أفلاطون في صقلية... تحويل الملك إلى فيلسوف

مرّ بسلسلة من الثورات العنيفة التي وصلت إلى ذروتها في إعدام معلمه سقراط

أفلاطون
أفلاطون
TT

أفلاطون في صقلية... تحويل الملك إلى فيلسوف

أفلاطون
أفلاطون

كان أفلاطون يناهز الأربعين عام 388 ق.م. كان قد شهد انقلاباً أقلوياً، استعادة ديمقراطية للسلطة، وإعدام معلمه المحبوب سقراط على يد محلفين من مواطني أثينا التي ينتمي إليها. فكر أفلاطون في شبابه بالدخول في عالم السياسة الأثينية المضطرب، لكنه قرر أن إصلاحاته لدستور المدينية وممارساتها التربوية كانت بعيدة جداً عن احتمالات التطبيق. بدلاً من ذلك، كرس نفسه للمسار الفلسفي، ولكنه احتفظ باهتمام أساسي بالسياسة، مطوراً في نهاية الأمر ما يمكن اعتباره أشهر مقولاته: أن العدالة السياسية والسعادة البشرية تتطلبان من الملوك أن يكونوا فلاسفة أو من الفلاسفة أن يكونوا ملوكاً. باقترابه من الأربعين، زار أفلاطون مدينة ميغارا اليونانية، ومصر، وقوريني (شحات في ليبيا)، وجنوب إيطاليا، والأكثر أهمية بينها، سرقسطة التي تتحدث اليونانية على جزيرة صقلية.
في سرقسطة التقى أفلاطون شاباً قوياً ذا توجه فلسفي اسمه دايون، وهو نسيب ديكتاتور سرقسطة، مجنون العظمة، المتهتك دايونيسيوس الأول. سيصبح دايون صديقاً دائماً لأفلاطون يتبادل معه الرسائل. وأدت تلك العلاقة إلى إدخال أفلاطون في البلاط الخاص للسياسة السرقسطية، وهناك قرر أن يختبر نظريته حول ما إذا كان الملوك يمكنهم أن يصيروا فلاسفة - أو الفلاسفة ملوكاً - لتزدهر العدالة والسعادة معاً أخيراً.
كانت لسرقسطة شهرة بوصفها مرتعاً للفساد والفجور، وكان أن اصطدمت قناعة أفلاطون بواقع الحياة السياسية في صقلية. كان البلاط في سرقسطة ممتلئاً بالشكوك والعنف والولع بالملذات، وكان دايونيسيوس الأول مهووساً بالخوف من أن يتم اغتياله، لذا رفض أن يُقص شعره بسكين وأمر أن يُحرق بالفحم. كان يجبر زواره - حتى ابنه دايونيسيوس الثاني وأخاه ليبتينيس - بأن يثبتوا أنهم غير مسلحين بأن تتم تعريتهم ويُفحصوا ويغيروا ملابسهم. لقد ذبح ضابطاً لأن الضابط حلم بقتله، وقتل جندياً لأنه أعطى ليبتينيس رمحاً ليرسم خريطة على التراب. لم يكن ذلك مرشحاً للقب الفيلسوف - الملك.
ولم تنجح خطة أفلاطون. لقد أغضب دايونيسيوس الأول بنقده الفلسفي لهيمنة البحث عن الملذات في بلاط سرقسطة، حين جادل في أنه بدلاً من الحفلات الماجنة والخمر على المرء أن يبحث عن العدالة والاعتدال ليحقق السعادة الحقيقية. مهما كانت حياة المستبد مترفة سيظل عبداً لرغباته طالما هيمن عليه البحث الدائم عن المتع الحسية. قال أفلاطون للطاغية معلماً أن العكس صحيح: الإنسان المستعبد لشخص آخر يمكن أن يحتفظ بالسعادة إن هو امتلك روحاً عادلة ومتزنة. ثم انتهت زيارة أفلاطون إلى صقلية بمفارقة كئيبة: باع دايونيسيوس الأول أفلاطون للعبودية. بدا له أنه إن كان اعتقاد أفلاطون صحيحاً فإن بيعه ليكون عبداً لن يكون ذا أهمية طالما، بتعبير كاتب السير اليوناني بلوتارخ، «أنه لن يرى في ذلك أذى، لكونه الإنسان نفسه الذي كانه من قبل؛ سيستمتع بالسعادة وإن فقد حريته».
