طهاة يُخصصون وقتاً لـ«الخُضرجي والسماك»

TT

طهاة يُخصصون وقتاً لـ«الخُضرجي والسماك»

في مزرعة ألبانٍ في مدينة صقلية، يُفصح كورادو اسينزا الذي اشتهر ببوظة الريكوتا والغرانيتا باللوز، عن إعجابه بفرانزو أفضل راعٍ ومنتج جبنة ريكوتا لديه، أثناء قيام الأخير بالحَلب اليدوي كل يوم لأكثر من 500 حيوان، وذلك على نحو جادٍ وصارم من الساعة الثانية والنصف صباحاً حتى منتصف الليل؛ لقد كان الطاهي الإيطالي محقاً عندما قال: «المكونات لا تكون جيدة إن لم يكن الشخص الذي ينتجها جيداً».
ومما قاله أيضاً في مقابلة تلفزيونية سابقة: «إن من واجبي أن أعدّ بوظة مثالية ما دام فرانزو يقدم لي ريكوتا رائعة، يؤسفني للغاية أن العامة لا تعرف شيئاً عن عمله، لذا عرّفت أصدقائي من طهاة المعجنات والبيتزا على منتجاته، وهم يشترون الآن من أجبانه».
اللطيف في الأمر أن الراعي ممتن لصنيع صاحب مقهى سيسليا الشهير، إلا أن الرجل أثبت وفاءه مجدداً برده عليه: «أنا من يجب أن أشكرك باستمرار».
قد يُظهر بعض الطهاة وجودهم في الميدان للوقوف على أدق التفاصيل التي تتصل بإنتاج المكونات المستخدمة في أطباقهم؛ ويحدث أحياناً ذلك من باب الدعاية ليس إلا، وفي المقابل هناك من يهتمون بالأمر حقاً وينسجون شبكة علاقات متينة مع الجنود المجهولين كما فعل كورادو؛ الذي أدرك باكراً أن التقصي حول المكونات ومصادرها المميزة كفيلٌ بتحضير أطباقٍ كلها حب.
- المُتابعة مسؤوليتنا
في فندق ماريوت العليا بمدينة الرياض، يُشهد لـ«الشيف التنفيذي» حرصه على استخدام مكونات بجودة عالية بعد أن يتفحصها ما أمكن بكل حواسه؛ فيقلبها ويلمسها ويشمّها ويتذوقها جيداً.
يقول الطاهي الأردني عمر العزة لـ«الشرق الأوسط»: «يهمني أن أنتقي مكونات عضوية زُرعت بشكل جيد؛ وعادةً ما أتعامل مع موردين يعتمدون على طرق إنتاج بتقنية حديثة، أما اللحوم فأحاول التحقق من مصادرها وطبيعة المزارع التي تربت فيها؛ وبطبيعة الحال لون اللحم مؤشر مهم للجودة، وبشكلٍ عام أفضّل التعامل مع مزارع وأصحاب مراعٍ بعينهم».
ويتسوق عمر غالباً بنفسه للحصول على أفضل المكونات لوصفاته وبسعر جيد ليوفر الوقت الذي سيشرح فيه للموردين بشأن ما يريده من مشتريات، يقول: «أستمتع بالتسوق لا سيما حين أتخيل المكونات التي أختارها بعناية بشكلها النهائي بعد طبخها، والفضول يحذوني لأعرف رأي الزبون بغنى الطبق المقدَم له».
وينصح كل من يعملون في مجال الطعام سواء كانوا طهاة أو هواة أو حتى ربات البيوت، بأن يكونوا جادين في تخصيص وقتٍ للبحث عن مكونات طازجة قدر الإمكان والتأكد من سلامتها وتفحص قيمتها الغذائية وفترة صلاحيتها.
ومن المثير للاهتمام أن الشيف عمر قبل اعتماده للموردين يذهب إلى الحقول والمراعي وكذلك المصانع للاطمئنان إلى أن عملية الإنتاج تسير على خير ما يرام، مردفاً بالقول: «شخصياً زرت عدة دول مثل ألمانيا وإسبانيا وتركيا والإمارات وغيرها، لأن متابعة حيثيات الجودة مسؤولية كبيرة».
سوسن أبو الجبين سيدة فلسطينية تعيش في مدينة الكويت، بعد تقاعدها أنشأت صفحة «بيت المطبخ» على موقع «إنستغرام»، وشرعت في تنظيم دورات لتعليم الطبخ؛ تمضي وقتاً جميلاً أثناء التجول بين الأرفف في مراكز التسوق، فيما تستمع بالمشي بين أزقة بعض الشوارع حين تشتمّ رائحة النعناع البلدي والكيوي الأسترالي والزعتر الفلسطيني، «لولا ذلك كيف سيُطلق العنان لمخيلتي لأنطلق بحماسٍ إلى مطبخي!».
