أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر

بعد أربعين عاماً يصدر ديوانه الأول «حد أدنى»

أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر
TT

أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر

أسامة مهران يستعيد شعرية السبعينات في مصر

بكلمة اعتذارية للقارئ، يدشن الشاعر أسامة مهران ديوانه الأول «حد أدنى» الذي تأخر صدوره طيلة 40 عاماً، محاولاً استعادة مناخ شعراء جيل السبعينات في مصر الذي ينتمي إليه. ويبرر ذلك بالمراجعة والفرز والتمهل والخوف من الفشل، وسط ظروف ومناكفات متشددة في قضايا الفن والواقع، لم يعد فيها «الحسن العربي» خالصاً لنفسه وزمنه وفطرته. لذلك أراد أن يتقدم إليه بأوراق اعتماد «ليست مصابة بجروح، أو معيبة بطموح، أو معنية فقط بتاريخ. كان لزاماً عليّ أن أفرز كل ما يخرج ليعيش». وبتواضع جم، يطلب من القارئ العفو عن التقصير في حقه على مدار كل هذه السنين، ويهيئه لمصالحة يرى أنها «ضرورية بين كل ما كتبت، وكل ما قررت أن أقدمه إلى المتلقي».
نعم، اعتذر الشاعر للقارئ، ولم يعتذر للشعر، قارئه الأول الاستثنائي، الشعر ابن الحياة والجمال، ينتفض الزمن ويلهو فيه كطفل، ويتسابقان على من يلمس الحقيقة أولاً. ثم ماذا لو لم يوجد القارئ، هل يكف الشاعر عن كتابة الشعر، تماماً مثل الفنان لو لم يوجد المشاهد للوحته، وماذا أيضاً لو اعتذر الشاعر للشجرة أو البحر أو الصمت، بصفتها قراءه، وكراسه المفتوح على براح الطبيعة والجمال، يخط فيه ويمحو ما يشاء من دلالات ورموز، ومعاني وأفكار؛ هل نحسبه مختلاً أو مجنوناً. الشعر لا ينتظر أحداً، لا يحمل حقائب أو جوازات سفر إلى أمكنة محددة، الشعر ينتظر نفسه دائماً.
ورغم ذلك، يبدو هذا الاعتذار وعياً هارباً من الشاعر على مدار كل تلك السنوات، مشكلاً ما يشبه المرثية الخاصة، ليس فقط باعتبار ما كان، وإنما باعتبار ما سيكون، هذه المنطقة المراوغة في حفرة الزمن التي تناور وتلعب فوق سطحها الذات الشاعرة، كأنها تريد أن تستعيد بئرها الأولى، بعد ما لحق بها من عطش وجفاف.
الديوان صدر منذ بضعة أشهر عند دار «الأدهم» للتوزيع والنشر بالقاهرة، ويشكل عنوانه «حد أدنى» عتبة أساسية للوقوف على عالمه الفني... نعم، ثمة حد أدني لكل شيء، بل للوجود نفسه، هناك سقف يجب المحافظة عليه حتى لا نعرى، ونصبح نهباً للفراغ. لكن، ما أقسي الحد الأدنى في الشعر، ابن المغامرة والتجريب المفتوح على كل شيء، بلا فواصل وعقد زمنية سميكة في العناصر والأشياء، هناك قواعد وقوانين وركائز لا حد أدني لها، فجدلها صيرورة دائماً بين الحركة والثبات، بين الوجود في هشاشته وضعفه الإنساني وقوته التي تنهض من بين ركام هذا الضعف، وتحيله إلى نقطة مضيئة كاشفة في مثلث الذاكرة والحلم والواقع، ناهيك من أن معيار الحد الأدنى يشي بأن ماهية الأشياء فيما ينتسب إليها، وليس في كيفية العلاقة بينها وبين هذا الانتساب.
ربما لذلك، يحرص الشاعر دائماً على أن يوفر حداً أدنى من الوضوح لقصيدته ذات البنية التفعيلية الراسخة، فهي مسكونة دائماً بالهم العام، بدلالته السياسية والاجتماعية والتاريخية؛ يحكم هذه الهم مدار القصيدة، ويشكل فاعليتها حتى في علاقة الذات العاطفية بالمرأة والحب والحياة. يلوح هذه الهم في الديوان، ويراوح بين الوضوح، ابن المباشرة الممسوسة بما يمكن تسميته «واقعية اللحظة»، وبينه حين يتخفى في غلالة الرمز والدلالة. يطالعنا ذلك في قصيدة «مشربية من زمن المعز» التي يستهل بها الديوان، ويقول فيها:
«منذ سلامة مقصدنا
دمدمتُ
هل ما يفعله نخيلُ الرغبة
في أنفسنا يشفع للمتشفَّي
فينا أن يرتاحْ
أن يصفح عنَّا
أو يمنحنا سر المفتاحْ؟
هل ما ترقبه أيدينا
أو ما تنثره سوءاتُ مشاربنا
أو ما ينقصنا في حَلق معانينا
يسمح ببكاء آخر
أو فَرحْ؟
قد تنغمس اللذة في الأوجاع
وفي الجرح.
قد يندمل الإسهابُ
وقد يكتمل الشرح».