لحسن الحظ أن أصدقاء أفلاطون افتدوه بسرعة، فعاد إلى أثينا ليؤسس الأكاديمية التي أنتج فيها على الأرجح العديد من أعظم أعماله، ومنها «الجمهورية» و«المأدبة». لكن تدخلاته في سياسة صقلية لم تتوقف. عاد إلى سرقسطة مرتين محاولاً في رحلتيه أن يؤثر في عقل وشخصية دايونيسيوس الثاني بإلحاح من دايون.
هذه الأحداث الثلاثة غائبة بصفة عامة عن فهمنا لفلسفة أفلاطون أو مرفوضة بوصفها اختراعات شاردة لكتّاب سيرته المتأخرين. لكن ذلك خطأ ناتج عن تجاهل الأهمية الفلسفية لرحلات أفلاطون الإيطالية. إن رحلاته إلى صقلية، في حقيقة الأمر، تكشف أن المعرفة الفلسفية تتضمن ممارسة، تظهر ما تملكه الصداقة من قوة هائلة في حياة أفلاطون وفلسفته، وتوحي بأن أطروحة الملك - الفيلسوف عند أفلاطون ليست وهمية بقدر ما هي غير مكتملة.
تعبر عن هذه الأحداث الحاسمة وعلى نحو مقنع رسالةُ أفلاطون السابعة والمهملة غالباً. لقد كانت تلك الرسالة لغزاً للباحثين ابتداء على الأقل بفقهاء اللغة الألمان في القرن التاسع عشر. ولئن قَبلت بصحتها النسبة الكبرى من الباحثين، فإن القلة منحت نظرية الفعل السياسي فيها مكانة بارزة في تحليل فلسفة أفلاطون. بل إن بعض الباحثين، على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، قاموا بمحوها من المعتمد الأفلاطوني، فأشارت أحدث تعليقات أكسفورد إليها بوصفها «الرسالة السابعة المزيفة لأفلاطون» (2015). إن لكل عصر أفلاطونه الخاص به، وبالنظر إلى النزوع إلى الصمت والبعد عن السياسة لدى العديد من الأكاديميين يتضح السبب في إهمال الأكاديميين المعاصرين في الغالب مناقشة ممارسات أفلاطون السياسية. ومع ذلك فإن معظم الباحثين - حتى أولئك الذين يودون لو كانت الرسالة مزيفة - وجدوها صحيحة استناداً إلى دلائل تاريخية وأسلوبية. لو عدنا إلى حكاية الرحلات الإيطالية التي قام بها أفلاطون، والتي يتحدث عنها الفيلسوف نفسه في الرسالة السابعة، سيمكننا أن نعيد إلى الحياة أفلاطون التاريخي الذي خاطر بحياته لكي يجمع الفلسفة والقوة. في حين تركز الرسالة السابعة على قصة الرحلات الثلاث التي قام بها أفلاطون إلى سرقسطة، فإنها تبدأ بعرض موجز لحياته المبكرة. مثل معظم أعضاء النخبة الأثينية، كان طموحه أن يدخل السياسة والحياة العامة. في عشريناته، مر أفلاطون بسلسلة من الثورات العنيفة التي وصلت إلى ذروتها في استعادة الديمقراطية وإعدام معلمه سقراط عام 399 ق.م. كتب أفلاطون: «في حين كنت ممتلئاً بالحماسة للحياة العامة، فإنني حين لاحظت هذه التغيرات ورأيت كيف كان كل شيء متقلباً، أصابني الدوار الكامل في النهاية». توصل إلى أن الوقت كان أكثر فوضوية من أن يسمح بالعمل المفيد، لكنه لم يتخلَّ عن رغبته في التدخل بالحياة السياسية. كان، بتعبيره، «ينتظر الوقت المناسب». وكان أيضاً ينتظر الأصدقاء المناسبين.