وبمرح تغني «المرأة اليافاوية» لطبق الفول الأخضر باللبن مع قدحة الثوم والكزبرة «جميل جمال مالوش مثال»؛ فحنينها لا ينتهي إلى أكلات زمان؛ ولعل أمثال سوسن ليس من الصعب عليهم تأسيس قائمة بأفضل «الخضرجية» و«السمّاكين» بائعي الخضار والسمك - مثل صديقها الصياد محمد البنغالي الذي تبرق له التحية، فهؤلاء يمنحونها معاملة، خصوصاً في الأسعار ويعرفون طلبها.
تقول: «التسوق يساعدني في وضع خطة اليوم بشأن ما سأطهوه لعائلتي أو ضيوفي، عندما أرى خضاراً يُباع في موسمه، فإنه يُغريني بفكرة تحضير صنف بعينه، وفي الخضار على وجه الخصوص يهمني أن أعرف مصدره، وفي أي أرض أثمر لأن ثمة أطباقاً يفُضل أن نعدّها من خضار لبلاد محددة».
ولا تنفك عن نصح الفتيات اللاتي يشتركن في دروسها: «أطيب شي إنه تجيبي الخضرة طازة وما تطولي عليهم عشان يضل لونهم وطعمهم بشهي»، وتوصيهن بالعمل بالمثل الشعبي «أول الثمار بطوّل الأعمار»، كناية عن تناولها وطبخها في موسمها.
- النكهة البلدية
شوكولاته برائحة فلسطين؛ تمسّد أنامل ريم شهاب على كل قطعة منها التي لاقت شهرةً مؤخراً بعد أن استخدمت فيها الأعشاب الطبيعية، هذه الطاهية عاشقةٌ للروائح العطرة مثل الميرمية والريحان وإكليل الجبل والزعتر، وتلك أبرز المكونات في معزوفتها؛ إذ تهتم بأدق تفاصيل عملها وتتولى بنفسها مهمة اختيار الأعشاب العطرية من أماكن معينة وقبل شرائها تُمعن في السؤال عن إجراءات تخزينها.
تتحدث عن معاييرها في الاختيار، قائلةً: «نكهة العُشبة البلدية مميزة ورائحتها كذلك، وحتى أضمن ذلك على الدوام فإنني أتحرّى عن موسم قطافها وما شابه، وأتعاون مع أصدقاء في قريتي عقريا التي تتبع إلى مدينة نابلس، وبدورهم يشرفون على قطف الأعشاب العطرية الطازجة».
تحبس أنفاسها عندما تحاول وصف الطاهي؛ فعين ريم ترى بشكلٍ مختلف هذا الشخص الذي آواه مطبخٌ يضج بالأواني ومعدات الطعام؛ «إنه إنسان يقوده إحساسٌ مرهف وحواس خاصة، وعلى إيقاعها تتناغم الخضار والمكونات المنتقاة بين يديه، ليرسم في تلك الأثناء لوحة الطعام التي يرغب في رؤيتها بعد قليل؛ بالمختصر؛ انتقاء الأعشاب العطرية أو المنكهات والتلاعب بها بطريقة خارجة عن المألوف يُحددان مهارة الشيف وروحه».
أما عفاف صاحبة مدونة «مستكة» للمعجنات والحلويات، فالطعام في مجمله يجعل وقت الفتاة السعودية ممتعاً سواء في التحضير أو التسوق لأجل سفرة طعام مشرفّة.
المكونات التي تجلبها من المَزارع تُودع سرها في الوصفات فتهبها جمالاً؛ تِبعاً لقولها؛ وتحكي في هذا الصدد: «كان القمح العضوي السعودي يصل إليّ مباشرة من المزارعين، وحالياً اللحوم الحمراء والخضروات والتمور غالباً تصل إلي من المزارع مباشرة، ولله الحمد».
ومما يُحَسب لمدونة «مستكة» أن المكونات توثق مع بدائلها، بحيث تكون في متناول الجميع وبأعلى جودةٍ ممكنة، مع العلم أن الأجود ليس بالضرورة أن يكون غالياً أو مستورداً، المهم أن يراعي السلامة الغذائية؛ تقول عفاف.
وعلاوةً على الجودة وبحكم الخبرة صار بمقدورها اختيار الأنسب وفقاً للوصفة، تشرح بالقول: «كل نوع من أنواع الدقيق أختاره بحسب نسبة البروتين فيه المُبينة على كيس الطحين، ذلك أن أعلى من 11 في المائة مناسب للخبز وأقل من 10 في المائة مناسب للكيك، والأمر نفسه في اختيار الزبدة؛ علينا التدقيق في نسبة دهونها مع مراعاة التمييز بينها وبين المارجرين أو الزبدة النباتية».
- السلامة الغذائية
نسرين رحال؛ مصورة طعام من فلسطين، تكشّفت لها موهبتها في الطبخ بعد إقامتها في دولة الإمارات؛ ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن التغني بجمال الأطباق العربية بواسطة تصويرها.
تتريث نسرين أثناء تسوقها في اختيار الخضار واللحوم، ولا تتنازل عن أولوية الجودة العالية؛ وكلما وقعت عينها على الفواكه في أسواق الخضار انشرح قلبها ورددّ تعبير العامة «أشكال وألوان» لتنشط مخيلتها في التفكير بلمسات التزيين، ما يضفي رونقاً أخّاذاً على صورها.
وتوضح بالقول: «اللمعان في مظهر الخضار مهم للغاية؛ فكلما كانت طازجة وألوانها نضرة منحت الصورة بهاءً وفتحت الشهية وأعطت انطباعاً جيداً لعين المتلقي لتناديه إلى تجريب الطبق»، بحسب قولها.
وبمثالٍ بسيط تخبرنا نسرين: «لو أضفنا إلى كوب الشاي وريقات نعناع أخضره يانع سننتعش لأنه (بفِتح النفس)؛ والعكس صحيح إن وضعنا نعناعاً باهت اللون يوشك على الذبول، أرى أن مصور الطعام الذي يقع تنسيق الأطباق على عاتقه يتوجب أن يفطن لهذه المسألة ويكلف نفسه عناء البحث عن أفضل مكون».
بالانتقال إلى الغزّاوية التي اقتحمت عَالم الطهي حديثاً؛ رولا القيشاوي، وصاحبة كتاب «أكلات ووصفات» الذي يضم بين دفتيه جانباً من المطبخ التراثي، فإن الحصول على أطباق صحية وطعم مدهش لا يتأتى من دون انتقاء مكونات جودتها عالية؛ وفق تعبيرها.
ما استطاعت؛ تتذوق رولا مما تشتريه مثل البهارات لتقيس مدى جدّتها وجودة طعمها، فيما تتحقق من تاريخ الصلاحية وعلى وجه الخصوص في العروض الشرائية واللحوم المجمدة.
وثمة أمور تراعيها عند شراء اللحوم البيضاء والحمراء، فلا بد أن تكون حمرة لونها تميل إلى الوردي بعيداً عن الرمادي أو البني، وشكلها متماسك وسطحها متساوٍ وغير رخوة ورائحتها طبيعية، كما تنظر في الثمار إن كان قوامها متماسكاً وخالياً من البقع أو البراعم، أو أي أثر لمبيدات ضارة، ناهيك بالرائحة الزكية.
وتشجع الطهاة علي التبضع بأنفسهم عوضاً عن الاعتماد على الموردين، موضحة وجهة نظرها: «كلٌ منا أدرى باحتياجاته وما يلزمه لتحضير وصفاته، والخبرة تسعفنا في اختيار البدائل الأفضل في حال عدم توفر المكونات المطلوبة، بخلاف مُورد لن يعرف مرادنا على أي حال، فيما الربح هدفه الأول على الأرجح».
وفي السياق نفسه، تشير إلى أنه إذا اضُطر الأمر للاعتماد على الموردين بسبب ضيق الوقت، فلا بد أن يتحلوا بالمصداقية على أن يتم إعطاؤهم المواصفات والشروط بدقة، ويا حبذا بزيارات دورية لأصحاب المزارع والمراعي؛ مع توخي الحذر من أدنى احتمال للتهاون بالسلامة الغذائية ربما يودي - لا قدّر الله - إلى حدوث حالات تسمم؛ والكلام لرولا.
وفي سؤالها عن مدى توفر المكونات بجودة عالية في قطاع غزة المحاصر؛ قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه على الرغم من الحصار المطبق على غزة فإنها وبفضل الله، تُعد غنية بالموارد الطبيعية مثل الأراضي الزراعية وخيرات البحر، «عندما نتعرض لنقصٍ في بعض المكونات نلجأ إلى بدائلٍ تفي بالغرض».
«ماذا إن لم تفِ بالغرض!»... أسألها فتجيب: «ثمة مكونات حيوية يتوفر منها فقط أنواع ليست موثوقة بما يكفي على صعيد الجودة أو قد لا تتوفر من الأساس في السوق المحلية، مثل كريمة الطبخ والحليب المحلي والمايونيز وبعض الصلصات والأجبان الكريمية وبعض التوابل، عندئذٍ لا مفر من تحضيرها في المنزل وبنتيجة مُرضية، ويصبح هذا الخيار مُلحاً في حال كانت الطلبيات بكميات كبيرة مع عدم إغفال أن أسعار بعض المكونات - إن توفرت - مرتفعة».


مقالات ذات صلة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

مذاقات البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

هناك إقبال شديد على ما يُعرف بسياحة فنون الطهي أو «استكشاف المذاقات»، بعدما أصبح الطعام عاملاً حاسماً يجذب الزوار ويؤثر في قراراتهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد..

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة

أسماء الغابري (جدة)

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
TT

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

فلم تعد البراعم النباتية كما كانت في السابق مجرد لمسة خضراء تزين أطباق السلطة، بل أصبحت من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الطهي، مع ازدياد الاهتمام بالأطعمة الطازجة والمكونات التي تجمع بين الفائدة الصحية والمذاق المميز والشكل الأنيق. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه النباتات الصغيرة تنتقل من المطابخ العالمية إلى الموائد العربية، لتقدم حضوراً مختلفاً يثري الأطباق اليومية ويمنحها روحاً جديدة.

والبراعم هي المرحلة الأولى من نمو البذور، حيث تنبت في ظروف رطبة ونظيفة خلال أيام قليلة، ثم تخرج السيقان الدقيقة والأوراق الصغيرة الغنية بالعناصر الغذائية.

لفائف سوشي السلمون اللذيذة مع البراعم

ويشير خبراء التغذية إلى أن هذه المرحلة تشهد نشاطاً طبيعياً داخل البذرة؛ ما يجعل بعض مكوناتها أسهل في الهضم، مع ارتفاع نسبي في مستويات بعض الفيتامينات ومضادات الأكسدة.

كما تعد البراعم مصدراً جيداً للألياف والفيتامينات والمعادن، مع انخفاض نسبي في السعرات الحرارية، وهو ما يجعلها خياراً مناسباً للراغبين في تحسين نمطهم الغذائي أو تنويع وجباتهم اليومية بطريقة صحية وخفيفة.

يرى الشيف أحمد نبيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البراعم من المكونات التي لفتت الانتباه بقوة خلال الفترة الأخيرة؛ لأنها تمنح قيمة غذائية مرتفعة في حجم صغير، كما أنها سهلة الاستخدام ويمكن إدخالها في عدد كبير من الوصفات من دون تعقيد.

