أفلام الأوسكار بين واقعية التاريخ وشروط الدراما

{الشرق الأوسط} تدخل سباق الأوسكار

من «سلما»
من «سلما»
TT

أفلام الأوسكار بين واقعية التاريخ وشروط الدراما

من «سلما»
من «سلما»

«نظرية كل شيء» و«قناص أميركي» و«سلما» و«لعبة المحاكاة» و«فوكسكاتشر» و«فتاة مختفية»، «وحشي»، و«مستر تيرنر» هي بعض الأفلام الروائية التي ترددت عناوينها كثيرا في موسم الجوائز السينمائية منذ مطلع الشهر الماضي. والمشترك بينها ليس هذا الترداد وحده، بل حقيقة أنها، على عكس أفلام الترشيحات القوية الأخرى، مثل «بويهود» و«بيردمان» و«سوط» و«ذا غراند بودابست هوتيل»، مأخوذة من مراجع وأحداث واقعية.
التاريخ والسينما تحاربا كثيرا منذ البدايات. دائما ما خرج مؤرخون للتأكيد على أن السينما لا تنقل التاريخ كما وقع، بل كما يتراءى لها. والسينما ترد على أنها فن مجاز فيه تلوين الواقع ببعض الافتراضات والخيالات وإلا لما استطاع الفيلم الوصول إلى الجمهور الذي ينشده.
بالتالي، فإن السؤال المجاز هو هل تصرّف لينكولن على النحو الذي تصرّف به دانيال داي لويس في «لينكولن» لستيفن سبيلبرغ، أو هل كل ما يرد في ذلك الفيلم وقع فعلا وبالصورة التي شاهدناها؟ ماذا عن «ميونيخ» و«لائحة شيندلر» للمخرج نفسه؟ ماذا عن «ج ف ك» لأوليفر ستون أو «أرغو» لبن أفلك؟ و«الرجل الذي قتل ليبرتي فالانس» لجون فورد أو «نيكولاس وإلكسندرا» لفرانكلين شافنر والعشرات الأخرى؟ متى تنتهي حدود التاريخ وتبدأ حدود السينما؟
تضخيم لغاية
تحويل أي مرجع، أو حتى كتاب روائي مبني على الخيال إلى فيلم سينمائي، عليه أن يسمح بتدخل السيناريو، ومن ثم الفيلم، فيما سطره المؤلف سواء أكان بيوغرافيا أو خياليا. في الوقت ذاته فإن هذا النقل لا معنى له (إلا بين يدي العباقرة مثل ستانلي كوبريك وأندريه تاركوفسكي) إذا شط كثيرا عن الواقع ودمج قليلا منه في غالبية من التصرّفات والمواقف المتخيّلة.
«سلما» (المشترك في سباق أوسكار أفضل فيلم وأفضل موسيقى مكتوبة لفيلم) يسرد أحداثا وقعت في مجرى حملة الزعيم مارتن لوثر كينغ الداعية للمساواة في الحقوق المدنية بين السود والبيض، وقد مدحته وسائل الإعلام لكن أخرى تحدّثت عن فجوات كثيرة في رصده ذلك التاريخ وما حدث في بلدة «سلما» عندما سار الأفرو - أميركيين في مظاهرة سلمية واجهها بوليس ولاية ألاباما بالعنف وذلك سنة 1965.
من بين تلك الفجوات المذكورة ما يبدأ باكرا في الفيلم: نستمع إلى مارتن لوثر كينغ (كما يؤديه ديفيد أويلاو الذي لم يجر ترشيحه بين الممثلين) وهو يلقي خطابا في أوسلو، النرويج سنة 1964 ويوحي لنا الفيلم أنه خلال إلقاء خطابه (بمناسبة تسليمه جائزة نوبل) كان العنصريون البيض ينسفون كنيسة في مدينة بيرمنغهام الأميركية. لكن الحقيقة أن تدمير الكنيسة وقع قبل عام من ذلك الخطاب. لكن المنتقدون لن يعدموا وسيلة للنيل من الفيلم على أساس أن هناك الكثير من التغييرات التي أحدثها على الواقع. بالطبع هناك تغييرات (والسينما التسجيلية ذاتها متهمة اليوم بأنها لا تنقل الأحداث كما وقعت بل تعيد رصفها) لكنها بالمقارنة مع أحداث فيلم آخر مثل «لعبة المحاكاة» هي أكثر التزاما بما وقع فعلا.
«لعبة المحاكاة» للبريطاني مورتن تلدام يسرد حكاية عالم الحسابات ألان تورينغ (بنديكيت كمبرباتش) الذي استطاع - بعد جهد بليغ - حل الشيفرات العسكرية للجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية بعدما عجز كل من استعانت بهم الحكومة البريطانية ومؤسساتها المخابراتية والعسكرية، عن فعل ذلك. بذلك، أسهم تورينغ، كما يقول الفيلم، بإنقاذ البحرية البريطانية من التدمير الكامل بل في انتصار الحلفاء على الألمان فيما بعد. هل هذا صحيح؟ وهل إذا ما أدرك الألمان أن أعداءهم نجحوا في تفكيك الشيفرة لن يستخدموا سواها؟
