تسجيلات تكشف مقايضة إيرانية ـ أرجنتينية للنفط مقابل إسقاط اتهامات التفجير

المدعي المكلف بالتحقيق في هجوم المعبد اليهودي عثر عليه مقتولا برصاصة قبل تقديم تقريره للكونغرس

أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)
أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)
TT

تسجيلات تكشف مقايضة إيرانية ـ أرجنتينية للنفط مقابل إسقاط اتهامات التفجير

أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)
أرجنتينيون يرفعون صور ألبرتو نيسمان الذي كان يحقق في قضية الهجوم على تعاونية يهودية في 1994 ووجد مقتولا الأحد الماضي (نيويورك تايمز)

أشارت المكالمات الهاتفية التي تم التنصت عليها بين ممثلين عن الحكومتين، الأرجنتينية والإيرانية، إلى مسار طويل من المفاوضات السرية للتوصل إلى صفقة بموجبها تتلقى الأرجنتين شحنات من النفط في مقابل حماية المسؤولين الإيرانيين من تهم تفيد بتخطيطهم لنسف أحد المراكز المجتمعية اليهودية في 1994.
تأتي نصوص المكالمات التي أفرج عنها أحد قضاة الأرجنتين، مساء الثلاثاء الماضي، كجزء من شكوى جنائية بلغت 289 صفحة مقدمة من قبل ألبرتو نيسمان، وهو المدعي الخاص المكلف بالتحقيق في الهجوم. وقد عثر على نيسمان مقتولا في شقته الفاخرة الأحد، قبل ليلة واحدة من تقديم النتائج التي توصل إليها إلى الكونغرس.
غير أن المكالمات الهاتفية الملتقطة، إذا ما ثبتت صحتها، فسوف تشير إلى جهود حثيثة لمكافأة الأرجنتين على إرسال الأغذية إلى إيران، والسعي وراء عرقلة التحقيقات في الهجمة الإرهابية المدبرة في العاصمة الأرجنتينية التي حصدت أرواح 85 شخصا.
لم تدخل تلك الصفقة حيز التنفيذ الفعلي، على حد وصف الشكوى، وجزء منها يرجع إلى عجز المسؤولين في الأرجنتين عن إقناع البوليس الدولي (الإنتربول) برفع مذكرات التوقيف تجاه المسؤولين الإيرانيين المطلوبين في الأرجنتين لصلتهم بالهجوم المذكور.
ويعتقد أن مسؤولي الاستخبارات الأرجنتينية هم من كانوا وراء اعتراض المحادثات الهاتفية. ويظهر من النصوص وجود تضافر للجهود من قبل ممثلي حكومة الرئيسة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر لتحويل الشكوك بعيدا عن إيران حتى يتسنى الوصول إلى الأسواق الإيرانية وتخفيف المشكلات النفطية بالأرجنتين.
تأتي تلك الاتصالات في وقت كانت إيران تسعى فيه إلى تحسين صورتها في أميركا اللاتينية. وفي الأعوام الأخيرة، حققت إيران علاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع الحكومات اليسارية في فنزويلا وبوليفيا، وفي الوقت ذاته تتحول إلى كبار منتجي السلع مثل البرازيل من أجل صادرات الطعام وللتخفيف من حالة العزلة الدولية المفروضة عليها من قبل الغرب إثر برنامجها النووي. تؤكد الشكوى المقدمة أن المفاوضات شملت عملاء بالاستخبارات الأرجنتينية ومحسن رباني، الملحق الثقافي الإيراني السابق لدى الأرجنتين، والمتهم بالمساعدة في تنسيق حادثة التفجير.
في أحد النصوص من عام 2013، قال أحد رؤساء الاتحادات، من كبار مؤيدي السيدة كيرشنر بالأرجنتين، إنه كان يعمل وفقا لأوامر «زعيمة البلاد»، مضيفا أن «الحكومة كانت موافقة على إرسال فريق من الشركة الوطنية للنفط من أجل دفع المفاوضات». ولقد كان مهتما للغاية بمبادلة ما لديهم مقابل الحبوب واللحوم، على حد وصف رئيس الاتحاد، لويس ديليا، مشيرا إلى أحد الوزراء بالأرجنتين الذي كان قد تقابل معه أخيرا. ويظهر تسجيل آخر أن المفاوضات كانت تدور حول سبل إلقاء اللوم في الهجمة الإرهابية على الجماعات اليمينية والنشطاء بالأرجنتين.
ويأتي نص ملتقط آخر ليتضمن مناقشة حول مبادلة ليس فقط الحبوب من الأرجنتين، ولكن الأسلحة كذلك، مقابل النفط الإيراني.
يقول فرناندو غونزاليس، وهو محرر في صحيفة كرونيستا، في مقالة نشرت الأربعاء الماضي: «كان نشر شكوى نيسمان بمثابة الخطوة الأولى التي يمكن أن تساهم في شفافية التحقيقات التي يكتنفها الغموض والتجميد لأكثر من 20 عاما في قبر الإفلات من العقاب»، محتجا أن ذلك من شأنه تمهيد الطريق أمام المحققين الجدد وأمام السيدة كيرشنر للدفاع عن نفسها.
أكد نيسمان لسنوات أن إيران ساعدت في تخطيط وتمويل التفجير، وأن حليفها اللبناني، جماعة حزب الله المسلحة، هي من قامت بالتنفيذ. وقد عثر على جثته في شقته يوم الأحد مصابة بطلق ناري في الرأس في حلقة غامضة، وصفها المسؤولون الحكوميون بالانتحار، ولكن التحقيق لا يزال مفتوحا. أحد الخبراء، ومن بينهم عميل سابق لدى مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية، كان يساعد الأرجنتين في التحقيقات، تساءل حول مزاعم التورط الإيراني المباشر. ومع ذلك، كانت علاقات الأرجنتين بإيران محدودة لسنوات، وفي جزء منها بسبب أهمية التحقيقات بالنسبة إلى الجالية اليهودية الكبيرة في البلاد.
بعد ذلك، في 2013، أعلنت الأرجنتين أنها توصلت إلى اتفاق مع إيران لإقامة لجنة مشتركة للتحقيق في الهجوم. وتلقت تلك الخطوة دعم الكونغرس الأرجنتيني، ولكنها واجهت مقاومة ضارية من بعض ممن يخافون أنها قد تؤثر على حياد التحقيقات. وقد أعلنت إحدى المحاكم في الأرجنتين عدم دستورية تشكيل تلك اللجنة العام الماضي، وتعهدت الحكومة بالاستئناف.
خلال الأسبوع الماضي فقط، أثار نيسمان (51 سنة) الشكوك عن طريق توجيه الاتهام إلى كبار المسؤولين بالأرجنتين، ومن بينهم السيدة كيرشنر، للتآمر مع إيران للتغطية على مسؤوليتها في حادثة التفجير. وقال إن «تلك الجهود قد بدأت تتشكل إثر اجتماع سري عقد في مدينة حلب السورية في يناير (كانون الثاني) 2011 بين هيكتور تيمرمان، وزير خارجية الأرجنتين، وبين علي أكبر صالحي، وزير خارجية إيران الأسبق». في الاجتماع، على نحو ما تفيد الشكوى، أبلغ تيمرمان نظيره الإيراني عدم رغبة الأرجنتين في دعم التحقيقات حيال دور إيران المحتمل في تنفيذ الهجوم. بدلا من ذلك، بدأت الأرجنتين في اتخاذ خطوات في اتجاه الانفراج، مع التركيز على تحسين العلاقات التجارية بين البلدين.
عقب ذلك الاجتماع، قال نيسمان إن «فريقا سريا من المفاوضين الأرجنتينيين، ومن بينهم لويس ديليا، تساءل بكل وضوح ما إذا كان يمكن تحميل إسرائيل اللوم حيال تفجيرات عام 1994؟ محاولا في عبث مقايضة الحصانة مقابل النفط».
قال نيسمان إن المفاوضين، بما فيهم عملاء الاستخبارات، كانوا مكلفين بمهمة «طرح فرضية مغالطة، استنادا على أدلة ملفقة، لتوجيه الاتهام نحو أشخاص جدد» بشأن حادثة تفجير عام 1994.
أحجم ديليا عن التعليق على ذلك مساء الأربعاء. وقد رفض تيمرمان، وزير الخارجية، اتهامات نيسمان، مؤكدا على أن الأرجنتين لم تطالب الإنتربول الدولي برفع مذكرات التوقيف.
ووجه مسؤولون آخرون في حكومة السيدة كيرشنر الانتقادات إلى نيسمان، قبل وبعد وفاته في نهاية الأسبوع، مؤكدين على أنه كان يتحرك وفقا لتوجيهات أنطونيو ستيوسو، أحد كبار مسؤولي الاستخبارات السابقين، الذي خلعته رئيسة البلاد من منصبه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وصف هانبيال فرنانديز، السكرتير الرئاسي، شكوى نيسمان في يوم الأربعاء بأنها «ضعيفة للغاية».
كما سعى جورج كابيتانيتش، رئيس الوزراء، إلى التقليل من أهمية النتائج، قائلا: «إن الأرجنتين لم تستورد النفط الخام من إيران».
وعلى نحو منفصل، وصفت وكالة أنباء تيلام الرسمية الشكوى بأنها «متاهة من التناقضات»، معتبرة أن الشخص المحدد من قبل نيسمان بأنه من عملاء الاستخبارات، لم يكن على اتصال بجهاز الاستخبارات الأرجنتيني بالأساس. كما أفادت الوكالة أن «صادرات الحبوب يجري تنفيذها بواسطة كبريات الشركات الزراعية بالبلاد، دافعة بأن الحكومة لا يمكنها الوصول لاتفاق من دون تلك الشركات».
وفي حين أن الشكوى أظهرت أن الصفقة لم تبرم ولم تؤت ثمارها، معتبرة أنها قد انهارت بسبب حالة الإحباط لدى الجانب الإيراني، لأن دول أخرى سعت وراء صفقات النفط مقابل الغذاء في المنطقة. في منطقة الكاريبي، كان هوجو شافيز، رئيس فنزويلا الراحل، قد وافق على توريد النفط إلى جمهورية الدومينيكان في مبادلة جزئية لواردات غذائية مثل الفاصوليا السوداء.
غير أن عقد الصفقات مع إيران سوف يأتي بالمزيد من المخاطر. وقد أحجمت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن عن التعليق حول ما إذا كانت شحنات النفط الإيراني إلى الأرجنتين تعتبر انتهاكا للعقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي. ولكن على موقعها، أوضحت وزارة الخزانة أن المقايضة مقابل النفط الإيراني يمكن أن تؤدي إلى فرض عقوبات. وخلال الوقت الذي كانت تتكشف فيها أنباء المفاوضات السرية، عادت إيران للظهور في وضعية الشريك التجاري المهم للأرجنتين، في الوقت الذي كانت البلاد فيه تسعى وراء أسواق جديدة لسلعها الغذائية في الشرق الأوسط وآسيا.
يقول خوان جيلبرت توكاتليان، أحد خبراء العلاقات الدولية لدى جامعة توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس: «تحسنت العلاقات التجارية بصورة كبيرة بين الأرجنتين وإيران منذ عام 2010 مع فوائض كبرى لصالح الجانب الأرجنتيني، قبل أن تنخفض مجددا في عام 2014»، مشيرا إلى أن «حجم التجارة السنوية لما يربو على المليار دولار لهذا العقد، مقارنة بمستويات ضئيلة لا تذكر خلال العقد الماضي». وبعيدا عن التجارة، امتدت العلاقات الجيدة بين الأرجنتين وإيران وصولا إلى المجال الدبلوماسي، وفقا للمكالمات المسجلة. «إننا نعمل بشكل جيد للغاية»، كانت كلمة رامون هيكتور بوغادو، الذي حُددت شخصيته في الشكوى بوصفه عميلا للاستخبارات الأرجنتينية، حلال توقيع مذكرة عام 2013 للتحقيقات المشتركة حول حادثة التفجير.
«علينا العمل بهدوء»، قالها بوغادو لرجل عُرف في الشكوى بأنه الوسيط لدى الجانب الإيراني، «لدينا عمل نقوم به لـ10 سنوات قادمة».
لكن في غضون بضعة أشهر، أشارت النصوص الملتقطة، إلى أن المزاج قد تغير حيث بات من الواضح أن الإنتربول الدولي لم يرفع مذكرات التوقيف بحق الإيرانيين.
وحسب نصوص المكالمات المسجلة سمع الوسيط الإيراني وهو يقول: «يبدو أن وزير الخارجية الأرجنتيني قد أخفق»، عقب عودته من طهران في مايو (أيار) 2013، حينما أصبح من الواضح أن الإنتربول الدولي لن يرفع مذكرات التوقيف.

* خدمة «نيويورك تايمز»



مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك

مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك
TT

مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك

مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك

تتجه أنظار العالم، اليوم، نحو مفاوضات أميركية - إيرانية بوساطة باكستانية تستضيفها إسلام آباد التي كانت الوسيط الرئيسي في هدنة أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم 8 أبريل (نسيان) لمدة أسبوعين.

وتجيء المفاوضات وسط إرث طويل من الشكوك المتبادلة بين الطرفين، كان آخرها ما أعلنه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس قبل توجهه إلى إسلام آباد على رأس الوفد الأميركي، قائلاً إنه يتطلع إلى ‌إجراء مفاوضات إيجابية ‌مع إيران، محذراً طهران من «خداع» بلاده و«التحايل» عليها.

وبعد ساعات من تصريح فانس، أعلن مساعد وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانتشي، أن بلاده «ترحب دائماً بالدبلوماسية، لكن ليس بحوار يستند إلى معلومات خاطئة بهدف الخداع والتمهيد لعدوان جديد ضدها».

ويرافق فانس، مبعوث الرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس، جاريد كوشنر اللذان كانا عقدا عدة جلسات مع الجانب الإيراني قبل الحرب عبر وساطة عُمانية.

ويترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ويرافقه وزير الخارجية عباس عراقجي. وربط قاليباف بدء المحادثات مع الجانب الأميركي بتنفيذ إجراءين، قال إنه سبق الاتفاق عليهما، وهما وقف إطلاق النار في لبنان والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

ويتوقع أن يجري التفاوض بصورة غير مباشرة، بحيث يجلس الوفدان في غرف منفصلة، ويتنقّل المسؤولون الباكستانيون بينهما. غير أن مصادر باكستانية قالت إن الوفدين قد يتباحثا مباشرة إذا سارت الأمور في الاتجاه الصحيح، وهو ما تأمل إسلام آباد أن يصبح لقاءً تاريخياً.


نتنياهو يطلب تأجيل شهادته في محاكمته المتعلقة بالفساد

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يطلب تأجيل شهادته في محاكمته المتعلقة بالفساد

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

أفاد محامي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مذكرة قدمها إلى المحكمة، الجمعة، بأن نتنياهو طلب تأجيل الإدلاء بشهادته في محاكمته الطويلة المتعلقة بالفساد المقرر استئنافها الأسبوع المقبل، مشيراً إلى الوضع الأمني السائد في المنطقة.

ومن المقرر استئناف محاكمة نتنياهو، الأحد، بعد أن رفعت إسرائيل حالة الطوارئ التي فرضتها بسبب حربها مع إيران عقب إعلان وقف إطلاق النار، الأربعاء. وقال الدفاع إنه مستعد لمواصلة الاستماع إلى شهادة أحد شهود الإثبات، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاء في المذكرة المقدمة إلى محكمة منطقة القدس أنه «نظراً لأسباب أمنية ودبلوماسية سرية مرتبطة بالأحداث المباغتة التي وقعت في دولة إسرائيل وفي أنحاء الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، لن يتمكن رئيس الوزراء من الإدلاء بشهادته في المحاكمة خلال الأسبوعين المقبلين على الأقل».

وأضاف أن مظروفاً مغلقاً يحتوي على تفاصيل الأسباب السرية سُلم إلى المحكمة التي ستصدر قرارها بمجرد أن تقدم النيابة ردها.

ونتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يُتهم بارتكاب جريمة خلال توليه المنصب، وينفي تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة الموجهة إليه في 2019 بعد تحقيقات لسنوات.

وأُرجئت محاكمته، التي بدأت في 2020 وقد تؤدي إلى عقوبات بالسجن، مراراً بسبب التزاماته الرسمية، دون أن تلوح نهاية لها في الأفق.

وتأثرت مكانة نتنياهو بالتهم الموجهة إليه، إلى جانب هجوم حركة «حماس» الفلسطينية على إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ومن المقرر أن تجري إسرائيل انتخابات في أكتوبر، وترجح استطلاعات رأي أن يخسرها ائتلاف نتنياهو الأكثر ميلاً إلى اليمين في تاريخ إسرائيل.


فانس وقاليباف في إسلام آباد... لقاء «الصقور» على حافة الهاوية

فانس وقاليباف في إسلام آباد... لقاء «الصقور» على حافة الهاوية
TT

فانس وقاليباف في إسلام آباد... لقاء «الصقور» على حافة الهاوية

فانس وقاليباف في إسلام آباد... لقاء «الصقور» على حافة الهاوية

بينما تحبس العواصم العالمية أنفاسها ترقباً لـ«مفاوضات السبت» في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تبرز شخصيتان محوريتان كوجهي عملة لصراع الإرادات بين واشنطن وطهران: جي دي فانس، «الرجل الموثوق به» لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومحمد باقر قاليباف، «جنرال الحرس» البارع في المناورة السياسية. لقاء الرجلين ليس مجرد جولة دبلوماسية، بل هو اختبار لمدى قدرة «الصقور» على صياغة صفقة تاريخية وسط حقول ألغام إقليمية.