ويقول إن «ما يميز البراعم قدرتها على تحويل طبق بسيط إلى وجبة أكثر أناقة وتوازناً، سواء من حيث اللون أو القوام أو النكهة، مشيراً إلى أن سر نجاحها في المطبخ يكمن في بساطتها؛ فهي لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى تكلفة مرتفعة، لكنها تحدث فرقاً واضحاً في الطبق».

السلطات من أهم الأطباق التي تستخدم فيها البراعم لكنها لم تعد الوحيدة

براعم لكل مذاق

تتنوع البراعم الصالحة للأكل، ولكل نوع منها مذاقه واستخداماته الخاصة، ومن أبرز الأنواع الشائعة براعم الفاصوليا، والبروكلي، والعدس، والفجل، والبازلاء، ودوار الشمس، والجرجير، والحلبة.

ويشرح نبيل أن براعم الجرجير تتميز بنكهة عشبية خفيفة ولمسة منعشة؛ ما يجعلها مناسبة للسندويتشات والسلطات. أما براعم الفاصوليا فتشتهر بقوامها المقرمش وعصارتها الواضحة؛ ولذلك تُستخدم في الأطباق السريعة والشوربات وطواجن الخضراوات.

ويضيف أن براعم البروكلي تحظى بإقبال كبير؛ لما تحتويه من مركبات نافعة، إلى جانب مذاقها الخفيف المائل إلى الحدة الرقيقة.

في حين تعد براعم العدس خياراً مناسباً للمطبخ المصري والعربي؛ لأنها مألوفة في النكهة وغنية بالبروتين النباتي، ويمكن إضافتها إلى السلطات أو تقديمها مع الحبوب أو استخدامها في حشوات الفطائر.

أما براعم الفجل فتمنح الأطباق نكهة حارة ومنعشة تناسب محبي المذاقات القوية، بينما تضيف براعم دوار الشمس طعماً قريباً من المكسرات؛ وهو ما يجعلها مناسبة مع الجبن والخبز المحمص.

ولا تتوقف جاذبية البراعم عند حدود الفائدة الغذائية، بل تمتد إلى أثرها البصري في تقديم الطعام؛ فالألوان الخضراء الزاهية، والخيوط الدقيقة، والأوراق الصغيرة، تمنح الأطباق مظهراً أكثر حيوية وحداثة، وتجعل الوجبة تبدو أكثر عناية وتنسيقاً.

طريقة استخدامها

يقول الشيف أحمد نبيل إن الطاهي الذكي يمكنه استخدام البراعم بالطريقة نفسها التي يستخدم بها الأعشاب الطازجة أو اللمسات النهائية، أي بكميات محسوبة، تضيف نكهة ولمسة جمالية من دون أن تطغى على المكونات الأساسية.

كما تناسب البراعم نمط الحياة السريع؛ إذ لا تحتاج إلى وقت طويل في التحضير، ويمكن إضافتها نيئة إلى السلطات والسندويتشات، أو إدخالها في الطهي الخفيف خلال الدقائق الأخيرة حتى تحتفظ بقوامها ونضارتها. كذلك يمكن استخدامها فوق أطباق الشوربة الساخنة عند التقديم، أو إضافتها إلى البيض المخفوق، أو مزجها مع الأرز والخضراوات.

الشيف المصري أحمد نبيل (الشرق الأوسط)

وصفات سهلة وشهية

وفي المطبخ المصري يمكن إدخال البراعم بسهولة ومن دون خروج عن المألوف؛ فإضافتها على سبيل المثال إلى طبق الفول يمنح الوجبة نكهة طازجة وتوازناً مع القوام الكريمي. كما يمكن وضعها داخل ساندويتشات الجبن القريش مع شرائح الطماطم والخيار، أو إضافتها إلى الطعمية مع السلطة.

وتصلح أيضاً بجوار الكفتة المشوية أو شرائح اللحم البقري أو الدجاج؛ حيث تضيف خفة وانتعاشاً يوازنان النكهات المشوية والدسمة.

