تسجيلات تكشف مقايضة إيرانية ـ أرجنتينية للنفط مقابل إسقاط اتهامات التفجير

المدعي المكلف بالتحقيق في هجوم المعبد اليهودي عثر عليه مقتولا برصاصة قبل تقديم تقريره للكونغرس

أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)
أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)
TT

تسجيلات تكشف مقايضة إيرانية ـ أرجنتينية للنفط مقابل إسقاط اتهامات التفجير

أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)
أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)

أشارت المكالمات الهاتفية التي تم التنصت عليها بين ممثلين عن الحكومتين، الأرجنتينية والإيرانية، إلى مسار طويل من المفاوضات السرية للتوصل إلى صفقة بموجبها تتلقى الأرجنتين شحنات من النفط في مقابل حماية المسؤولين الإيرانيين من تهم تفيد بتخطيطهم لنسف أحد المراكز المجتمعية اليهودية في 1994.
تأتي نصوص المكالمات التي أفرج عنها أحد قضاة الأرجنتين، مساء الثلاثاء الماضي، كجزء من شكوى جنائية بلغت 289 صفحة مقدمة من قبل ألبرتو نيسمان، وهو المدعي الخاص المكلف بالتحقيق في الهجوم. وقد عثر على نيسمان مقتولا في شقته الفاخرة الأحد، قبل ليلة واحدة من تقديم النتائج التي توصل إليها إلى الكونغرس.
غير أن المكالمات الهاتفية الملتقطة، إذا ما ثبتت صحتها، فسوف تشير إلى جهود حثيثة لمكافأة الأرجنتين على إرسال الأغذية إلى إيران، والسعي وراء عرقلة التحقيقات في الهجمة الإرهابية المدبرة في العاصمة الأرجنتينية التي حصدت أرواح 85 شخصا.
لم تدخل تلك الصفقة حيز التنفيذ الفعلي، على حد وصف الشكوى، وجزء منها يرجع إلى عجز المسؤولين في الأرجنتين عن إقناع البوليس الدولي (الإنتربول) برفع مذكرات التوقيف تجاه المسؤولين الإيرانيين المطلوبين في الأرجنتين لصلتهم بالهجوم المذكور.
ويعتقد أن مسؤولي الاستخبارات الأرجنتينية هم من كانوا وراء اعتراض المحادثات الهاتفية. ويظهر من النصوص وجود تضافر للجهود من قبل ممثلي حكومة الرئيسة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر لتحويل الشكوك بعيدا عن إيران حتى يتسنى الوصول إلى الأسواق الإيرانية وتخفيف المشكلات النفطية بالأرجنتين.
تأتي تلك الاتصالات في وقت كانت إيران تسعى فيه إلى تحسين صورتها في أميركا اللاتينية. وفي الأعوام الأخيرة، حققت إيران علاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع الحكومات اليسارية في فنزويلا وبوليفيا، وفي الوقت ذاته تتحول إلى كبار منتجي السلع مثل البرازيل من أجل صادرات الطعام وللتخفيف من حالة العزلة الدولية المفروضة عليها من قبل الغرب إثر برنامجها النووي. تؤكد الشكوى المقدمة أن المفاوضات شملت عملاء بالاستخبارات الأرجنتينية ومحسن رباني، الملحق الثقافي الإيراني السابق لدى الأرجنتين، والمتهم بالمساعدة في تنسيق حادثة التفجير.
في أحد النصوص من عام 2013، قال أحد رؤساء الاتحادات، من كبار مؤيدي السيدة كيرشنر بالأرجنتين، إنه كان يعمل وفقا لأوامر «زعيمة البلاد»، مضيفا أن «الحكومة كانت موافقة على إرسال فريق من الشركة الوطنية للنفط من أجل دفع المفاوضات». ولقد كان مهتما للغاية بمبادلة ما لديهم مقابل الحبوب واللحوم، على حد وصف رئيس الاتحاد، لويس ديليا، مشيرا إلى أحد الوزراء بالأرجنتين الذي كان قد تقابل معه أخيرا. ويظهر تسجيل آخر أن المفاوضات كانت تدور حول سبل إلقاء اللوم في الهجمة الإرهابية على الجماعات اليمينية والنشطاء بالأرجنتين.
