تجربة قصيدة النثر العربية، بالتشديد على أن تسمية قصيدة النثر قد خضعت لـ«إرهاب مفاهيمي واصطلاحي حاول بشوفينية ظلامية نزع شرعيتها في الانتماء لحقل الشعر وفرض قيم النثر عليها...»، وأنّ هذه التسمية اليوم قد «تكرّست بما يكفي للعزوف عن أي مقترحات جديدة في هذا الشأن»، داعياً الجميع إلى «الاقتناع بهذه التسمية والبحث في أمور أخرى أكثر جدوى بوسعها أن تكتشف قيماً جديدة في المشهد، بعيداً عن الارتماء في أحضان التفكير الإبداعي والتخوين الفكري الذي لن يغني من الأمر شيئاً في نهاية المطاف».
يستعرض عبيد في «قصيدة النثر: توابل الكلام» و«قصيدة النثر فضاء رؤيوياً» علاقة قصيدة النثر بقصيدة الوزن وقصيدة التفعيلة، وكيف «انفتح الفضاء الشعري لقصيدة النثر العربية الحديثة على أبواب ونوافذ وكُوّات كثيرة كي يستقبل الهواء الجديد والنظيف من الاتجاهات الظاهرة والباطنة كافة»، قبل أن ينهي بتقديم «دفتر العابر»، من خلال الحديث عن «الذات الشاعرة التي تروي حالها الحالم المنهك الطريد المخذول في المقاهي والحانات والمدن العابر منها لا ترويها سوى القصيدة، القصيدة هي السيرة وهي الرحلة وهي المقصد الذي يتوسل بمقاصد مكانية وزمانية أخرى كي يصل إليها».
ثم ينقلنا عبيد إلى فضاء التفاصيل وجدل السرد والحوار والمكان والشخصية، وتجليات الآخر في الفضاء الشعري الرحلي، ثم الاسترجاع والتوطين في المشهد الشعري الرحلي، وفضاء درامية الشعر ومسرحة القصيدة، مركزاً على أن شخصية الشاعر العابر، في «دفتر العابر»، هي الشخصية المركزية التي تروي الحدث الشعري وتدور حولها الأحداث الأخرى في مركز الحكاية والدوائر المحيطة بها، في حين «يصوغ الراوي الشعري الشخصية الشعرية» بـ«أسلوبية تشكيلية وسردية وبارعة»، تتضمن «وعياً بالمؤهلات التي تحتاج إليها كل شخصية بما ينسجم ودورها في طبقات الحدث الشعري».
يختم عبيد دراسته بالحديث عن جذوة الشعر التي «ينبغي أن تبقى مشتعلة في الفضاء الرحلي؛ لأن الشعر يكمن في روح لا تخبو، وهي تتطلع إلى مزيد من الرغبة والمغامرة وركوب المخاطر حتى يتحول (دفتر العابر) إلى كتاب يحمله في يمينه وبه يدلف إلى جنة الشعر، حيث الحياة أبداً في عيشة راضية».


Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة