أفلاطون في صقلية... تحويل الملك إلى فيلسوف

مرّ بسلسلة من الثورات العنيفة التي وصلت إلى ذروتها في إعدام معلمه سقراط

أفلاطون
أفلاطون
TT

أفلاطون في صقلية... تحويل الملك إلى فيلسوف

أفلاطون
أفلاطون

كان أفلاطون يناهز الأربعين عام 388 ق.م. كان قد شهد انقلاباً أقلوياً، استعادة ديمقراطية للسلطة، وإعدام معلمه المحبوب سقراط على يد محلفين من مواطني أثينا التي ينتمي إليها. فكر أفلاطون في شبابه بالدخول في عالم السياسة الأثينية المضطرب، لكنه قرر أن إصلاحاته لدستور المدينية وممارساتها التربوية كانت بعيدة جداً عن احتمالات التطبيق. بدلاً من ذلك، كرس نفسه للمسار الفلسفي، ولكنه احتفظ باهتمام أساسي بالسياسة، مطوراً في نهاية الأمر ما يمكن اعتباره أشهر مقولاته: أن العدالة السياسية والسعادة البشرية تتطلبان من الملوك أن يكونوا فلاسفة أو من الفلاسفة أن يكونوا ملوكاً. باقترابه من الأربعين، زار أفلاطون مدينة ميغارا اليونانية، ومصر، وقوريني (شحات في ليبيا)، وجنوب إيطاليا، والأكثر أهمية بينها، سرقسطة التي تتحدث اليونانية على جزيرة صقلية.
في سرقسطة التقى أفلاطون شاباً قوياً ذا توجه فلسفي اسمه دايون، وهو نسيب ديكتاتور سرقسطة، مجنون العظمة، المتهتك دايونيسيوس الأول. سيصبح دايون صديقاً دائماً لأفلاطون يتبادل معه الرسائل. وأدت تلك العلاقة إلى إدخال أفلاطون في البلاط الخاص للسياسة السرقسطية، وهناك قرر أن يختبر نظريته حول ما إذا كان الملوك يمكنهم أن يصيروا فلاسفة - أو الفلاسفة ملوكاً - لتزدهر العدالة والسعادة معاً أخيراً.
كانت لسرقسطة شهرة بوصفها مرتعاً للفساد والفجور، وكان أن اصطدمت قناعة أفلاطون بواقع الحياة السياسية في صقلية. كان البلاط في سرقسطة ممتلئاً بالشكوك والعنف والولع بالملذات، وكان دايونيسيوس الأول مهووساً بالخوف من أن يتم اغتياله، لذا رفض أن يُقص شعره بسكين وأمر أن يُحرق بالفحم. كان يجبر زواره - حتى ابنه دايونيسيوس الثاني وأخاه ليبتينيس - بأن يثبتوا أنهم غير مسلحين بأن تتم تعريتهم ويُفحصوا ويغيروا ملابسهم. لقد ذبح ضابطاً لأن الضابط حلم بقتله، وقتل جندياً لأنه أعطى ليبتينيس رمحاً ليرسم خريطة على التراب. لم يكن ذلك مرشحاً للقب الفيلسوف - الملك.
ولم تنجح خطة أفلاطون. لقد أغضب دايونيسيوس الأول بنقده الفلسفي لهيمنة البحث عن الملذات في بلاط سرقسطة، حين جادل في أنه بدلاً من الحفلات الماجنة والخمر على المرء أن يبحث عن العدالة والاعتدال ليحقق السعادة الحقيقية. مهما كانت حياة المستبد مترفة سيظل عبداً لرغباته طالما هيمن عليه البحث الدائم عن المتع الحسية. قال أفلاطون للطاغية معلماً أن العكس صحيح: الإنسان المستعبد لشخص آخر يمكن أن يحتفظ بالسعادة إن هو امتلك روحاً عادلة ومتزنة. ثم انتهت زيارة أفلاطون إلى صقلية بمفارقة كئيبة: باع دايونيسيوس الأول أفلاطون للعبودية. بدا له أنه إن كان اعتقاد أفلاطون صحيحاً فإن بيعه ليكون عبداً لن يكون ذا أهمية طالما، بتعبير كاتب السير اليوناني بلوتارخ، «أنه لن يرى في ذلك أذى، لكونه الإنسان نفسه الذي كانه من قبل؛ سيستمتع بالسعادة وإن فقد حريته».