ويأتي نص ملتقط آخر ليتضمن مناقشة حول مبادلة ليس فقط الحبوب من الأرجنتين، ولكن الأسلحة كذلك، مقابل النفط الإيراني.
يقول فرناندو غونزاليس، وهو محرر في صحيفة كرونيستا، في مقالة نشرت الأربعاء الماضي: «كان نشر شكوى نيسمان بمثابة الخطوة الأولى التي يمكن أن تساهم في شفافية التحقيقات التي يكتنفها الغموض والتجميد لأكثر من 20 عاما في قبر الإفلات من العقاب»، محتجا أن ذلك من شأنه تمهيد الطريق أمام المحققين الجدد وأمام السيدة كيرشنر للدفاع عن نفسها.
أكد نيسمان لسنوات أن إيران ساعدت في تخطيط وتمويل التفجير، وأن حليفها اللبناني، جماعة حزب الله المسلحة، هي من قامت بالتنفيذ. وقد عثر على جثته في شقته يوم الأحد مصابة بطلق ناري في الرأس في حلقة غامضة، وصفها المسؤولون الحكوميون بالانتحار، ولكن التحقيق لا يزال مفتوحا. أحد الخبراء، ومن بينهم عميل سابق لدى مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية، كان يساعد الأرجنتين في التحقيقات، تساءل حول مزاعم التورط الإيراني المباشر. ومع ذلك، كانت علاقات الأرجنتين بإيران محدودة لسنوات، وفي جزء منها بسبب أهمية التحقيقات بالنسبة إلى الجالية اليهودية الكبيرة في البلاد.
بعد ذلك، في 2013، أعلنت الأرجنتين أنها توصلت إلى اتفاق مع إيران لإقامة لجنة مشتركة للتحقيق في الهجوم. وتلقت تلك الخطوة دعم الكونغرس الأرجنتيني، ولكنها واجهت مقاومة ضارية من بعض ممن يخافون أنها قد تؤثر على حياد التحقيقات. وقد أعلنت إحدى المحاكم في الأرجنتين عدم دستورية تشكيل تلك اللجنة العام الماضي، وتعهدت الحكومة بالاستئناف.
خلال الأسبوع الماضي فقط، أثار نيسمان (51 سنة) الشكوك عن طريق توجيه الاتهام إلى كبار المسؤولين بالأرجنتين، ومن بينهم السيدة كيرشنر، للتآمر مع إيران للتغطية على مسؤوليتها في حادثة التفجير. وقال إن «تلك الجهود قد بدأت تتشكل إثر اجتماع سري عقد في مدينة حلب السورية في يناير (كانون الثاني) 2011 بين هيكتور تيمرمان، وزير خارجية الأرجنتين، وبين علي أكبر صالحي، وزير خارجية إيران الأسبق». في الاجتماع، على نحو ما تفيد الشكوى، أبلغ تيمرمان نظيره الإيراني عدم رغبة الأرجنتين في دعم التحقيقات حيال دور إيران المحتمل في تنفيذ الهجوم. بدلا من ذلك، بدأت الأرجنتين في اتخاذ خطوات في اتجاه الانفراج، مع التركيز على تحسين العلاقات التجارية بين البلدين.
عقب ذلك الاجتماع، قال نيسمان إن «فريقا سريا من المفاوضين الأرجنتينيين، ومن بينهم لويس ديليا، تساءل بكل وضوح ما إذا كان يمكن تحميل إسرائيل اللوم حيال تفجيرات عام 1994؟ محاولا في عبث مقايضة الحصانة مقابل النفط».
قال نيسمان إن المفاوضين، بما فيهم عملاء الاستخبارات، كانوا مكلفين بمهمة «طرح فرضية مغالطة، استنادا على أدلة ملفقة، لتوجيه الاتهام نحو أشخاص جدد» بشأن حادثة تفجير عام 1994.
أحجم ديليا عن التعليق على ذلك مساء الأربعاء. وقد رفض تيمرمان، وزير الخارجية، اتهامات نيسمان، مؤكدا على أن الأرجنتين لم تطالب الإنتربول الدولي برفع مذكرات التوقيف.
ووجه مسؤولون آخرون في حكومة السيدة كيرشنر الانتقادات إلى نيسمان، قبل وبعد وفاته في نهاية الأسبوع، مؤكدين على أنه كان يتحرك وفقا لتوجيهات أنطونيو ستيوسو، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات السابقين، الذي خلعته رئيسة البلاد من منصبه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وصف هانبيال فرنانديز، السكرتير الرئاسي، شكوى نيسمان في يوم الأربعاء بأنها «ضعيفة للغاية».
كما سعى جورج كابيتانيتش، رئيس الوزراء، إلى التقليل من أهمية النتائج، قائلا: «إن الأرجنتين لم تستورد النفط الخام من إيران».
وعلى نحو منفصل، وصفت وكالة أنباء تيلام الرسمية الشكوى بأنها «متاهة من التناقضات»، معتبرة أن الشخص المحدد من قبل نيسمان بأنه من عملاء الاستخبارات، لم يكن على اتصال بجهاز الاستخبارات الأرجنتيني بالأساس. كما أفادت الوكالة أن «صادرات الحبوب يجري تنفيذها بواسطة كبريات الشركات الزراعية بالبلاد، دافعة بأن الحكومة لا يمكنها الوصول لاتفاق من دون تلك الشركات».
وفي حين أن الشكوى أظهرت أن الصفقة لم تبرم ولم تؤت ثمارها، معتبرة أنها قد انهارت بسبب حالة الإحباط لدى الجانب الإيراني، لأن دول أخرى سعت وراء صفقات النفط مقابل الغذاء في المنطقة. في منطقة الكاريبي، كان هوجو شافيز، رئيس فنزويلا الراحل، قد وافق على توريد النفط إلى جمهورية الدومينيكان في مبادلة جزئية لواردات غذائية مثل الفاصوليا السوداء.
غير أن عقد الصفقات مع إيران سوف يأتي بالمزيد من المخاطر. وقد أحجمت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن عن التعليق حول ما إذا كانت شحنات النفط الإيراني إلى الأرجنتين تعتبر انتهاكا للعقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي. ولكن على موقعها، أوضحت وزارة الخزانة أن المقايضة مقابل النفط الإيراني يمكن أن تؤدي إلى فرض عقوبات. وخلال الوقت الذي كانت تتكشف فيها أنباء المفاوضات السرية، عادت إيران للظهور في وضعية الشريك التجاري المهم للأرجنتين، في الوقت الذي كانت البلاد فيه تسعى وراء أسواق جديدة لسلعها الغذائية في الشرق الأوسط وآسيا.
يقول خوان جيلبرت توكاتليان، أحد خبراء العلاقات الدولية لدى جامعة توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس: «تحسنت العلاقات التجارية بصورة كبيرة بين الأرجنتين وإيران منذ عام 2010 مع فوائض كبرى لصالح الجانب الأرجنتيني، قبل أن تنخفض مجددا في عام 2014»، مشيرا إلى أن «حجم التجارة السنوية لما يربو على المليار دولار لهذا العقد، مقارنة بمستويات ضئيلة لا تذكر خلال العقد الماضي». وبعيدا عن التجارة، امتدت العلاقات الجيدة بين الأرجنتين وإيران وصولا إلى المجال الدبلوماسي، وفقا للمكالمات المسجلة. «إننا نعمل بشكل جيد للغاية»، كانت كلمة رامون هيكتور بوغادو، الذي حُددت شخصيته في الشكوى بوصفه عميلا للاستخبارات الأرجنتينية، حلال توقيع مذكرة عام 2013 للتحقيقات المشتركة حول حادثة التفجير.
«علينا العمل بهدوء»، قالها بوغادو لرجل عُرف في الشكوى بأنه الوسيط لدى الجانب الإيراني، «لدينا عمل نقوم به لـ10 سنوات قادمة».
لكن في غضون بضعة أشهر، أشارت النصوص الملتقطة، إلى أن المزاج قد تغير حيث بات من الواضح أن الإنتربول الدولي لم يرفع مذكرات التوقيف بحق الإيرانيين.
وحسب نصوص المكالمات المسجلة سمع الوسيط الإيراني وهو يقول: «يبدو أن وزير الخارجية الأرجنتيني قد أخفق»، عقب عودته من طهران في مايو (أيار) 2013، حينما أصبح من الواضح أن الإنتربول الدولي لن يرفع مذكرات التوقيف.

