طهاة يُخصصون وقتاً لـ«الخُضرجي والسماك»

TT

طهاة يُخصصون وقتاً لـ«الخُضرجي والسماك»

في مزرعة ألبانٍ في مدينة صقلية، يُفصح كورادو اسينزا الذي اشتهر ببوظة الريكوتا والغرانيتا باللوز، عن إعجابه بفرانزو أفضل راعٍ ومنتج جبنة ريكوتا لديه، أثناء قيام الأخير بالحَلب اليدوي كل يوم لأكثر من 500 حيوان، وذلك على نحو جادٍ وصارم من الساعة الثانية والنصف صباحاً حتى منتصف الليل؛ لقد كان الطاهي الإيطالي محقاً عندما قال: «المكونات لا تكون جيدة إن لم يكن الشخص الذي ينتجها جيداً».
ومما قاله أيضاً في مقابلة تلفزيونية سابقة: «إن من واجبي أن أعدّ بوظة مثالية ما دام فرانزو يقدم لي ريكوتا رائعة، يؤسفني للغاية أن العامة لا تعرف شيئاً عن عمله، لذا عرّفت أصدقائي من طهاة المعجنات والبيتزا على منتجاته، وهم يشترون الآن من أجبانه».
اللطيف في الأمر أن الراعي ممتن لصنيع صاحب مقهى سيسليا الشهير، إلا أن الرجل أثبت وفاءه مجدداً برده عليه: «أنا من يجب أن أشكرك باستمرار».
قد يُظهر بعض الطهاة وجودهم في الميدان للوقوف على أدق التفاصيل التي تتصل بإنتاج المكونات المستخدمة في أطباقهم؛ ويحدث أحياناً ذلك من باب الدعاية ليس إلا، وفي المقابل هناك من يهتمون بالأمر حقاً وينسجون شبكة علاقات متينة مع الجنود المجهولين كما فعل كورادو؛ الذي أدرك باكراً أن التقصي حول المكونات ومصادرها المميزة كفيلٌ بتحضير أطباقٍ كلها حب.
- المُتابعة مسؤوليتنا
في فندق ماريوت العليا بمدينة الرياض، يُشهد لـ«الشيف التنفيذي» حرصه على استخدام مكونات بجودة عالية بعد أن يتفحصها ما أمكن بكل حواسه؛ فيقلبها ويلمسها ويشمّها ويتذوقها جيداً.
يقول الطاهي الأردني عمر العزة لـ«الشرق الأوسط»: «يهمني أن أنتقي مكونات عضوية زُرعت بشكل جيد؛ وعادةً ما أتعامل مع موردين يعتمدون على طرق إنتاج بتقنية حديثة، أما اللحوم فأحاول التحقق من مصادرها وطبيعة المزارع التي تربت فيها؛ وبطبيعة الحال لون اللحم مؤشر مهم للجودة، وبشكلٍ عام أفضّل التعامل مع مزارع وأصحاب مراعٍ بعينهم».
ويتسوق عمر غالباً بنفسه للحصول على أفضل المكونات لوصفاته وبسعر جيد ليوفر الوقت الذي سيشرح فيه للموردين بشأن ما يريده من مشتريات، يقول: «أستمتع بالتسوق لا سيما حين أتخيل المكونات التي أختارها بعناية بشكلها النهائي بعد طبخها، والفضول يحذوني لأعرف رأي الزبون بغنى الطبق المقدَم له».
وينصح كل من يعملون في مجال الطعام سواء كانوا طهاة أو هواة أو حتى ربات البيوت، بأن يكونوا جادين في تخصيص وقتٍ للبحث عن مكونات طازجة قدر الإمكان والتأكد من سلامتها وتفحص قيمتها الغذائية وفترة صلاحيتها.
ومن المثير للاهتمام أن الشيف عمر قبل اعتماده للموردين يذهب إلى الحقول والمراعي وكذلك المصانع للاطمئنان إلى أن عملية الإنتاج تسير على خير ما يرام، مردفاً بالقول: «شخصياً زرت عدة دول مثل ألمانيا وإسبانيا وتركيا والإمارات وغيرها، لأن متابعة حيثيات الجودة مسؤولية كبيرة».
سوسن أبو الجبين سيدة فلسطينية تعيش في مدينة الكويت، بعد تقاعدها أنشأت صفحة «بيت المطبخ» على موقع «إنستغرام»، وشرعت في تنظيم دورات لتعليم الطبخ؛ تمضي وقتاً جميلاً أثناء التجول بين الأرفف في مراكز التسوق، فيما تستمع بالمشي بين أزقة بعض الشوارع حين تشتمّ رائحة النعناع البلدي والكيوي الأسترالي والزعتر الفلسطيني، «لولا ذلك كيف سيُطلق العنان لمخيلتي لأنطلق بحماسٍ إلى مطبخي!».