هناك تضخيم تشعر به وحرية في تناول الوقائع على نحو تبريره روائي محض. إنه من أجل إثارة الاهتمام يتم تبادل حوار ساخن بين تورينغ وباقي الشخصيات، بمن فيهم رئيسه القائد دنيستون (تشارلز دانس) وإدخال عنصر نسائي ربما كان موجودا بهذا الحجم أو غير موجود (تورينغ كان مثليا) وتصوير الشخصية بمسحة من التعاطف غير المحلل جيّدا وذلك لمنح البطولة ما تحتاجه من سمات.
مساحة الحرية
الفيلم البريطاني الآخر «نظرية كل شيء» لجيمس مارش أفضل شأنا في هذا النطاق. هو مرشّح لـ5 أوسكارات: أفضل فيلم، أفضل أداء رجالي (إيدي ردماين)، أفضل ممثلة (فيليسيتي جونز)، أفضل سيناريو مقتبس (كتبه أنطوني ماكارتن) وأفضل موسيقى مكتوبة خصيصا (وضعها يوهان يوهانسون)، ويدور حول مراحل من حياة العالم ستيفن هوكينغ عبر اقتباسها مما أوردته زوجته جين في مذكراتها المنشورة.
الالتزام الذي يبديه الفيلم حيال الكتاب، وهو التزام واضح لمن قرأ المذكرات، يجعل الفيلم أكثر واقعية. يحيل ما إذا كان ما نراه يحدث حدث فعلا أو لا إلى ذمّة الكاتبة وليس ذمّة الفيلم. طبعا هناك تدخل لحياكة التأثير الدرامي المنشود، لكن غالبا ضمن ما وضعته الزوجة السابقة في تصرف الفيلم من وقائع ولم يصدر عن عالم الفيزياء هوكينغ ما يناقض ذلك.
أميركيا، جاء تحويل حادثة واقعية حول زوج اتهم بقتل زوجته وإخفاء جثّتها إلى فيلم تشويقي، ليجذب اهتمام بعض النقاد إلى تفسير ما وقع وما لم يقع فعلا.
الفيلم هو «فتاة مختفية» Gone Girl للمخرج المثير للجدل ديفيد فينشر. لكن الصعوبة هنا هي فرز الخطوط وتحديد ما حدث وما لم يحدث. هذا لأن المعالجة تخضع لشروط الفيلم التشويقي الهادف لإدانة أكثر من طرف (الزوج والزوجة والإعلام على الأقل) بحيث لا يعدم الأهمية بمكان تحديد ما إذا كان الفيلم أمينا للواقعة أو غير أمين وإلى أي حد.
ليس بأهمية «نظرية كل شيء» أو «فوكسكاتشر» كما حققه بَنيت ميلر عن واقعة إقدام المليونير جون دو بونت (ستيف كارل) بقتل المصارع السابق ديفيد شولتز (مارك روفالو) على أساس أنه انتزع منه مبرراته وأحلامه بتسيد الوضع فيما يتعلّق برياضة المصارعة والتأثير على شقيقه مارك شولتز (شانينغ تاتوم). الغالب أن مساحة الحريّة للخروج عن تفاصيل القضية كانت أكبر من بعض ما تمتّعت به أفلام أخرى، لكن الفيلم (المرشّح أيضا لـ5 أوسكارات بينها أفضل ممثل لستيف كارل وأفضل إخراج لكن ليس في نطاق أفضل فيلم) ارتأى أن يلعب لعبته بقدر من الأمان للأحداث كما وقعت. التفسير قد يكون مختلفا حول مبرر الجريمة، وكذلك التفاصيل المكانية والديكوراتية وسواها، لكن الحكاية التزمت بما وقع على نحو واضح متمتّعة في الوقت ذاته بوجهة نظر المخرج فيها.
المسألة، في نهاية المطاف، معقّدة حيال ما يتم نقله ولماذا وما يتم إغفاله ولماذا، ثم حيال ما يتم تغييره ولأي سبب. الفيلم لا يجب أن يكون تكرارا ملتزما بالدقائق والتفاصيل والوقائع وإلا لافتقر إلى مبرر لإنتاجه. لكن المزج بين ما يستند إليه وما يستطيع أن ينجزه كفيلم فني جائز من دون أن ينقلب الفيلم على الوقائع المهمّة. وهذه مسألة بالغة التعقيد وقت الكتابة.
بوني وكلايد
* ما زالت محكمة النقد منعقدة بشأن أفلام كثيرة تناولت سير حياة مشاهير، ومن بين أهمها فيلم آرثر بن «بوني وكلايد» (1967). في ذلك الفيلم الممتاز كانت يد المخرج طليقة في تصوير الحكاية على هواه باستثناء اتباع الخط العام لها. لكن الفيلم وقع في نهاية المطاف بين اتهام البعض بأنه تمجيد للمجرمين الشهيرين واتهام آخرين بأنه كان فيلما بالغ العنف مشيرين إلى نهايته بالتحديد عندما يفتح رجال البوليس النار على المجرمين محولا إياهما إلى ضحيّتين.



بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.