* خدمة «نيويورك تايمز»



إسرائيل لن تُعارض «اتفاق ترمب السيئ»... وتستعد للقتال

عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل لن تُعارض «اتفاق ترمب السيئ»... وتستعد للقتال

عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

حتى قبل اتخاذ موقف رسمي، سربت القيادات السياسية في تل أبيب مواقف عدّت اتفاق وقف النار مع إيران «سيئًا وينطوي على تنازلات تضيع الإنجازات العسكرية»، وتتيح لنظام «الحرس الثوري» في إيران البقاء، لكنها رغم ذلك أكدت أنها «ستلتزم به».

وأطلقت هذه المواقف في الفضاء العام بإسرائيل في وقت مبكر من يوم الأربعاء، قبل أن يشن الجيش الإسرائيلي أعنف غارات منذ بدء الحرب الشهر الماضي، باستهداف أكثر من 100 هدف في لبنان.

ونقلت «هيئة البث العامة» (قناة كان 11) عن مسؤول سياسي كبير أن الإدارة الأميركية لم تُبلغ إسرائيل بالاتفاق في وقت مناسب، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اتصل برئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قبل ساعات قليلة فقط لإبلاغه بوقف النار.

وأكد المسؤول الإسرائيلي أن مضمون المحادثة عن «وقف نار مؤقت لمدة أسبوعين دون إنهاء الحرب التي من المتوقع أن تُستأنف مجدداً؛ لأن القيادة الإيرانية ستواصل تعنتها، وستتسبب في تفجير الاتفاق سريعاً».

ولم يخفِ غالبية المسؤولين والخبراء الإسرائيليين تذمرهم من قرار ترمب، وخشيتهم ألا يعود إلى الحرب، حتى لو فشلت المفاوضات. وقالوا إن الأميركيين يئسوا من هذه الحرب، ويريدون نهايتها، ربما أكثر من الإيرانيين.

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

التفرغ للانتخابات

وأشار هؤلاء إلى أن ترمب «ينوي التفرغ للانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، التي يظهر من أحداث المعركة وحيثياتها أن الحزب الجمهوري سيخسر فيها أكثريته في الكونغرس»، كما ذكروا بأن أصواتاً بدأت تنتقد الرئيس الأميركي، ليس فقط داخل الحزب الجمهوري، بل أيضاً ضمن حركة «ماغا» التي تُشكّل دعمه الأساسي، حيث تُطالب بعض هذه الأصوات بفحص حالته النفسية، خصوصاً مع ظهوره ضعيفاً في مواجهة إيران.

ووقفت قيادة المعارضة الحزبية في إسرائيل ضد وقف الحرب. وقال يائير لابيد، رئيس حزب «يوجد مستقبل»، إن الاتفاق «كارثة سياسية غير مسبوقة»، متهماً رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بـ«الفشل في تحقيق أهداف الحرب».

وكتب لابيد عبر حسابه على منصة «إكس»: «لم تحدث كارثة سياسية مثل هذه في تاريخنا كله. لم تكن إسرائيل حتى بالقرب من طاولة (المفاوضات) عندما جرى اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر أمننا القومي. جيشنا نفّذ كل ما طُلب منه، والجمهور أظهر صلابة مذهلة، لكن نتنياهو فشل سياسياً واستراتيجياً، ولم يُحقق أياً من الأهداف التي وضعها بنفسه».

وأردف قائلاً: «سنستغرق سنوات لإصلاح الأضرار السياسية والاستراتيجية التي تسبب بها نتنياهو بسبب الغرور والإهمال وانعدام التخطيط الاستراتيجي».

واعتبر يائير جولان، رئيس حزب «الديمقراطيين اليساري»، أن «نتنياهو كذب حين وعد بنصر تاريخي، لكن ما حصلنا عليه فعلياً هو فشل استراتيجي من أخطر ما عرفته إسرائيل».

وأكد جولان في تصريحات صحافية، أن «نتنياهو لم يحقق أياً من الأهداف؛ البرنامج النووي لم يُدمر، والتهديد الباليستي ما زال قائماً، والنظام الإيراني بقي على حاله، بل خرج من هذه الحرب أكثر قوة». ولفت النظر إلى أن «إيران تحتفظ باليورانيوم المخصب، وتُسيطر على مضيق هرمز، وتملي الشروط، وإسرائيل مرة أخرى -كما في غزة- لا تُقرر ولا تؤثر».

وفي السياق ذاته، أوضح أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أن وقف إطلاق النار مع إيران يمنح النظام فترة استراحة وفرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وقال: «أي اتفاق مع إيران، من دون التخلي عن تدمير إسرائيل، وتخصيب اليورانيوم، وإنتاج الصواريخ الباليستية، ودعم الوكلاء في المنطقة، يعني أننا سنضطر إلى العودة إلى جولة أخرى، في ظروف أكثر صعوبة وسندفع ثمناً أثقل».