وبمرح تغني «المرأة اليافاوية» لطبق الفول الأخضر باللبن مع قدحة الثوم والكزبرة «جميل جمال مالوش مثال»؛ فحنينها لا ينتهي إلى أكلات زمان؛ ولعل أمثال سوسن ليس من الصعب عليهم تأسيس قائمة بأفضل «الخضرجية» و«السمّاكين» بائعي الخضار والسمك - مثل صديقها الصياد محمد البنغالي الذي تبرق له التحية، فهؤلاء يمنحونها معاملة، خصوصاً في الأسعار ويعرفون طلبها.
تقول: «التسوق يساعدني في وضع خطة اليوم بشأن ما سأطهوه لعائلتي أو ضيوفي، عندما أرى خضاراً يُباع في موسمه، فإنه يُغريني بفكرة تحضير صنف بعينه، وفي الخضار على وجه الخصوص يهمني أن أعرف مصدره، وفي أي أرض أثمر لأن ثمة أطباقاً يفُضل أن نعدّها من خضار لبلاد محددة».
ولا تنفك عن نصح الفتيات اللاتي يشتركن في دروسها: «أطيب شي إنه تجيبي الخضرة طازة وما تطولي عليهم عشان يضل لونهم وطعمهم بشهي»، وتوصيهن بالعمل بالمثل الشعبي «أول الثمار بطوّل الأعمار»، كناية عن تناولها وطبخها في موسمها.
- النكهة البلدية
شوكولاته برائحة فلسطين؛ تمسّد أنامل ريم شهاب على كل قطعة منها التي لاقت شهرةً مؤخراً بعد أن استخدمت فيها الأعشاب الطبيعية، هذه الطاهية عاشقةٌ للروائح العطرة مثل الميرمية والريحان وإكليل الجبل والزعتر، وتلك أبرز المكونات في معزوفتها؛ إذ تهتم بأدق تفاصيل عملها وتتولى بنفسها مهمة اختيار الأعشاب العطرية من أماكن معينة وقبل شرائها تُمعن في السؤال عن إجراءات تخزينها.
تتحدث عن معاييرها في الاختيار، قائلةً: «نكهة العُشبة البلدية مميزة ورائحتها كذلك، وحتى أضمن ذلك على الدوام فإنني أتحرّى عن موسم قطافها وما شابه، وأتعاون مع أصدقاء في قريتي عقريا التي تتبع إلى مدينة نابلس، وبدورهم يشرفون على قطف الأعشاب العطرية الطازجة».
تحبس أنفاسها عندما تحاول وصف الطاهي؛ فعين ريم ترى بشكلٍ مختلف هذا الشخص الذي آواه مطبخٌ يضج بالأواني ومعدات الطعام؛ «إنه إنسان يقوده إحساسٌ مرهف وحواس خاصة، وعلى إيقاعها تتناغم الخضار والمكونات المنتقاة بين يديه، ليرسم في تلك الأثناء لوحة الطعام التي يرغب في رؤيتها بعد قليل؛ بالمختصر؛ انتقاء الأعشاب العطرية أو المنكهات والتلاعب بها بطريقة خارجة عن المألوف يُحددان مهارة الشيف وروحه».
أما عفاف صاحبة مدونة «مستكة» للمعجنات والحلويات، فالطعام في مجمله يجعل وقت الفتاة السعودية ممتعاً سواء في التحضير أو التسوق لأجل سفرة طعام مشرفّة.
المكونات التي تجلبها من المَزارع تُودع سرها في الوصفات فتهبها جمالاً؛ تِبعاً لقولها؛ وتحكي في هذا الصدد: «كان القمح العضوي السعودي يصل إليّ مباشرة من المزارعين، وحالياً اللحوم الحمراء والخضروات والتمور غالباً تصل إلي من المزارع مباشرة، ولله الحمد».
ومما يُحَسب لمدونة «مستكة» أن المكونات توثق مع بدائلها، بحيث تكون في متناول الجميع وبأعلى جودةٍ ممكنة، مع العلم أن الأجود ليس بالضرورة أن يكون غالياً أو مستورداً، المهم أن يراعي السلامة الغذائية؛ تقول عفاف.
وعلاوةً على الجودة وبحكم الخبرة صار بمقدورها اختيار الأنسب وفقاً للوصفة، تشرح بالقول: «كل نوع من أنواع الدقيق أختاره بحسب نسبة البروتين فيه المُبينة على كيس الطحين، ذلك أن أعلى من 11 في المائة مناسب للخبز وأقل من 10 في المائة مناسب للكيك، والأمر نفسه في اختيار الزبدة؛ علينا التدقيق في نسبة دهونها مع مراعاة التمييز بينها وبين المارجرين أو الزبدة النباتية».
- السلامة الغذائية
نسرين رحال؛ مصورة طعام من فلسطين، تكشّفت لها موهبتها في الطبخ بعد إقامتها في دولة الإمارات؛ ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن التغني بجمال الأطباق العربية بواسطة تصويرها.
تتريث نسرين أثناء تسوقها في اختيار الخضار واللحوم، ولا تتنازل عن أولوية الجودة العالية؛ وكلما وقعت عينها على الفواكه في أسواق الخضار انشرح قلبها ورددّ تعبير العامة «أشكال وألوان» لتنشط مخيلتها في التفكير بلمسات التزيين، ما يضفي رونقاً أخّاذاً على صورها.
وتوضح بالقول: «اللمعان في مظهر الخضار مهم للغاية؛ فكلما كانت طازجة وألوانها نضرة منحت الصورة بهاءً وفتحت الشهية وأعطت انطباعاً جيداً لعين المتلقي لتناديه إلى تجريب الطبق»، بحسب قولها.
وبمثالٍ بسيط تخبرنا نسرين: «لو أضفنا إلى كوب الشاي وريقات نعناع أخضره يانع سننتعش لأنه (بفِتح النفس)؛ والعكس صحيح إن وضعنا نعناعاً باهت اللون يوشك على الذبول، أرى أن مصور الطعام الذي يقع تنسيق الأطباق على عاتقه يتوجب أن يفطن لهذه المسألة ويكلف نفسه عناء البحث عن أفضل مكون».
بالانتقال إلى الغزّاوية التي اقتحمت عَالم الطهي حديثاً؛ رولا القيشاوي، وصاحبة كتاب «أكلات ووصفات» الذي يضم بين دفتيه جانباً من المطبخ التراثي، فإن الحصول على أطباق صحية وطعم مدهش لا يتأتى من دون انتقاء مكونات جودتها عالية؛ وفق تعبيرها.
ما استطاعت؛ تتذوق رولا مما تشتريه مثل البهارات لتقيس مدى جدّتها وجودة طعمها، فيما تتحقق من تاريخ الصلاحية وعلى وجه الخصوص في العروض الشرائية واللحوم المجمدة.
وثمة أمور تراعيها عند شراء اللحوم البيضاء والحمراء، فلا بد أن تكون حمرة لونها تميل إلى الوردي بعيداً عن الرمادي أو البني، وشكلها متماسك وسطحها متساوٍ وغير رخوة ورائحتها طبيعية، كما تنظر في الثمار إن كان قوامها متماسكاً وخالياً من البقع أو البراعم، أو أي أثر لمبيدات ضارة، ناهيك بالرائحة الزكية.
وتشجع الطهاة علي التبضع بأنفسهم عوضاً عن الاعتماد على الموردين، موضحة وجهة نظرها: «كلٌ منا أدرى باحتياجاته وما يلزمه لتحضير وصفاته، والخبرة تسعفنا في اختيار البدائل الأفضل في حال عدم توفر المكونات المطلوبة، بخلاف مُورد لن يعرف مرادنا على أي حال، فيما الربح هدفه الأول على الأرجح».
وفي السياق نفسه، تشير إلى أنه إذا اضُطر الأمر للاعتماد على الموردين بسبب ضيق الوقت، فلا بد أن يتحلوا بالمصداقية على أن يتم إعطاؤهم المواصفات والشروط بدقة، ويا حبذا بزيارات دورية لأصحاب المزارع والمراعي؛ مع توخي الحذر من أدنى احتمال للتهاون بالسلامة الغذائية ربما يودي - لا قدّر الله - إلى حدوث حالات تسمم؛ والكلام لرولا.
وفي سؤالها عن مدى توفر المكونات بجودة عالية في قطاع غزة المحاصر؛ قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه على الرغم من الحصار المطبق على غزة فإنها وبفضل الله، تُعد غنية بالموارد الطبيعية مثل الأراضي الزراعية وخيرات البحر، «عندما نتعرض لنقصٍ في بعض المكونات نلجأ إلى بدائلٍ تفي بالغرض».
«ماذا إن لم تفِ بالغرض!»... أسألها فتجيب: «ثمة مكونات حيوية يتوفر منها فقط أنواع ليست موثوقة بما يكفي على صعيد الجودة أو قد لا تتوفر من الأساس في السوق المحلية، مثل كريمة الطبخ والحليب المحلي والمايونيز وبعض الصلصات والأجبان الكريمية وبعض التوابل، عندئذٍ لا مفر من تحضيرها في المنزل وبنتيجة مُرضية، ويصبح هذا الخيار مُلحاً في حال كانت الطلبيات بكميات كبيرة مع عدم إغفال أن أسعار بعض المكونات - إن توفرت - مرتفعة».


مقالات ذات صلة

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

مذاقات أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

غالباً ما يكون التركيز على المطاعم المنتشرة في مناطق في وسط لندن، مثل مايفير وفيتزروفيا ونايتسبريدج وكينزينغتون... وللأسف أحياناً تغيب عن بال الذوَّاقة...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات تتمتع ملاعق  السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها

أدوات مطبخك... متى تصبح غير صالحة للاستخدام؟

بعض الأدوات المطبخية لا تدوم؛ والاحتفاظ بها بعد فترة من استخدامها قد يؤثر على مذاق الطعام، أو الصحة. تعرف على أدوات المطبخ التي ربما تنسى استبدالها

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.

مذاقات «لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات «خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جوسلين إيليا (لندن)

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)
أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)
TT

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)
أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)

غالباً ما يكون التركيز على المطاعم المنتشرة في مناطق في وسط لندن، مثل مايفير وفيتزروفيا ونايتسبريدج وكينزينغتون... وللأسف أحياناً تغيب عن بال الذوَّاقة مناطق أخرى ليست ببعيدة عن وسط البلد مثل منطقة «إزلينغتون» الواقعة إلى شمال لندن، التي تنتشر فيها المطاعم والمقاهي العصرية والنابضة بالحياة.

وهذه المرة زيارتنا كانت استكشافية لأننا تعرفنا إلى جوهرة فرنسية مخفية، تقع عند شارع «سانت بولز»، نقول «مخفية» لأن اللافتة الخارجية كتب عليها اسم «Sawyer & Grey» ولكن فعليا فاسم المطعم هو «وي مدام» Oui Madame والسبب هو أن هذا الأخير يتخذ من مقهى «سوير إند غراي» مقراً له على الطريقة المعروفة بالـ«بوب أب» أو المطاعم التي تفتح أبوابها في أماكن محددة ولأوقات محدودة.

تشكيلة من أطباق "وي مدام" (الشرق الاوسط)

أول ما يشدك إلى المطعم عند دخولك إليه، ابتسامة العاملين فيه، فكان كونور المسؤول عن خدمة طاولتنا، فكان بشوشاً ولطيفاً جداً، يعرف الأطباق جيداً ويدرك كيف يعطي رأيه دون فرضه على الزبون، وهذه صفة لا تجدها في الكثير من العاملين في المطاعم في أيامنا هذه.

يتألف Oui Madame من طابقين، الطابق العلوي تتوزع طاولاته بطريقة تمنح الزبائن نوعاً من الخصوصية لأنها منفصلة عن بعضها البعض بواسطة حواجز خشبية، وتتدلى فوقها إنارة مغلفة بحاويات من القش، أرضية خشبية وسلم قديم يأخذك إلى الطابق السفلي الذي تتوزع فيه الطاولات بطريقة غير مألوفة أيضاً، وهنا تكمن المفاجأة، لأنك ستشعر وكأنك في كهف، خاصة وأن التحف والمقتنيات قديمة جداً وتتناسب مع نمط المكان، يطالعك مطبخ مفتوح صغير جداً، يمكن القول إنه قد يكون من أصغر المطابخ إن لم يكن الأصغر على الإطلاق، وعندما تتذوق الأطباق التي يقوم بتنفيذها الشيف الكندي جايكوب باكلي سوف تفاجأ لسببين، الأول: كيف يستطيع الشيف تحضير مثل نوعية هذه الأطباق في مطبخ بهذا الحجم، والسؤال الثاني: كيف يمكن تفضيل طبق على آخر؟

"وي مدام" عنوان الباحثين عن الاكل الجيد والخصوصية (الشرق الاوسط)

طرحنا هذا السؤال على الشيف جايكوب باكلي، الذي اختصر أطباقه بكلمة «شغف»، مشيراً إلى حبه لمهنته الذي يترجمه في أطباق يتفنن فيها، وأضاف بأنه يتطلع اليوم لابتكار أطباق جديدة يضيفها للائحته التي تنقسم إلى فئة الـ«سناك» والأطباق الصغيرة والأطباق الرئيسية والأطباق الجانبية. ويعتمد الشيف باكلي أسلوباً جميلاً في مزج المطبخ الفرنسي - المتوسطي مع إضافة بعض النكهات الآسيوية مثل الكيمشي مما يخلق رونقاً مميزاً للنكهات الفريدة بطريقة متناغمة جداً تضيف أفقاً جديداً للمذاق من دون تشويه هوية الطبق ونكهته.

جلسات بسيطة وخصوصية تامة (الشرق الاوسط)

بدأنا بطبق السناك الأولي «سايفوري شو» وهو عبارة عن حبات صغيرة من العجين المحشو بجبن كونتي الفرنسي، وبعدها جربنا «Galbi Lettuce Taco»، وهو عبارة عن قطعتين من الخس تزينه صلصة الكيمشي، ومن الأطباق الصغيرة اخترنا Grilled Scallops سلطعون بحري مشوي، ومن الأطباق الرئيسة اخترنا الطبق الأشهر والذي أوصانا الشيف باكلي بتجربته وهو Rack of Lamb لحم الضأن المشوي، ومذاقه بالفعل رائع، لأنه طري وفيه عصارة لذيذة جداً تجعله يذوب في الفم، وطلبنا أيضاً طبقاً نباتياً Grilled Aubergine باذنجان مشوي يقدم على طبقة من الحمص المهروس.

تارتار اللحم في "وي مدام" (الشرق الاوسط)

ولمحبي المأكولات البحرية أنصحهم بتناول Seafood Orzotto وهو أرز إيطالي مع ثمار البحر مثل بلح البحر والأخطبوط، وعندما سألنا الشيف عن سر مذاق ثمار البحر الطري أجاب بأن طريقة الطهي ومدتها تؤثر على طراوة الأسماك بشكل عام، لا سيما القواعع والأخطبوط.

لائحة الطعام ليست طويلة جداً، وهذا ما يجعلها خفيفة على النظر قبل أن تحكم عليها إن كانت خفيفة على المعدة، فهي تناسب جميع الذائقات لأنها تضم الأطباق النباتية واللحوم بشكل متوازن.

بروسكيتا السردين (الشرق الاوسط)

من الأطباق الأخرى المتوفرة على اللائحة فوكاتشيا الطماطم والشمر مع زبدة الريحان المخفوقة؛ وبروشكيتا السردين مع الطماطم المبشورة والأعشاب، وتارتار اللحم البقري مع غوتشوجانغ.

وبالنسبة للحلوى، فيقدم «وي مدام» الشوكولاته الكريمية Chocolat Cremeux مع صلصة الفراولة و«باشن فروت» بالإضافة إلى تارت الخوخ، وإن لم تكن من محبي السكريات فيمكنك الاستعاضة عنها بتشكيلة من الأجبان الفرنسية.

اللافت في المطعم هو أنه يقدم شيئاً نادراً في لندن اليوم، وهو تفضيل الحرفية على الاستعراض ومساحة المكان الشاسعة والديكورات البراقة، فهذا المطعم هو ببساطة مكان إذا زرته مرة فلا بد بأن تعود إليه مرة أخرى.

يشار إلى أن «وي مدام» يفتح أبوابه أمام الذواقة من الثلاثاء إلى السبت، من السادسة مساءً حتى الحادية عشرة ليلاً.


أدوات مطبخك... متى تصبح غير صالحة للاستخدام؟

تتمتع ملاعق  السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها
تتمتع ملاعق السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها
TT

أدوات مطبخك... متى تصبح غير صالحة للاستخدام؟

تتمتع ملاعق  السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها
تتمتع ملاعق السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها

بعض الأدوات المطبخية لا تدوم؛ والاحتفاظ بها بعد فترة من استخدامها قد يؤثر على مذاق الطعام، أو الصحة. تعرف على أدوات المطبخ التي ربما تنسى استبدالها، ومتى تنتهي صلاحيتها وفق الطهاة المحترفين.

يرى الشيف المصري أحمد الشناوي أن مراجعة أدوات المطبخ القديمة والمستهلكة أمر حتمي؛ وربما تكون بعض أكثر الأشياء التي ينبغي تغييرها في مطبخك هي تلك التي تستخدمها بكثرة؛ فأدوات المطبخ الأساسية، كالإسفنج، ومناشف الأطباق، وألواح التقطيع، قد تصبح بيئة خصبة للجراثيم، والبكتيريا، أو ربما تحول مطبخك إلى حالة من الفوضى إذا لم تجددها.

عندما تتلف سلال القلي تشكل خطرا على سلامة الغذاء

ويرى أنه «نظراً لأن هذه الأدوات غالباً ما تلامس طعامك، أو أطباقك، أو يديك؛ فإن التأخير في استبدالها قد يضر بصحتك، أو نكهة أطباقك مهما برعت في تحضيرها». من هنا يقترح الشناوي إضافة هذه الأشياء إلى قائمة التجديد في مطبخك:

أواني الطهي

أواني الطهي هي أساس كل مطبخ، ويعتمد عمرها الافتراضي بشكل كبير على المادة المصنوعة منها؛ فعمرها يختلف من مادة إلى أخرى. فبالنسبة للأواني غير اللاصقة تبقى عادةً من سنتين إلى 5 سنوات، لكن مع مرور الوقت، قد تتعرض الطبقة الخارجية للخدش، أو التقشر، أو تفقد خصائصها غير اللاصقة، ويبدأ الطعام بالالتصاق، أو يبدو السطح متآكلاً، هنا تعرف أنه حان وقت استبدالها.

أما أواني الطهي المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ فهي تتميز بمتانتها حيث تدوم لأكثر من 10 إلى 20 عاماً، مع العناية المناسبة، ونادراً ما تحتاج هذه الأواني إلى الاستبدال إلا إذا انحنت، أو ظهرت عليها خدوش عميقة، أو بدأ الطعام يلتصق بها بشدة.

وعند النظر إلى أواني التيتانيوم الاحترافية، فإنها من أكثر الخيارات متانة، وخفة وزن؛ مما يجعلها صديقة للبيئة، وموفرة للتكاليف؛ حيث تدوم غالباً لأكثر من 20 عاماً. على عكس الطلاءات المانعة للالتصاق التي تتآكل، فإن قوة التيتانيوم الطبيعية تجعله مقاوماً للخدوش، والتآكل، والتشوه.

متى ينبغي تغيير ألواح التقطيع

إذن هي استثمار حقيقي في مطبخك، لكن مع ذلك عليك باستبدالها في حالة إساءة الاستخدام، وتعرضها للتقشر، أو التشقق. وبالنسبة للأواني المصنوعة من السيراميك فهي تستمر من سنة إلى 3 سنوات، ورغم تسويقها على أنها صديقة للبيئة، وغير لاصقة، فإنها تتآكل أسرع من الفولاذ المقاوم للصدأ، أو الحديد الزهر، وبمجرد أن يتشقق الطلاء أو يبدأ الطعام بالالتصاق، فإنك تتأكد أنه قد جاء وقت استبدالها.

علب الطعام البلاستيكية

نكون بحاجة إلى استبدال علب الطعام البلاستيكية أكثر مما نعتقد؛ فهي عرضة للبقع، والتشوه، وتصبح عندما تتلف أقل قدرة على الحفاظ على نضارة الطعام، وأكثر تأثيراً على تغيير مذاقه. بل تحتفظ برائحته، وقد تتسرب منها مواد كيميائية مضرة، لذلك يجب استبدلها فوراً إذا كانت متشققة، أو متغيرة اللون، وبشكل عام فإن الحاويات البلاستيكية تدوم عادة من سنة إلى سنتين بحد أقصى.

