سهى عرفات ترفض اتهام إسرائيل بقتل أبو عمار «من دون دليل»

قالت إن الانتفاضة الثانية كانت «خطأ كبيراً»... وتصريحاتها أثارت غضب الفلسطينيين

سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)
سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)
TT

سهى عرفات ترفض اتهام إسرائيل بقتل أبو عمار «من دون دليل»

سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)
سهى عرفات مع أبو عمار (غيتي)

في أعقاب الغضب الفلسطيني الواسع واتهامها بتبرئة إسرائيل من اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وانتقادها الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نشرت أرملته سهى عرفات توضيحاً قالت فيه إن ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، أول من أمس الجمعة، على لسانها أخرج من سياقه.
وقالت أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل، سهى عرفات، في منشور عبر صفحتها على موقع «إنستغرام»: «أريد أن أوضح شيئاً مهماً للصادقين من أبناء شعبنا. أنا عملت مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي في فيلم وثائقي عن أبو عمار وسيعرض بعد أسبوع، وكل ما تناقلته الصحافة هو خارج عن سياقه الأصلي. إن قضية وفاة ياسر عرفات لا تزال عند القضاء، ولا أستطيع اتهام أحد بقتله، حتى إسرائيل، لأنني لا أملك دليلاً. أنا لا أريد أن تلصق التهم في معارك سياسية كيدية فلسطينية داخلية من دون دليل قاطع». وأضافت سهى عرفات أنها قالت في المقابلة إن «اتهامنا بالإرهاب الذي تتحدثون عنه هو الذي أوصل صوتنا إلى العالم»، مشيرة إلى أنها «أعربت عن رأيها بمعارضتها للانتفاضة، لأن الحرب لم تكن متساوية». وختمت أرملة الزعيم الفلسطيني الراحل، مؤكدة أنها لن تخاف من إبداء رأيها حتى وإن تم تحريفه، معتبرة أن «الحقيقة ستسطع دائماً».
وكان يارون نيسكي، وهو منتج تلفزيوني إسرائيلي وكاتب سيناريو، قد أعد مسلسلاً وثائقياً سوية مع المخرج داني ليبر، بعنوان «الأعداء»، يروي قصة حياة ستة قادة عرب بارزين والعمليات المختلفة التي قامت بها إسرائيل لإفشال خططهم. وسيتم بث المسلسل في الثاني عشر من الشهر الحالي. وقد كشف المنتج مقتطفات من المقابلة التي أجراها مع سهى عرفات، وسيتم بثها في الحلقة الثانية من المسلسل يوم 19 الحالي، والمخصصة لشخصية ياسر عرفات. وفي إطار الترويج لهذا المسلسل، نشر نيسكي ورونين طال، الصحافي في «يديعوت أحرونوت»، مقابلة مطولة مع سهى عرفات نشرت في الصحيفة وفي موقعها الإلكتروني ««ynet، أول من أمس. وتضمنت المقابلة تصريحات مثيرة، أغضبت الكثير من الفلسطينيين.
وجاء في مقدمة المقابلة: «في سبتمبر (أيلول) الماضي، بينما واجه العالم كله الموجة الثانية من كورونا، أوضحت سهى عرفات أنها لا تنوي ترك جثمان زوجها الراحل يرقد بسلام في قبره القائم في البناء الفخم في رام الله. وأعلنت أنه عقب طلبها هي وابنتها، قررت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان استئناف التحقيق في ملابسات وفاة الرئيس. بعد 16 عاماً من وفاته، لا تزال مقتنعة أنه تم تسميم عرفات بمادة البولونيوم 210. المادة المشعة التي عرضها الروس على العالم في عام 2007. باغتيال العميل ألكسندر ليتفينينكو في لندن، وسهى مصممة على تصحيح هذا الفصل في كتب التاريخ. تقول الآن: «ياسر عرفات تعرض للتسميم بالتأكيد، لكن ليس من قبل إسرائيل وإنما من قبل أحد الفلسطينيين. اعتقد الجميع أن إسرائيل مذنبة، لكنني لم أتهمها. لطالما قلت إنه من السهل جداً أن نقول إسرائيل، لكنني لا أعتقد أن الإسرائيليين قتلوا عرفات لأننا جيرانهم ولو كانوا مذنبين لكنا سننتقم منهم على ذلك طوال قرون. الجميع اتهموها، وأنا فكرت «ما هو الدليل الذي تملكونه على أن إسرائيل مسؤولة؟».