أشخاص يتنزهون على الواجهة البحرية في تل أبيب في 8 أبريل 2026 عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

تداعيات الحرب

وفي السياق ذاته، اعتبر آفي أشكنازي، وزير خارجية الاحتلال السابق، أن إسرائيل والولايات المتحدة «تكبدتا خسارة فادحة في هذه الحرب». ونقلت صحيفة «معاريف» عنه قوله: «الترجيحات تُشير إلى أن ثمن هذه الخسارة سيدفع فوراً وبشكل مباشر، سواء في الساحة اللبنانية أو عبر تداعيات ممتدة على مدى السنوات المقبلة، في ظل واقع تعمل فيه إيران على ترسيخ حضورها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة في الخليج العربي».

ورأى أشكنازي أن «إيران نجحت على المستوى التكتيكي في فرض صيغة اتفاق على الولايات المتحدة كانت هي نفسها قد صاغت معظم بنوده، قبل أن يعاد تسويقه عبر قنوات باكستانية وتركية، كما تمكنت طهران من رفض اتفاق بديل أعدته واشنطن».

وقال اللواء يسرائيل زيف للقناة الثانية إن الطريقة الوحيدة لرفع يد إيران عن مضيق هرمز، هي القتال. وأضاف أن على الجيش الأميركي أن يعلن احتلال المضيق والمواقع الدفاعية المحيطة به، ويسيطر عليه تماماً ويديره بنفسه. وبدلاً من أن يمنع الإيرانيون البوارج من المرور كما يحدث اليوم، يجب على أميركا منع الإيرانيين من استخدام المضيق وفرض حصار عليه.

وتطرق زيف إلى نتنياهو، وقال إنه جعل إسرائيل رقماً هامشياً في المعادلة. فالقرار يؤخذ فقط في واشنطن. وإسرائيل تمتثل. لقد عدنا إلى عقلية ما قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) ولا نريد أن نغير.

وكتب المحرر العسكري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن «النتائج غير مشجعة حتى الآن، على أقل تقدير».

وأضاف أنه «مع بدء الهجوم في 28 فبراير (شباط)، رسم محيط نتنياهو 3 أهداف رئيسية لهذه المعركة في أحاديثه مع الصحافيين: إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على البرنامج النووي، وإنهاء خطر الصواريخ الباليستية. إلا أن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق حتى الآن، رغم أنه لا يمكن استبعاد تجدد الحرب بعد أسبوعين».

وتابع أن «النظام الإيراني لا يزال قائماً كما هو، ولا يوجد حتى الآن حل لمسألة 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، فيما لا يزال برنامج الصواريخ فعالاً، ولو بشكل جزئي. كما تضررت مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، وتواجه اتهامات بأنها دفعت الرئيس ترمب إلى حرب لم تكن ضرورية».

واعتبر هرئيل أنه «لا يوجد تناسب كامل بين التفوق العسكري والنتائج الاستراتيجية المرجوة».


«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)
TT

«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)

عندما سُئل جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، بمناسبة مقابلة مع القناة الفرنسية الثانية، عن «المقابل» الذي دفعته باريس لإيران من أجل المواطنين الفرنسيين سيسيل كوهلر وجاك باريس المحتجزَين في طهران منذ أربع سنوات وصدرت بحقهما أحكام مشددة بعد إدانتهما بالتجسس لصالح إسرائيل وفرنسا، جاءت إجابته غامضة.

وجاء في حرفيتة كلام بارو: «كما تعلمون، إنه عمل طويل الأمد. لقد مضى عام ونصف العام ونحن نعمل على هذا الموضوع. وقد استكشفنا الكثير من السيناريوهات، وهذه نقاشات حساسة بطبيعتها، وهي سرّية بطبيعتها ويجب أن تبقى كذلك». بيد أنه أضاف: «لكن ما يمكنني قوله لكم هو أننا لم نقم إطلاقاً، وبأي شكل من الأشكال، خاصةً وأنني رأيت أن البعض حاول أن يوجّه هذا اللوم إلى فرنسا، بربط مصير رهائننا، الذي كان أولوية قصوى بالنسبة لنا، بخيارات سياسة فرنسا الخارجية. أبداً».