حطّت الطائرة التي تقل الوفد الإيراني رفيع المستوى في العاصمة إسلام آباد، مساء الجمعة، لتعلن رسمياً دخول المسار التفاوضي مع واشنطن مرحلة «حبس الأنفاس». ففي مشهد يجمع بين الطموحات الدبلوماسية والتعقيدات الميدانية، يقود قاليباف وفداً يضم وزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب كبار المسؤولين الأمنيين والاقتصاديين ومحافظ البنك المركزي، في مهمة تتجاوز حدود البروتوكول لتلامس جوهر الصراع الإقليمي.

تفويض سياسي واقتصادي

تعكس تركيبة الوفد الإيراني، رغبة طهران في حصر التفاوض ضمن إطار «صفقة شاملة»، فوجود عراقجي إلى جانب الفريق الاقتصادي والأمني يشير إلى أن طهران لا تبحث عن مجرد تهدئة عسكرية، بل تسعى لانتزاع مكاسب مالية وسياسية ملموسة. إلا أن هذا التوجه قوبل برفع سقف الشروط من قِبل قاليباف، الذي استبق الجلسات الرسمية بربط الجلوس إلى الطاولة بـ«شرطين سياديين»: وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج الفوري عن «الأصول الإيرانية المجمّدة».

ويأتي هذا التصعيد في لغة الخطاب الإيراني ليضع «محادثات إسلام آباد» أمام اختبار المصداقية، حيث ترى طهران أن تنفيذ هذه الشروط يمثل «بناء ثقة» ضرورياً قبل الخوض في تفاصيل الاتفاق الذي ترعاه باكستان.

جي دي فانس... «المارينز» الذي يحمل فلسفة ترمب

يصل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى إسلام آباد حاملاً تفويضاً مباشراً من دونالد ترمب لاختبار «جدية طهران». فانس، الذي تحول من جندي في «المارينز» وكاتب لقصة نجاح «هيلبيلي إليجي» إلى أحد أشرس المدافعين عن عقيدة «أميركا أولاً»، يمثل الجيل الجديد من اليمين القومي الذي لا يؤمن بالحروب الأبدية، لكنه لا يتردد في استخدام «القوة الخشنة» لتحقيق التوازن.

ترمب وحوله نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في المكتب البيضاوي يوم 25 يونيو 2025 (أ.ب)

بالنسبة لفانس، المفاوضات مع إيران ليست بحثاً عن «صداقة»، بل هي «صفقة أمنية» تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتنهي التهديدات العسكرية مقابل تخفيف الضغوط. يدخل فانس القاعة وهو يدرك أن فريقه «لن يرحب بالتلاعب»، كما صرح قبيل إقلاعه، ما يجعل مهمته تتأرجح بين «مد اليد» و«إحكام القبضة» في حال وُجدت «حسن نية» إيرانية، لكنه وضع خطوطاً حمراء واضحة أمام أي محاولة لابتزاز الفريق المفاوض بشروط مسبقة قد تعرقل مسار التهدئة الذي يطالب به ترمب.

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية - موقع البرلمان)

قاليباف... «تكنوقراط» الحرس ومهندس المناورات

وفي الجهة الأخرى، يجسّد قاليباف نموذجاً فريداً للقيادة داخل هرم السلطة الإيرانية؛ إذ يجمع في سيرته بين صرامة «القائد العسكري» الذي تدرج في سلاح الجو التابع لـ«الحرس»، ومرونة «الإداري التكنوقراط» الذي أعاد صياغة هيكلية الشرطة وبلدية العاصمة. هذه الازدواجية تمنحه مهارة استثنائية في «المناورة السياسية»، حيث يجيد القفز بين التمسك بالثوابت الثورية والانفتاح على الحلول الواقعية، مما يؤهله ليكون المفاوض الأنسب للمؤسسة الحاكمة في طهران حينما تصبح الغاية هي تحويل النفوذ الميداني إلى مكاسب دبلوماسية ومالية.

طاولة واحدة بمسارات متقاطعة

سيكون على فانس وقاليباف، السبت، جسر الهوة بين واشنطن التي ترفض «الربط بين الملفات»، وتتمسك بـ«فصل المسارات»، وطهران التي تعد لبنان و«هرمز» والأصول المالية «سلة واحدة»، فهل ينجح «صقر واشنطن» في انتزاع التزام إيراني بالتهدئة؟ أم أن «جنرال طهران» سيتمكن من فرض شروطه تحت ضغط إغلاق الممرات المائية؟ الساعات المقبلة في إسلام آباد كفيلة بالإجابة عن سؤال الحرب والسلام في المنطقة.