ألواح التقطيع

تُعد ألواح التقطيع البالية، سواء كانت بلاستيكية، أو خشبية، سبباً رئيساً للعديد من حالات التسمم الغذائي؛ فهي تُخدش بسهولة، وتُصبح هذه الخدوش بيئة خصبة، حيث تحبس آثار السكين جزيئات الطعام، وتوفر الأخاديد بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا؛ مما يجعل تنظيفها بالكامل أمراً مستحيلاً. ويشكل ذلك خطراً على السلامة، خاصة عند استخدامها لتقطيع الدواجن النيئة، أو المأكولات البحرية. في المتوسط، يجب استبدال لوح التقطيع البلاستيكي مرة واحدة سنوياً. أما ألواح التقطيع الخشبية فهي أكثر متانة، وتستمر مدة أطول، ولكن بشكل عام يجب تغيير أي لوح تقطيع ملتوٍ، أو متصدع، أو كريه الرائحة.

مراجعة أدوات المطبخ القديمة والمستهلكة أمر حتمي

صواني الخبز

حتى أفضل صواني الخبز لها عمر افتراضي، خاصة مع الاستخدام المتكرر في الفرن؛ فالتعرض المتكرر للحرارة، وتراكم الدهون، والتنظيف الدقيق في نهاية اليوم، كلها عوامل تسرع من تلفها. ومن هنا ينصح عادة باستبدال صواني الخبز كل سنتين إلى 5 سنوات، مع الوضع في الاعتبار أن هناك أموراً يتوقف عليها الاستبدال، ومنها جودتها، وعدد مرات استخدامها، أو ظهور علامات عليها، مثل الانبعاجات، أو الشقوق؛ لأنها تؤثر على نضج الطعام بشكل متساوٍ. كذلك أي تغير في اللون، أو وجود بقع محروقة على الصينية يدلان على تلفها؛ مما قد يؤثر على نكهة الطعام.

ملاعق السيليكون

توفر أدوات المطبخ المصنوعة من السيليكون، أو المطاط الصناعي مزيجاً رائعاً من المزايا التي تُسهل مهام المطبخ اليومية؛ إذ يفضلها الكثيرون لأنها على عكس الأدوات المعدنية، لا تخدش أواني الطهي غير اللاصقة، أو المصنوعة من الحديد الزهر. كما أن السيليكون على عكس البلاستيك لا يمتص النكهات، أو الألوان، أو الروائح، وهو يتحمل درجات حرارة مرتفعة؛ مما يجعله مثالياً في تقليب الصلصات، والحساء المغلي.

لكن رغم أن ملاعق السيليكون أكثر متانة من نظيراتها البلاستيكية، وتتطلب صيانة أقل من أدوات المطبخ الخشبية، فإنها ليست دائمة. وكقاعدة عامة يُنصح باستبدال ملعقة السيليكون كل 3 أو 4 سنوات، وذلك حسب جودتها، وعدد مرات استخدامها. لكن في حالة إصابتها بأي تشققات، أو فقدان للصلابة قبل ذلك، فإنه يتعين عليك استبدالها فوراً، ولا تنتظر مرور هذه الفترة. ولإطالة عمر ملعقة مطبخك، اغسلها يدوياً بدلاً من غسالة الأطباق، حتى وإن كانت معلنة بأنها آمنة للاستخدام في غسالة الأطباق.

سلال القلي

متوسط تغييرها من عام إلى عام ونصف؛ إذ تتعرض سلال القلي أيضاً للتلف في المطبخ، ومن الخطر للغاية استخدام سلال قلي مهترئة؛ لذلك حين تتعرض سلال القلي للصدمات والارتطام فإن الشبكة السلكية تتفكك، أو تبدأ بالانفصال؛ مما يشكل خطراً على سلامة الغذاء؛ وهنا عليك تغييرها على الفور.

الإسفنج

يتسخ الإسفنج بسرعة بسبب كثرة استخدامه. نظف الإسفنج يومياً بوضعه في الميكروويف أو غسالة الأطباق للمساعدة في قتل الجراثيم، أو انقع إسفنجة المطبخ لمدة 5 دقائق ثم اشطفها جيداً بالماء الدافئ. وبالرغم من ذلك فإن غسل إسفنجة المطبخ هو حل مؤقت فقط؛ إذ ينبغي استبدال الإسفنج كل أسبوعين أو شهر على الأكثر بحسب استخدامك.


أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».