لحسن الحظ أن أصدقاء أفلاطون افتدوه بسرعة، فعاد إلى أثينا ليؤسس الأكاديمية التي أنتج فيها على الأرجح العديد من أعظم أعماله، ومنها «الجمهورية» و«المأدبة». لكن تدخلاته في سياسة صقلية لم تتوقف. عاد إلى سرقسطة مرتين محاولاً في رحلتيه أن يؤثر في عقل وشخصية دايونيسيوس الثاني بإلحاح من دايون.
هذه الأحداث الثلاثة غائبة بصفة عامة عن فهمنا لفلسفة أفلاطون أو مرفوضة بوصفها اختراعات شاردة لكتّاب سيرته المتأخرين. لكن ذلك خطأ ناتج عن تجاهل الأهمية الفلسفية لرحلات أفلاطون الإيطالية. إن رحلاته إلى صقلية، في حقيقة الأمر، تكشف أن المعرفة الفلسفية تتضمن ممارسة، تظهر ما تملكه الصداقة من قوة هائلة في حياة أفلاطون وفلسفته، وتوحي بأن أطروحة الملك - الفيلسوف عند أفلاطون ليست وهمية بقدر ما هي غير مكتملة.
تعبر عن هذه الأحداث الحاسمة وعلى نحو مقنع رسالةُ أفلاطون السابعة والمهملة غالباً. لقد كانت تلك الرسالة لغزاً للباحثين ابتداء على الأقل بفقهاء اللغة الألمان في القرن التاسع عشر. ولئن قَبلت بصحتها النسبة الكبرى من الباحثين، فإن القلة منحت نظرية الفعل السياسي فيها مكانة بارزة في تحليل فلسفة أفلاطون. بل إن بعض الباحثين، على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، قاموا بمحوها من المعتمد الأفلاطوني، فأشارت أحدث تعليقات أكسفورد إليها بوصفها «الرسالة السابعة المزيفة لأفلاطون» (2015). إن لكل عصر أفلاطونه الخاص به، وبالنظر إلى النزوع إلى الصمت والبعد عن السياسة لدى العديد من الأكاديميين يتضح السبب في إهمال الأكاديميين المعاصرين في الغالب مناقشة ممارسات أفلاطون السياسية. ومع ذلك فإن معظم الباحثين - حتى أولئك الذين يودون لو كانت الرسالة مزيفة - وجدوها صحيحة استناداً إلى دلائل تاريخية وأسلوبية. لو عدنا إلى حكاية الرحلات الإيطالية التي قام بها أفلاطون، والتي يتحدث عنها الفيلسوف نفسه في الرسالة السابعة، سيمكننا أن نعيد إلى الحياة أفلاطون التاريخي الذي خاطر بحياته لكي يجمع الفلسفة والقوة. في حين تركز الرسالة السابعة على قصة الرحلات الثلاث التي قام بها أفلاطون إلى سرقسطة، فإنها تبدأ بعرض موجز لحياته المبكرة. مثل معظم أعضاء النخبة الأثينية، كان طموحه أن يدخل السياسة والحياة العامة. في عشريناته، مر أفلاطون بسلسلة من الثورات العنيفة التي وصلت إلى ذروتها في استعادة الديمقراطية وإعدام معلمه سقراط عام 399 ق.م. كتب أفلاطون: «في حين كنت ممتلئاً بالحماسة للحياة العامة، فإنني حين لاحظت هذه التغيرات ورأيت كيف كان كل شيء متقلباً، أصابني الدوار الكامل في النهاية». توصل إلى أن الوقت كان أكثر فوضوية من أن يسمح بالعمل المفيد، لكنه لم يتخلَّ عن رغبته في التدخل بالحياة السياسية. كان، بتعبيره، «ينتظر الوقت المناسب». وكان أيضاً ينتظر الأصدقاء المناسبين.
