طهاة يُخصصون وقتاً لـ«الخُضرجي والسماك»

TT

طهاة يُخصصون وقتاً لـ«الخُضرجي والسماك»

في مزرعة ألبانٍ في مدينة صقلية، يُفصح كورادو اسينزا الذي اشتهر ببوظة الريكوتا والغرانيتا باللوز، عن إعجابه بفرانزو أفضل راعٍ ومنتج جبنة ريكوتا لديه، أثناء قيام الأخير بالحَلب اليدوي كل يوم لأكثر من 500 حيوان، وذلك على نحو جادٍ وصارم من الساعة الثانية والنصف صباحاً حتى منتصف الليل؛ لقد كان الطاهي الإيطالي محقاً عندما قال: «المكونات لا تكون جيدة إن لم يكن الشخص الذي ينتجها جيداً».
ومما قاله أيضاً في مقابلة تلفزيونية سابقة: «إن من واجبي أن أعدّ بوظة مثالية ما دام فرانزو يقدم لي ريكوتا رائعة، يؤسفني للغاية أن العامة لا تعرف شيئاً عن عمله، لذا عرّفت أصدقائي من طهاة المعجنات والبيتزا على منتجاته، وهم يشترون الآن من أجبانه».
اللطيف في الأمر أن الراعي ممتن لصنيع صاحب مقهى سيسليا الشهير، إلا أن الرجل أثبت وفاءه مجدداً برده عليه: «أنا من يجب أن أشكرك باستمرار».
قد يُظهر بعض الطهاة وجودهم في الميدان للوقوف على أدق التفاصيل التي تتصل بإنتاج المكونات المستخدمة في أطباقهم؛ ويحدث أحياناً ذلك من باب الدعاية ليس إلا، وفي المقابل هناك من يهتمون بالأمر حقاً وينسجون شبكة علاقات متينة مع الجنود المجهولين كما فعل كورادو؛ الذي أدرك باكراً أن التقصي حول المكونات ومصادرها المميزة كفيلٌ بتحضير أطباقٍ كلها حب.
- المُتابعة مسؤوليتنا
في فندق ماريوت العليا بمدينة الرياض، يُشهد لـ«الشيف التنفيذي» حرصه على استخدام مكونات بجودة عالية بعد أن يتفحصها ما أمكن بكل حواسه؛ فيقلبها ويلمسها ويشمّها ويتذوقها جيداً.
يقول الطاهي الأردني عمر العزة لـ«الشرق الأوسط»: «يهمني أن أنتقي مكونات عضوية زُرعت بشكل جيد؛ وعادةً ما أتعامل مع موردين يعتمدون على طرق إنتاج بتقنية حديثة، أما اللحوم فأحاول التحقق من مصادرها وطبيعة المزارع التي تربت فيها؛ وبطبيعة الحال لون اللحم مؤشر مهم للجودة، وبشكلٍ عام أفضّل التعامل مع مزارع وأصحاب مراعٍ بعينهم».
ويتسوق عمر غالباً بنفسه للحصول على أفضل المكونات لوصفاته وبسعر جيد ليوفر الوقت الذي سيشرح فيه للموردين بشأن ما يريده من مشتريات، يقول: «أستمتع بالتسوق لا سيما حين أتخيل المكونات التي أختارها بعناية بشكلها النهائي بعد طبخها، والفضول يحذوني لأعرف رأي الزبون بغنى الطبق المقدَم له».
وينصح كل من يعملون في مجال الطعام سواء كانوا طهاة أو هواة أو حتى ربات البيوت، بأن يكونوا جادين في تخصيص وقتٍ للبحث عن مكونات طازجة قدر الإمكان والتأكد من سلامتها وتفحص قيمتها الغذائية وفترة صلاحيتها.
ومن المثير للاهتمام أن الشيف عمر قبل اعتماده للموردين يذهب إلى الحقول والمراعي وكذلك المصانع للاطمئنان إلى أن عملية الإنتاج تسير على خير ما يرام، مردفاً بالقول: «شخصياً زرت عدة دول مثل ألمانيا وإسبانيا وتركيا والإمارات وغيرها، لأن متابعة حيثيات الجودة مسؤولية كبيرة».
سوسن أبو الجبين سيدة فلسطينية تعيش في مدينة الكويت، بعد تقاعدها أنشأت صفحة «بيت المطبخ» على موقع «إنستغرام»، وشرعت في تنظيم دورات لتعليم الطبخ؛ تمضي وقتاً جميلاً أثناء التجول بين الأرفف في مراكز التسوق، فيما تستمع بالمشي بين أزقة بعض الشوارع حين تشتمّ رائحة النعناع البلدي والكيوي الأسترالي والزعتر الفلسطيني، «لولا ذلك كيف سيُطلق العنان لمخيلتي لأنطلق بحماسٍ إلى مطبخي!».