الرئيس ماكرون يصافح الأربعاء جاك باريس رفيق درب كوهلر في حديقة قصر الإليزيه (إ.ب.أ)

صفقة فرنسية - إيرانية؟

كان من الطبيعي أن يقول بارو ما قاله. فالخط الذي تسير عليه فرنسا، رسمياً، فيما خص استعادة رهائنها يقوم على رفض الخضوع لما تعدّه «ابتزازاً» في حين المعروف عن إيران أنها تستخدم الرهائن الأجانب للحصول على تنازلات من الأطراف الغربية.

وبين باريس وطهران قصة طويلة في ملف الرهائن تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، لكن المهم فيما قاله بارو واقع بين السطور. صحيح أن الحكومة الفرنسية بقيت متصلبة في تعاطيها مع ملف إيران النووي وكانت مبادرة في إعادة فرض العقوبات الدولية عليها في إطار ما يسمى عملية «سناب باك» الخريف الماضي، إلا أن باريس بقيت على تواصل دائم معها والرئيس إيمانويل ماكرون كان الوحيد بين القادة الغربيين الذي التقى نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك، في سبتمبر (أيلول) 2025 واتصل به لاحقاً.

ومثله فعل بارو الذي تواصل مع عباس عراقجي الأحد الماضي وكان ملف الرهينتين الفرنسيتين أحد المواضيع التي تناولاها. وعندما يقول بارو إن باريس لم تربط أبداً خياراتها السياسية، أي مواقفها من إيران، بملف الرهائن، فإن كلامه يمكن أن يفسر أنها قدمت تنازلات في مكان آخر.

والمقصود هنا مصير المواطنة الإيرانية مهدية أسفندياري. فالمعلومات المتوافرة التي كشف عنها محاميها نبيل بودي تفيد بأن الشرطة أبلغتها، الثلاثاء، رفع الإقامة الجبرية عنها؛ ما يعني أنها أصبحت قادرة على مغادرة الأراضي الفرنسية، وذلك عندما أصبحت كوهلر وباريس خارج الأراضي الإيرانية.

وصحيح أن الحياة تعرف الكثير من الصدف ومنها غير المتوقعة أبداً، بيد أن التزامن بين تمكين الرهينتين السابقتين من الخروج من السفارة الفرنسية في طهران، حيث كانا يقيمان منذ خمسة أشهر، وهو حال أسفندياري في السفارة الإيرانية في باريس، وبين فتح المجال للأخيرة للخروج من فرنسا، يصعب وضعه في خانة الصدف.

فالوزير عراقجي كشف عن السيناريو المرتب بين باريس وطهران منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وعنوانه «المقايضة»، رغم أن الجانب الفرنسي رفض دوماً الخوض في هذا السجال.

والمهم أن بارو أفاد بأن المخاوف التي أثارتها تهديدات الرئيس دونالد ترمب «عجَّلت» في تسهيل عملية الإفراج. كذلك، فإن بارو والرئيس ماكرون نوَّها بالدور الذي لعبته إيران في تسهيل العملية.

ومن المرجح أن باريس حصلت على ضمانات من الجانبين الإيراني والإسرائيلي لتسهيل سفر الموكب الدبلوماسي الذي رافق الرهينتين من طهران وحتى باكو، عاصمة أذربيجان والذي دام ثماني ساعات منها ثلاث من الانتظار على الحدود بين إيران وأذربيجان.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير برفقة سيسيل كولر (يساراً) وجاك باريس (الثاني من اليسار) (أ.ب)

لا رهائن إضافيين

شكلت استعادة كوهلر وباريس نهاية لمسلسل الرهائن الفرنسيين في إيران الذين وصل عددهم، في فترة ما، إلى سبعة. وحرص الرئيس ماكرون على استقبالهما في حديقة قصر الإليزيه، مباشرة بعد وصولهما إلى العاصمة باريس عقب هبوط طائرتهما في مطار رواسي شارل ديغول صباح الأربعاء.

واحتضن ماكرون كوهلر طويلاً وكذلك فعل مع باريس. كما أنه عبَّر عن اغتباط بلاده بعودتهما وكان قد فعل ذلك الثلاثاء وهو ما أجمعت عليها كل الشخصيات الرسمية والسياسية واللجنة التي شُكّلت لدعم الرهينتين.