ومن الوصفات التي يقترحها نبيل سلطة مصرية بالبراعم، تتكون من الطماطم المقطعة والخيار والبصل الأحمر الرقيق وبراعم الفجل، مع عصير الليمون وزيت الزيتون ورشة سماق. ويقول إنها تصلح إلى جانب الأسماك أو المشويات، كما يمكن تقديمها وجبة خفيفة مستقلة.

ويقترح أيضاً طبق أرز بالخضراوات والبراعم، حيث يُطهى الأرز بالطريقة المعتادة، ثم تُضاف إليه في النهاية براعم البازلاء أو الفاصوليا مع الجزر المبشور والبصل الأخضر؛ ليحصل الطبق على لون جديد وملمس مقرمش محبب.

ويتابع: «وتتميز البراعم بمرونة كبيرة في الاستخدام داخل المطبخ، ومن أبرز طرق تقديمها مزجها مع سلطة الكولسلو أو السلطة المصرية، أو استخدامها في سلطة البطاطس مع براعم العدس أو الفاصوليا، ويمكن إضافتها إلى اللفائف والسندويتشات بدلاً من الخس».

ويواصل: «أيضاً أستخدمها في حشوات السندويتشات مع الجبن أو التونة، أو أضعها فوق ساندويتشات الجبن بعد تحميصها، أو أضيفها إلى الحساء أو اليخنات عند التقديم».

ويقترح أيضاً: «تقليبها مع الخضراوات المشوحة، أو خلطها مع الجبن الكريمي أو اللبنة لصنع صلصات تغميس، أو خلطها مع عجينة الفطائر أو المخبوزات المالحة، أو تناولها طازجة في أطباق البراعم المشكلة، وتُستخدم أيضاً في تزيين أطباق العجة أو البيض المخفوق بها، وفي لفائف الأرز أو السوشي النباتي».

أما لمحبي الوجبات السريعة الصحية، فينصح بإعداد سندويتش من خبز الحبوب الكاملة محشو بشرائح الدجاج المشوي واللبنة أو الجبن الطري، مع كمية وفيرة من دوار الشمس، مؤكداً أن هذه الإضافة البسيطة تجعل الساندويتش أكثر إشباعاً وتوازناً.

نصائح مهمة

ورغم سهولة استخدام البراعم، فإن اختيار المنتج الجيد يظل أمراً أساسياً، وينصح الشيف أحمد نبيل بشراء البراعم التي تبدو نضرة وجافة نسبياً وغير لزجة، وخالية من أي بقع داكنة أو رائحة غير طبيعية.

كما يفضل حفظها في الثلاجة داخل عبوة جيدة التهوية، واستهلاكها خلال فترة قصيرة؛ للحفاظ على جودتها وطزاجتها.

ومن المهم غسل البراعم جيداً قبل الاستخدام، والحرص على شرائها من مصادر موثوقة، مع تفضيل الطهي الخفيف لبعض الأنواع عند الحاجة؛ حيث ينصح بتجنب تناولها نيئة بالنسبة للأطفال والحوامل وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

معكرونة مع شرائح السمك والبراعم

من السوق... أو من مطبخك

وبدأت شركات مصرية متخصصة في إنتاج البراعم الطازجة مثل «منابت» في طرح منتجاتها داخل الأسواق، مع التركيز على تقديمها جاهزة للاستخدام، والاهتمام بالنظافة وتعقيم المياه وبيئة الزراعة، وهو ما يعكس اتساع الطلب على هذا النوع من الأغذية.

ومن جهة أخرى يمكن زراعة البراعم في المنزل بسهولة باستخدام برطمان زجاجي نظيف وبذور مخصصة للإنبات.

وتُنقع البذور عدة ساعات، ثم تُصفى وتُشطف يومياً؛ حتى تظهر البراعم خلال ثلاثة إلى خمسة أيام.

ويؤكد نبيل أن هذه الطريقة تمنح الأسرة منتجاً طازجاً، كما تتيح تعريف الأطفال بالغذاء الصحي من خلال تجربة بسيطة وممتعة.

وما بين المذاق المقرمش، والمظهر الأنيق، والقيمة الغذائية المرتفعة، يرى نبيل أن البراعم تبدو مرشحة لحضور أوسع على المائدة اليومية، بوصفها مكوناً صغيراً يصنع فرقاً واضحاً في الطب.


رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
TT

رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)

هناك إقبال شديد على ما يُعرف بسياحة فنون الطهي أو «استكشاف المذاقات»، بعدما أصبح الطعام عاملاً حاسماً يجذب الزوار ويؤثر في قراراتهم.

وتشير تقارير حديثة إلى أن نحو واحد من كل خمسة مسافرين حول العالم يضع تجربة الطعام في صدارة أولوياته، بينما يذهب نصفهم تقريباً إلى حجز المطاعم قبل تأكيد رحلات الطيران، في مؤشر واضح على التحول الكبير في مفهوم السفر الحديث. وتعتبر إزمير واحدة من أبرز الوجهات التي أعادت تعريف تجربة السفر من خلال المذاق. هذه المدينة المطلَّة على بحر إيجة تقدم أطباقاً تقليدية، وتروي حكاية غنية من التنوع الثقافي والمنتجات المحلية الطازجة، بدءاً من الأعشاب البرية، ووصولاً إلى أرقى تجارب الطعام العالمية.

تعتمد إزمير على الأسماك في مطبخها (الشرق الأوسط)

ومن المدن المشهورة بثرواتها النباتية التي تجعل من الأعشاب والخضراوات المحلية جزءاً أساسياً من هويتها الغذائية إزمير في تركيا، فالمعروف عن أطباقها أنها تعتمد على الهليون البري والخبيزة والقراص، إلى جانب «الجيبز»، تُحضَّر بزيت الزيتون الشهير في المنطقة، وتُقدَّم كمقبلات تجمع بين البساطة والعمق في النكهة.

ولا تكتمل التجربة دون مرافقة هذه الأطباق بالمأكولات البحرية الطازجة من بحر إيجه، مثل الروبيان والأخطبوط، في مزيج يعكس روح الساحل التركي. كما تبرز أطباق مثل أزهار الكوسا المحشوة والخرشوف بزيت الزيتون كرموز للمطبخ المحلي. وخلال فصل الربيع، تتحول المدينة إلى ساحة احتفال بالنكهات عبر مهرجانات موسمية، أبرزها مهرجان ألاجاتي للأعشاب، ومهرجان أورلا للأرضي شوكي؛ حيث تمتزج الثقافة بالطهي في أجواء نابضة بالحياة.

يعتبر الكوسا من المنتجات المحلية التي يتفنن بها الطهاة في إزمير (الشرق الأوسط)

ضمن رحلة الذواقة، تشكّل أورلا محطة لا يمكن تجاوزها. هذه البلدة الساحلية أصبحت مركزاً لتجارب الطهي الراقية التي تعتمد على مفهوم «من المزرعة إلى الطاولة»؛ حيث تُستخدم مكونات محلية طازجة في إعداد أطباق مبتكرة.

وقد نجح طهاة المنطقة في إعادة تقديم الوصفات التقليدية بروح عصرية، ما أكسبهم تقديراً عالمياً ووجوداً في «دليل ميشلان». وتتيح هذه التجارب للزوار تذوق أطباق مميزة تجمع بين الأصالة والإبداع.

زهرة الكوسا المحشوة (الشرق الأوسط)

كما تحتضن أورلا مساراً فريداً لمزارع الكروم؛ حيث يمكن للزوار التجول بين البساتين وتذوق منتجات محلية، بعضها أعيد إحياؤه بعد أن كان مهدداً بالاندثار.

بعيداً عن المطاعم الفاخرة، تحتفظ إزمير بسحرها الحقيقي في شوارعها. فمأكولات الشارع هنا ليست مجرد وجبات سريعة، بل تجربة ثقافية متكاملة.

من الفطور التقليدي الذي يشمل «البويوز» و«الجيفريك» و«البيشي»، إلى ساندويتش «الكومرو» الشهير، تقدم المدينة خيارات غنية تلبي مختلف الأذواق. ولا تغيب الحلويات عن المشهد؛ حيث تبرز «الشامبالي» وكرات العجين المقلية كوجبات خفيفة تحظى بشعبية واسعة.


مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.