وبمرح تغني «المرأة اليافاوية» لطبق الفول الأخضر باللبن مع قدحة الثوم والكزبرة «جميل جمال مالوش مثال»؛ فحنينها لا ينتهي إلى أكلات زمان؛ ولعل أمثال سوسن ليس من الصعب عليهم تأسيس قائمة بأفضل «الخضرجية» و«السمّاكين» بائعي الخضار والسمك - مثل صديقها الصياد محمد البنغالي الذي تبرق له التحية، فهؤلاء يمنحونها معاملة، خصوصاً في الأسعار ويعرفون طلبها.
تقول: «التسوق يساعدني في وضع خطة اليوم بشأن ما سأطهوه لعائلتي أو ضيوفي، عندما أرى خضاراً يُباع في موسمه، فإنه يُغريني بفكرة تحضير صنف بعينه، وفي الخضار على وجه الخصوص يهمني أن أعرف مصدره، وفي أي أرض أثمر لأن ثمة أطباقاً يفُضل أن نعدّها من خضار لبلاد محددة».
ولا تنفك عن نصح الفتيات اللاتي يشتركن في دروسها: «أطيب شي إنه تجيبي الخضرة طازة وما تطولي عليهم عشان يضل لونهم وطعمهم بشهي»، وتوصيهن بالعمل بالمثل الشعبي «أول الثمار بطوّل الأعمار»، كناية عن تناولها وطبخها في موسمها.
- النكهة البلدية
شوكولاته برائحة فلسطين؛ تمسّد أنامل ريم شهاب على كل قطعة منها التي لاقت شهرةً مؤخراً بعد أن استخدمت فيها الأعشاب الطبيعية، هذه الطاهية عاشقةٌ للروائح العطرة مثل الميرمية والريحان وإكليل الجبل والزعتر، وتلك أبرز المكونات في معزوفتها؛ إذ تهتم بأدق تفاصيل عملها وتتولى بنفسها مهمة اختيار الأعشاب العطرية من أماكن معينة وقبل شرائها تُمعن في السؤال عن إجراءات تخزينها.
تتحدث عن معاييرها في الاختيار، قائلةً: «نكهة العُشبة البلدية مميزة ورائحتها كذلك، وحتى أضمن ذلك على الدوام فإنني أتحرّى عن موسم قطافها وما شابه، وأتعاون مع أصدقاء في قريتي عقريا التي تتبع إلى مدينة نابلس، وبدورهم يشرفون على قطف الأعشاب العطرية الطازجة».
تحبس أنفاسها عندما تحاول وصف الطاهي؛ فعين ريم ترى بشكلٍ مختلف هذا الشخص الذي آواه مطبخٌ يضج بالأواني ومعدات الطعام؛ «إنه إنسان يقوده إحساسٌ مرهف وحواس خاصة، وعلى إيقاعها تتناغم الخضار والمكونات المنتقاة بين يديه، ليرسم في تلك الأثناء لوحة الطعام التي يرغب في رؤيتها بعد قليل؛ بالمختصر؛ انتقاء الأعشاب العطرية أو المنكهات والتلاعب بها بطريقة خارجة عن المألوف يُحددان مهارة الشيف وروحه».
أما عفاف صاحبة مدونة «مستكة» للمعجنات والحلويات، فالطعام في مجمله يجعل وقت الفتاة السعودية ممتعاً سواء في التحضير أو التسوق لأجل سفرة طعام مشرفّة.
المكونات التي تجلبها من المَزارع تُودع سرها في الوصفات فتهبها جمالاً؛ تِبعاً لقولها؛ وتحكي في هذا الصدد: «كان القمح العضوي السعودي يصل إليّ مباشرة من المزارعين، وحالياً اللحوم الحمراء والخضروات والتمور غالباً تصل إلي من المزارع مباشرة، ولله الحمد».
ومما يُحَسب لمدونة «مستكة» أن المكونات توثق مع بدائلها، بحيث تكون في متناول الجميع وبأعلى جودةٍ ممكنة، مع العلم أن الأجود ليس بالضرورة أن يكون غالياً أو مستورداً، المهم أن يراعي السلامة الغذائية؛ تقول عفاف.
وعلاوةً على الجودة وبحكم الخبرة صار بمقدورها اختيار الأنسب وفقاً للوصفة، تشرح بالقول: «كل نوع من أنواع الدقيق أختاره بحسب نسبة البروتين فيه المُبينة على كيس الطحين، ذلك أن أعلى من 11 في المائة مناسب للخبز وأقل من 10 في المائة مناسب للكيك، والأمر نفسه في اختيار الزبدة؛ علينا التدقيق في نسبة دهونها مع مراعاة التمييز بينها وبين المارجرين أو الزبدة النباتية».
- السلامة الغذائية
نسرين رحال؛ مصورة طعام من فلسطين، تكشّفت لها موهبتها في الطبخ بعد إقامتها في دولة الإمارات؛ ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن التغني بجمال الأطباق العربية بواسطة تصويرها.