يتوجه الخطاب بشكل ضمني إلى المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس مدينة القاهرة، في شكل رسالة مسكونة بالسؤال والحنين إلى لحظة غابرة لا تزال روائحها تفوح في غبار التاريخ والأيام. وبنظرة انتقائية، تتخذ القصيدة من رمزية «المشربية - الشرفة» دلالة على ذلك الزمن، لكن البون يتسع فنياً بين الرمز والدلالة، بين المشربية بنسقها «الأرابيسك» الفني المعشق، وجماليات تكرار العناصر والوحدات ودقة وبراعة التكوين، وبين القصيدة التي اعتورها أحياناً تعسف القافية ولي عنق اللغة من أجل الوصول إليها. وفي مقابل زمن المشربية بصفتها مرثية شعرية، يتراءى الحاضر المسفوك بالدم والذبح الذي لا يعرف كيف يرثي نفسه في «فوضي الأشياء الصغيرة» وفي «رمية قرص».
وتتكشف مأساوية الحاضر في قصيدة أخرى أكثر تماسكاً وانسجاماً، على مستويي الرؤية والتشكيل، بعنوان «أجراس معلقة على مآذن المعز»، حيث تبدو القاهرة صوتاً آخر، ومدينة أخرى، ابنة لحظتها الخاصة، ويتماهى سؤال الذات بالبحث عن الأنثى الخلاص، المستحيلة، وسط مشاهد من أجواء ثورة 25 يناير (كانون الثاني) تطل كوميض خافت، بزخمها في الشوارع والحناجر والميادين، بينما تتحول مآذن المعز وأجراسها وسط الغبار إلى رمز لصلاة منسية محرمة مجروحة على أرواح ضحايا وشهداء اغتالتهم يد الغدر والخيانة:
«لا أعرف من أين أتيتِ؟
وإلى أين ذهبت؟
ولماذا تنتصرين الآن على نفسكِ؟
هل كانت كل مقاومتكِ إفكاً
يتحكم في مشروع حياتي؟
هل أنفض عن جسدي
حِملَ كراماتك
وأطارد روحاً شريرة بفتات الصدقات؟
لا ينفع أن أتسامح أو أتصافحَ
في عز الثورات
فجميع القتلة مشغولون بوأد الفتنة
واستقبال العام القادم
كُفِّي عن غضبك سيدتي
وكفاكِ ظهوراً في المرآة».
يحتشد الديوان برموز الفيضان والنهر والخصب والرذاذ، والمطر والميدان، كما تتناثر بقع من الحزن والبكاء والفقد والرحيل والهديل، وأحياناً يضع نفسه في المفارقات الثنائية المتعارضة، محاولاً كسر المسافة وتضييق الفجوة بينها، والبحث عن مشترك إنساني يلم شتاتها، ولو في شكل بوح خاطف ومناجاة شجية لا تجد سوى حرقة المقارنة سبيلاً للوصول إلى الوطن، أو الأنثى، أو الحرية، أو إلى اللاشيء، فليس ثمة ما يوحد بين «أنتِ وأنا» سوي حرف «الواو» المضطرب الملول الذي يقبع مجرد أداة وعلامة عابرة للعطف والشفقة بين كيانين يفتشان عن ظل آخر يوحد بينهما في متاهة الحياة.
ربما لذلك، دائماً يطل الحاضر بدواله ورموزه في الديوان مشوباً بالخوف والقلق والتوتر، كما أنه لا يطل على ذاته من نافذة تخصه، إنما من نافذة بلاغة تقليدية وماض لا يعرف كيف يفارقه، ليلتصق به بإرادة حرة وعين أكثر اتساعاً وحيوية على المستقبل والوجود:
«كان الماضي الأجمل
يتوارى في الأذهان
يطل علينا من وادٍ
ينتحل النسيان
وعيونُ الصُّبح المرهقة الرؤيا
تتجلى في نظرة عشقٍ
في لفتة فنانْ
لبلادٍ جاءتْ
وبلاد رحلت
من دون مكان».
ويتناثر جدل الصدى والصوت، الصورة والأصل، في كثير من قصائد الديوان، في محاولة لإبراز حسية الصوت واللغة، وكسر أحادية المشهد واللقطة والرؤية، بحثاً عن مرثية خاصة للذات، والحلم والوطن والأشياء، مرثية تشبه النغم والأغنية، والمغفرة أحياناً. هنا، يرتفع إيقاع الغنائية في الديوان، وتصبح المرثية بمثابة صدى للحن قديم يتسلق أسوار الذاكرة والحلم، ويكمل دورته حضوراً وغياباً في ظلالهما... هكذا، يبدو المعنى في قصيدة بعنوان «وطني وصباي وأحلامي» تتناص مع أغنية عاطفية شهيرة بالاسم نفسه، توحد بين معنى الوطن والأنثى:
«أسميتكِ
تاريخ ميلادي
وحصوة ملحٍ
من طينة أجدادي
لن أسألكِ
عن لون طباعك
عن قفاز ذراعك
عن شكلكِ حين تلمين
الضوءَ الخافت
من جوف الأبعاد
لا أغزو صفحتك الرسمية
كي أعرف عنك
ما لا أعرفه بحرية
لم أفرض نفسي
أو أرمي حملي الأثقل
في حيرة عينيك
أو رعشة كفيك».
وبعد... لم يستطع أسامة مهران أن ينتظر وصول قطار السبعينات الشعري في موعده، فحمل حقيبة شعره الغض ورحل عن البلاد، وها هو يعود بعد كل هذه السنوات، بعدما وصل القطار وغادر المحطة إلى محطات كثيرة، لكن لا بأس من أن يفرغ حقيبته، ويتأمل في هذا الديوان وأعمال أخرى لاحقة، صورة أخرى لقطار آخر أرجو أن يصل إليه بحب وشعر.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.