إن منتقدي أفلاطون ودايون يفهمون الفلسفة فقط من زاوية أداتية - من حيث هي وسيلة إلى تحقيق التأثير السياسي في النهاية. افترضوا أن القوة هي الخير الأعلى الذي يمكن للإنسان تحقيقه. كانوا بذلك يمهدون لدعوى توماس هوبز في كتابه «الوحش» (ليفاياثَن، 1651) أن البشر يمتلكون «رغبة دائمة لا تهدأ في امتلاك القوة سعياً إلى السلطة، رغبة لا تهدأ إلا بالموت». ولكن بالنسبة لأفلاطون، ليست القوة هدفاً وإنما الوسيلة الكامنة لخير أسمى. كما يتضح من أمثولة الكهف في «الجمهورية»، يسحر الفلاسفة جمالُ الأشكال: يريدون أن يبقوا في مملكة الديمومة والكينونة الخالصة التي يجدونها في العالم الأعلى. يجب دفعهم للعودة إلى ظلام الكهف وظلاله؛ لا لأنها سترفع من درجة متعتهم الفردية إلى أقصاها، وإنما لأنها ترفع من شأن المدينة ككل. غير أن موظفي بلاط سرقسطة كسبوا المعركة. بعد إقامة أفلاطون بأربعة أيام اتهم دايونيسيوس الثاني دايون بـ«التخطيط ضد الاستبداد» ونفاه. أمضى دايونيسيوس الثاني الوقت محاولاً كسب إعجاب أفلاطون، لكنه فشل في إيقاظ أي رغبة لديه في الفلسفة. بتعبير أفلاطون نفسه:
«تحملت كل هذا، متمسكاً بالهدف الأصلي الذي جئت من أجله، متأملاً أن يرغب على نحو ما في الحياة الفلسفية؛ لكن مقاومته لها كانت أقوى مني. لقد هبط الفيلسوف إلى عالم الظلال، بينما لم يصعد المستبد إلى الضوء».
قام أفلاطون برحلته الأخيرة إلى صقلية حين كان في السبعين من عمره. اضطرته فلسفته مرة أخرى إلى فعل شيء. كانت لديه فرصة لمساعدة دايون الذي كان دايونيسيوس الثاني قد نفاه، ولربما احتفظ بالأمل في أن رغبة الملك في الفلسفة ستستيقظ. جاءت الدعوة هذه المرة من أرخيتاس التارينتي، فيلسوف جنوب إيطاليا. وإن من المدهش أن أفلاطون، بعد حياة مليئة بالمصاعب في سرقسطة، أبحر مرة أخرى إلى صقلية، مواجهاً مخاطر البحر والقراصنة، واحتل مكانه في بلاط دايونيسيوس الثاني. ظل الملك مذهولاً بهالة الفلسفة، بل إنه كتب عن أفكار أفلاطون الفلسفية (وإن امتلأت كتابته بسوء الفهم والسرقة).
لكي يتأكد عما إذا كان دايونيسيوس الثاني مهيأً للنهوض بممارسة الفلسفة، اختبره أفلاطون بتأكيد ما تنطوي عليه الفلسفة الحقيقية من صعوبة حادة وتغيير في أسلوب الحياة:
«أولئك البعيدون عن أن يكونوا فلاسفة حقيقيين وليس لديهم سوى غطاء من الأفكار، مثل الرجال الذين تلوّح الشمس أجسادهم، عندما يرون كثرة ما يتطلبه طلب المعرفة، وكم عليهم أن يبذلوا من جهد عظيم، وتنظيم لحياتهم اليومية، ليتناسب مع الهدف الذي يسعون إليه، سيستنتجون أن المهمة صعبة؛ وهي كذلك لأنهم ليسوا مهيئين لذلك المسار». فشل دايونيسيوس الثاني في نهاية المطاف لأنه أراد أن يحول الفلسفة إلى أداة لتكون وسيلة أخرى للسلطة. لقد تأسس اختبار أفلاطون على إيمانه المتواصل بممارسة الفلسفة - وليس استعمالها - وهي مسار يقتضي التخلي عن المتع الحسية والسلطة من أجلها. يصف أفلاطون هذا المسار بالتفصيل:
«فقط حين... تحتك الأسماء والتعريفات والتصورات المرئية وغيرها وتُختبر في تداخلاتها، ويطرح التلميذ والمعلم أسئلة وإجابات بنية طيبة وبلا حسد، فقط عندئذٍ، حين يكون العقل والمعرفة النهايتين القصويين للجهد الإنساني، يمكن لهما أن يضيئا طبيعة الموضوع».
هنا مرة أخرى تكون المقابلة بين أفلاطون وهوبز مفيدة. فبينما يرى هوبز سوء النية و«الحسد» سمتين للطبيعة البشرية لا يمكن التخلص منهما، يرى أفلاطون أن إزالتهما شرط مسبق لممارسة الفلسفة ومن ثم للازدهار البشري.
هكذا لم يتحول دايونيسيوس الثاني إلى فيلسوف، ومات دايون في صراع أهلي دمر سرقسطة في نهاية المطاف. رغبة دايونيسيوس في تحويل الفلسفة إلى أداة جعلته يبحث عن المعرفة بوصفها مظهراً احتفالياً وأداة للهيمنة. لكنه تراجع حين طالبه الفيلسوف بدلاً من ذلك بتغيير كلي لحياته.
في نهاية الأمر، انسجمت المواجهات بين الفيلسوف والملك في صقلية مع المشهد المجازي للكهف في «الجمهورية»: دايونيسيوس الثاني يسعى للصعود من ظلال السياسة إلى ضوء الفلسفة بينما يسير أفلاطون في الاتجاه المعاكس، هابطاً من وضوح الفلسفة إلى ظلال السياسة. القول إن أفلاطون «فشل» في هداية دايونيسيوس الثاني إلى الفلسفة قول مضلل. ربما يكون من المنطقي أكثر أن نلاحظ أن الملك نفسه فشل، لكن حتى هذا يفرض على إرث العصور القديمة مفهوماً فردانياً لتشكل الشخصية. لم تكن شخصية دايونيسيوس الثاني مما صنعه هو؛ لقد شكله تعليمُه البسيط، حياته الباذخة والطبيعة المرتزقية للمحيطين به. إلقاء اللوم على أفلاطون لعدم تمكنه بصورة عجائبية من إلغاء كل ذلك التأثير أشبه بلوم المظلة الشمسية لأنها لم تعمل كالباراشوت. ما كان أساسياً بالنسبة لأفلاطون لم يكن تحقيق هدفه السياسي، وإنما ممارسته لفلسفته الحقيقية...
ربما يكون السبب الرئيسي بالنسبة لأفلاطون في أن الفلاسفة يجب أن يكونوا ملوكاً هو أنهم يستطيعون التأثير في طبيعة التعليم. بعض مقترحات أفلاطون حول كيفية عمل ذلك في «الجمهورية» ليست مقنعة (كما في فكرة تجريد الأطفال من معرفة والديهم لكي يكون الصغار أكثر مرونة). لكن التعليم بوصفه استثماراً للروح وممارسة للفلسفة، التي تتضمن القدرة على جعل ما يسميه هوبز «رغبة فردانية في القوة» ثانوية بالنسبة للمسعى الاجتماعي نحو العدالة، يظل ذلك هدفاً ضرورياً وملحاً.
في «ولادة المأساة» (1872) يعلن فريدريك نيتشه: «المعرفة تقتل الفعل؛ الفعل يستدعي حجاب الوهم». ما زلنا نعيش تحت ظلال هذا الاعتقاد. عصرنا المتطرف في فردانيته وتخصصه يجيز الفصل بين المعرفة والقوة، حيث يتبع الأكاديميون أحدهما ويمارس السياسيون الآخر. رسالة أفلاطون السابعة تقدم رؤية مختلفة باستدعاء العلاقة الحميمة والضرورية بين الفلسفة والسياسة، المجمتع والعدالة، الصداقة والمعرفة. فوق ذلك تعلمنا أن الفعل يتطلب المعرفة، والمعرفة الفعل.

*روميو (أستاذ الفلسفة في كلية إيراسموس) وتيكوزبيري (طالب دراسات عليا في الكلاسيكيات في جامعة ستانفورد)
موقع «آيون» (Aeon)



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.