وقبل انطلاق اجتماع مجلس الدفاع والأمن في القصر الرئاسي، أعرب ماكرون عن «سعادته البالغة» بعودتهما، التي تمثّل «نهاية محنة مروّعة استمرت ثلاث سنوات ونصف السنة». كذلك، شكر خصوصاً «السلطات العُمانية على جهودها في الوساطة» التي قامت بها لتسهيل عودة الرهينتين. وتقيم عمان علاقات جيدة مع إيران وقد لعبت دوراً رئيسياً في المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة قبل انطلاق الحرب مجدداً في 28 فبراير (شباط) 2026.

لم تتأخر كوهلر، أستاذة اللغة والأدب الفرنسيين والبالغة من العمر 41 عاماً، لدى خروجها من القصر، عن توجيه الشكر لأجهزة الدولة الفرنسية التي تعبأت «من أجل إخراجنا من جحيم (سجن) إيفين، حيث عشنا الرعب اليومي، وعشنا التعسف الدائم»، مضيفة: «لقد نجونا بأعجوبة، وكان يمكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير».

من جانبه، قال باريس، المدرس المتقاعد، البالغ من العمر 72 عاماً، وهو رفيق درب كوهلر واعتقل في اليوم نفسه الذي اعتقلت فيه عام 2022: «لقد عوملنا في ظروف بالغة الصعوبة... ظروف احتجاز لا إنسانية». وأضاف: «ربما كان أحد الأهداف هو تحطيمنا وكسرنا وتجريدنا من كل طاقة. واليوم، يمكننا أن نقول لكم... إننا لم نُكسر».

وقد جاء الحكم الذي صدر بحقهما بالغ التشدد؛ إذ حُكم عليهما، في أكتوبر (تشرين الأول)، بالسجن لـ20 عاماً و17 عاماً. لكن الحكم كان، في الواقع، سياسياً أكثر مما هو قضائي؛ إذ أُفرج عنهما في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) وسُمح لهما بالانتقال من السجن إلى السفارة الفرنسية مع منعهما من مغادرة إيران.

مقابل الصمت الفرنسي، كانت طهران أكثر وضوحاً؛ إذ أعلنت منذ شهور عن وجود اتفاق مع فرنسا لمبادلة كوهلر وباريس بمهدية أسفندياري التي أُوقفت في مدينة ليون - ثالث أكبر المدن الفرنسية - حيث كانت تقيم في فبراير 2025 بتهمة الترويج للإرهاب.

أُفرج عن أسفندياري، التي أُدينت في أواخر فبراير في محكمة البداية، بتهمة تمجيد الإرهاب في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن قضت ما يقرب من عام في السجن، لكنها استأنفت الحكم.

ولم يُعرف، حتى ظهر الأربعاء، ما إذا كانت ما زالت على الأراضي الفرنسية أم أنها غادرتها أو أنها طلبت من محاميها سحب طلب استئناف الحكم الذي وصفته ب«الجائر» بحقها؛ إذ قُضي بحبسها لأربع سنوات منها سنة واحدة نافذة.


إردوغان يحذر في اتصال مع ترمب من تخريب مسعى السلام

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ)
TT

إردوغان يحذر في اتصال مع ترمب من تخريب مسعى السلام

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (إ.ب.أ)

ذكر ​مكتب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اليوم الأربعاء ‌أنه ‌أبلغ ​نظيره ‌الأميركي ⁠دونالد ترمب ​بضرورة عدم ⁠منح أي فرصة لتخريب عملية ⁠وقف ‌إطلاق النار، وفقاً لوكالة «رويترز».

ونقل ‌المكتب ​عن ‌إردوغان ‌قوله لترمب خلال اتصال هاتفي ‌إن الأسبوعين «فرصة» يجب استغلالها على ⁠نحو ⁠جيد للغاية بهدف التوصل إلى اتفاق سلام دائم.

تحول الارتياح الذي ساد بعد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران إلى قلق اليوم بسبب استمرار القتال في أنحاء المنطقة، إذ نفذت إسرائيل أكبر هجماتها حتى الآن ​على لبنان، في حين قصفت إيران منشآت نفطية في دول مجاورة.

يأتي ذلك بعد إعلان ترمب عن الاتفاق في وقت متأخر من مساء أمس الثلاثاء، قبل ساعتين من المهلة التي حددها لإيران لفتح مضيق هرمز أو تعريض «حضارتها بأكملها للدمار».