تتريث نسرين أثناء تسوقها في اختيار الخضار واللحوم، ولا تتنازل عن أولوية الجودة العالية؛ وكلما وقعت عينها على الفواكه في أسواق الخضار انشرح قلبها ورددّ تعبير العامة «أشكال وألوان» لتنشط مخيلتها في التفكير بلمسات التزيين، ما يضفي رونقاً أخّاذاً على صورها.
وتوضح بالقول: «اللمعان في مظهر الخضار مهم للغاية؛ فكلما كانت طازجة وألوانها نضرة منحت الصورة بهاءً وفتحت الشهية وأعطت انطباعاً جيداً لعين المتلقي لتناديه إلى تجريب الطبق»، بحسب قولها.
وبمثالٍ بسيط تخبرنا نسرين: «لو أضفنا إلى كوب الشاي وريقات نعناع أخضره يانع سننتعش لأنه (بفِتح النفس)؛ والعكس صحيح إن وضعنا نعناعاً باهت اللون يوشك على الذبول، أرى أن مصور الطعام الذي يقع تنسيق الأطباق على عاتقه يتوجب أن يفطن لهذه المسألة ويكلف نفسه عناء البحث عن أفضل مكون».
بالانتقال إلى الغزّاوية التي اقتحمت عَالم الطهي حديثاً؛ رولا القيشاوي، وصاحبة كتاب «أكلات ووصفات» الذي يضم بين دفتيه جانباً من المطبخ التراثي، فإن الحصول على أطباق صحية وطعم مدهش لا يتأتى من دون انتقاء مكونات جودتها عالية؛ وفق تعبيرها.
ما استطاعت؛ تتذوق رولا مما تشتريه مثل البهارات لتقيس مدى جدّتها وجودة طعمها، فيما تتحقق من تاريخ الصلاحية وعلى وجه الخصوص في العروض الشرائية واللحوم المجمدة.
وثمة أمور تراعيها عند شراء اللحوم البيضاء والحمراء، فلا بد أن تكون حمرة لونها تميل إلى الوردي بعيداً عن الرمادي أو البني، وشكلها متماسك وسطحها متساوٍ وغير رخوة ورائحتها طبيعية، كما تنظر في الثمار إن كان قوامها متماسكاً وخالياً من البقع أو البراعم، أو أي أثر لمبيدات ضارة، ناهيك بالرائحة الزكية.
وتشجع الطهاة علي التبضع بأنفسهم عوضاً عن الاعتماد على الموردين، موضحة وجهة نظرها: «كلٌ منا أدرى باحتياجاته وما يلزمه لتحضير وصفاته، والخبرة تسعفنا في اختيار البدائل الأفضل في حال عدم توفر المكونات المطلوبة، بخلاف مُورد لن يعرف مرادنا على أي حال، فيما الربح هدفه الأول على الأرجح».
وفي السياق نفسه، تشير إلى أنه إذا اضُطر الأمر للاعتماد على الموردين بسبب ضيق الوقت، فلا بد أن يتحلوا بالمصداقية على أن يتم إعطاؤهم المواصفات والشروط بدقة، ويا حبذا بزيارات دورية لأصحاب المزارع والمراعي؛ مع توخي الحذر من أدنى احتمال للتهاون بالسلامة الغذائية ربما يودي - لا قدّر الله - إلى حدوث حالات تسمم؛ والكلام لرولا.
وفي سؤالها عن مدى توفر المكونات بجودة عالية في قطاع غزة المحاصر؛ قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه على الرغم من الحصار المطبق على غزة فإنها وبفضل الله، تُعد غنية بالموارد الطبيعية مثل الأراضي الزراعية وخيرات البحر، «عندما نتعرض لنقصٍ في بعض المكونات نلجأ إلى بدائلٍ تفي بالغرض».
«ماذا إن لم تفِ بالغرض!»... أسألها فتجيب: «ثمة مكونات حيوية يتوفر منها فقط أنواع ليست موثوقة بما يكفي على صعيد الجودة أو قد لا تتوفر من الأساس في السوق المحلية، مثل كريمة الطبخ والحليب المحلي والمايونيز وبعض الصلصات والأجبان الكريمية وبعض التوابل، عندئذٍ لا مفر من تحضيرها في المنزل وبنتيجة مُرضية، ويصبح هذا الخيار مُلحاً في حال كانت الطلبيات بكميات كبيرة مع عدم إغفال أن أسعار بعض المكونات - إن توفرت - مرتفعة».


مقالات ذات صلة

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

مذاقات المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي.

كيلا هوانغ (نيويورك)
مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.