إن منتقدي أفلاطون ودايون يفهمون الفلسفة فقط من زاوية أداتية - من حيث هي وسيلة إلى تحقيق التأثير السياسي في النهاية. افترضوا أن القوة هي الخير الأعلى الذي يمكن للإنسان تحقيقه. كانوا بذلك يمهدون لدعوى توماس هوبز في كتابه «الوحش» (ليفاياثَن، 1651) أن البشر يمتلكون «رغبة دائمة لا تهدأ في امتلاك القوة سعياً إلى السلطة، رغبة لا تهدأ إلا بالموت». ولكن بالنسبة لأفلاطون، ليست القوة هدفاً وإنما الوسيلة الكامنة لخير أسمى. كما يتضح من أمثولة الكهف في «الجمهورية»، يسحر الفلاسفة جمالُ الأشكال: يريدون أن يبقوا في مملكة الديمومة والكينونة الخالصة التي يجدونها في العالم الأعلى. يجب دفعهم للعودة إلى ظلام الكهف وظلاله؛ لا لأنها سترفع من درجة متعتهم الفردية إلى أقصاها، وإنما لأنها ترفع من شأن المدينة ككل. غير أن موظفي بلاط سرقسطة كسبوا المعركة. بعد إقامة أفلاطون بأربعة أيام اتهم دايونيسيوس الثاني دايون بـ«التخطيط ضد الاستبداد» ونفاه. أمضى دايونيسيوس الثاني الوقت محاولاً كسب إعجاب أفلاطون، لكنه فشل في إيقاظ أي رغبة لديه في الفلسفة. بتعبير أفلاطون نفسه:
«تحملت كل هذا، متمسكاً بالهدف الأصلي الذي جئت من أجله، متأملاً أن يرغب على نحو ما في الحياة الفلسفية؛ لكن مقاومته لها كانت أقوى مني. لقد هبط الفيلسوف إلى عالم الظلال، بينما لم يصعد المستبد إلى الضوء».
قام أفلاطون برحلته الأخيرة إلى صقلية حين كان في السبعين من عمره. اضطرته فلسفته مرة أخرى إلى فعل شيء. كانت لديه فرصة لمساعدة دايون الذي كان دايونيسيوس الثاني قد نفاه، ولربما احتفظ بالأمل في أن رغبة الملك في الفلسفة ستستيقظ. جاءت الدعوة هذه المرة من أرخيتاس التارينتي، فيلسوف جنوب إيطاليا. وإن من المدهش أن أفلاطون، بعد حياة مليئة بالمصاعب في سرقسطة، أبحر مرة أخرى إلى صقلية، مواجهاً مخاطر البحر والقراصنة، واحتل مكانه في بلاط دايونيسيوس الثاني. ظل الملك مذهولاً بهالة الفلسفة، بل إنه كتب عن أفكار أفلاطون الفلسفية (وإن امتلأت كتابته بسوء الفهم والسرقة).
لكي يتأكد عما إذا كان دايونيسيوس الثاني مهيأً للنهوض بممارسة الفلسفة، اختبره أفلاطون بتأكيد ما تنطوي عليه الفلسفة الحقيقية من صعوبة حادة وتغيير في أسلوب الحياة:
«أولئك البعيدون عن أن يكونوا فلاسفة حقيقيين وليس لديهم سوى غطاء من الأفكار، مثل الرجال الذين تلوّح الشمس أجسادهم، عندما يرون كثرة ما يتطلبه طلب المعرفة، وكم عليهم أن يبذلوا من جهد عظيم، وتنظيم لحياتهم اليومية، ليتناسب مع الهدف الذي يسعون إليه، سيستنتجون أن المهمة صعبة؛ وهي كذلك لأنهم ليسوا مهيئين لذلك المسار». فشل دايونيسيوس الثاني في نهاية المطاف لأنه أراد أن يحول الفلسفة إلى أداة لتكون وسيلة أخرى للسلطة. لقد تأسس اختبار أفلاطون على إيمانه المتواصل بممارسة الفلسفة - وليس استعمالها - وهي مسار يقتضي التخلي عن المتع الحسية والسلطة من أجلها. يصف أفلاطون هذا المسار بالتفصيل:
«فقط حين... تحتك الأسماء والتعريفات والتصورات المرئية وغيرها وتُختبر في تداخلاتها، ويطرح التلميذ والمعلم أسئلة وإجابات بنية طيبة وبلا حسد، فقط عندئذٍ، حين يكون العقل والمعرفة النهايتين القصويين للجهد الإنساني، يمكن لهما أن يضيئا طبيعة الموضوع».
هنا مرة أخرى تكون المقابلة بين أفلاطون وهوبز مفيدة. فبينما يرى هوبز سوء النية و«الحسد» سمتين للطبيعة البشرية لا يمكن التخلص منهما، يرى أفلاطون أن إزالتهما شرط مسبق لممارسة الفلسفة ومن ثم للازدهار البشري.
هكذا لم يتحول دايونيسيوس الثاني إلى فيلسوف، ومات دايون في صراع أهلي دمر سرقسطة في نهاية المطاف. رغبة دايونيسيوس في تحويل الفلسفة إلى أداة جعلته يبحث عن المعرفة بوصفها مظهراً احتفالياً وأداة للهيمنة. لكنه تراجع حين طالبه الفيلسوف بدلاً من ذلك بتغيير كلي لحياته.
في نهاية الأمر، انسجمت المواجهات بين الفيلسوف والملك في صقلية مع المشهد المجازي للكهف في «الجمهورية»: دايونيسيوس الثاني يسعى للصعود من ظلال السياسة إلى ضوء الفلسفة بينما يسير أفلاطون في الاتجاه المعاكس، هابطاً من وضوح الفلسفة إلى ظلال السياسة. القول إن أفلاطون «فشل» في هداية دايونيسيوس الثاني إلى الفلسفة قول مضلل. ربما يكون من المنطقي أكثر أن نلاحظ أن الملك نفسه فشل، لكن حتى هذا يفرض على إرث العصور القديمة مفهوماً فردانياً لتشكل الشخصية. لم تكن شخصية دايونيسيوس الثاني مما صنعه هو؛ لقد شكله تعليمُه البسيط، حياته الباذخة والطبيعة المرتزقية للمحيطين به. إلقاء اللوم على أفلاطون لعدم تمكنه بصورة عجائبية من إلغاء كل ذلك التأثير أشبه بلوم المظلة الشمسية لأنها لم تعمل كالباراشوت. ما كان أساسياً بالنسبة لأفلاطون لم يكن تحقيق هدفه السياسي، وإنما ممارسته لفلسفته الحقيقية...
ربما يكون السبب الرئيسي بالنسبة لأفلاطون في أن الفلاسفة يجب أن يكونوا ملوكاً هو أنهم يستطيعون التأثير في طبيعة التعليم. بعض مقترحات أفلاطون حول كيفية عمل ذلك في «الجمهورية» ليست مقنعة (كما في فكرة تجريد الأطفال من معرفة والديهم لكي يكون الصغار أكثر مرونة). لكن التعليم بوصفه استثماراً للروح وممارسة للفلسفة، التي تتضمن القدرة على جعل ما يسميه هوبز «رغبة فردانية في القوة» ثانوية بالنسبة للمسعى الاجتماعي نحو العدالة، يظل ذلك هدفاً ضرورياً وملحاً.
في «ولادة المأساة» (1872) يعلن فريدريك نيتشه: «المعرفة تقتل الفعل؛ الفعل يستدعي حجاب الوهم». ما زلنا نعيش تحت ظلال هذا الاعتقاد. عصرنا المتطرف في فردانيته وتخصصه يجيز الفصل بين المعرفة والقوة، حيث يتبع الأكاديميون أحدهما ويمارس السياسيون الآخر. رسالة أفلاطون السابعة تقدم رؤية مختلفة باستدعاء العلاقة الحميمة والضرورية بين الفلسفة والسياسة، المجمتع والعدالة، الصداقة والمعرفة. فوق ذلك تعلمنا أن الفعل يتطلب المعرفة، والمعرفة الفعل.

*روميو (أستاذ الفلسفة في كلية إيراسموس) وتيكوزبيري (طالب دراسات عليا في الكلاسيكيات في جامعة ستانفورد)
موقع «آيون» (Aeon)



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.