وتتابع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية: «كانت وفاة عرفات، ولا تزال، فصلاً غامضاً، أنتج عدداً لا يحصى من النظريات والتفسيرات - من التسميم إلى العدوى إلى الإيدز. في أكتوبر (تشرين الأول) 2004. تدهورت الحالة الصحية لعرفات، وسمحت له إسرائيل - التي فرضت حصاراً على مجمع السلطة الفلسطينية في المقاطعة - بالسفر إلى باريس لتلقي العلاج. في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) توفي. تقول سهى: «ظللت أشك طوال الوقت بحدوث خطأ ما. لقد شارك 50 طبيباً في علاجه في المستشفى في باريس، وأجروا جميع الفحوصات الممكنة - فحصوا جميع أنواع الأمراض الأفريقية والسموم المحلية الصنع - ولم يجدوا شيئاً. وقالوا، لا نعرف كيف مات». لغز وفاة عرفات الغامضة عاد إلى الظهور في عام 2012، بمبادرة من صحافي من قناة الجزيرة، الذي سعى إلى إجراء تحقيق مستقل. تقول سهى: «سألني عن متعلقات عرفات الشخصية. أعطيته حقيبته وثيابه وملابسه الداخلية وبيجامته. توجهت الجزيرة إلى المركز الجامعي في لوزان بسويسرا، ووجدوا في ملابسه الداخلية وعلى فرشاة أسنانه بقايا من مادة البولونيوم 210. طلبت فتح القبر وإخراج جثة ياسر، وأبو مازن (الرئيس الفلسطيني، محمود عباس)، كان ملزماً بالموافقة. وتم إجراء ثلاثة تحقيقات منفصلة - من قبل فرق من روسيا وفرنسا وسويسرا - واكتشف الفريق السويسري أن جثة عرفات كانت مليئة بالبولونيوم، لا أعرف متى سمموه بهذه المادة، وكيف وصلت إليه، لكن من الواضح لي مائة في المائة أن البولونيوم قتله».
وسألها الصحافيان الإسرائيليان: «يعتقد الكثيرون أنه حتى لو كان عرفات ينوي حقاً التفاوض على السلام مع إسرائيل، فإنه لم يستطع الانفصال عن ماضيه كزعيم لمنظمة إرهابية». فأجابت: «الانتفاضة الثانية كانت خطأه الكبير. لا أعرف من أقنعه بالقيام بالانتفاضة وهو في منتصف عملية السلام. كان عليه الانتظار حتى يتم إيجاد حل سلمي، لأننا لسنا معادلين لإسرائيل. قلت له إنه يجب أن يوقف هجمات (حماس) لأنها ستؤدي في النهاية إلى حرب أهلية. شرحت أنه بعد 11 سبتمبر (2001) لا أحد يريد أن يرى المزيد من الانفجارات، الناس لا يريدون رؤية دماء. عندما أخبرته برأيي غضب. تحدثت إليه عبر الهاتف من باريس وقال لي (عليك أن تتوقفي). وأنا قلت حماس أم غير حماس، أنت ملتزم بعملية السلام وعليك وقف ذلك. لم يشأ أحد رؤية هجمات إرهابية في نوادي تل أبيب أو القدس. لكنه اعتقد أنه سيتمكن من تحصيل ثمن بفضل الانتفاضة، لكن الثمن الوحيد الذي دفعه هو حياته. كان عرفات رجلاً مناضلاً طوال حياته. كان يعتقد أن العالم كله سيسمعه خلال الانتفاضة الثانية».
وسألناها: «في الانتفاضة الثانية، وقف عرفات مرة أخرى في مبارزة مع أرييل شارون، كما في لبنان؟»، فأجابت: «أعتقد أن الأنا لدى شارون وعرفات جعلتهما يقاتلان بعضهما بعضاً. شارون كان لديه الجيش الأكثر تطوراً في العالم، وعرفات أراد أن يظهر له أن لديه القدرة على محاربته من خلال الإرهاب. هذا لم ينجح في لبنان فوجدا نفسيهما في ساحة المعركة في رام الله ولم يستطع عرفات السيطرة عليها في تلك اللحظة بالذات. تلعب الأنا دائماً دوراً في السياسة. ولم يتمكنا من السيطرة على الأنا». وأكدت أن عرفات كان رجلاً طيب القلب ونصيراً حقيقياً للسلام، على عكس ما تظهره إسرائيل.
وقالت سهى عرفات أيضاً: «أعلم أنه كان هناك الكثير من النساء حول ياسر عرفات. لكنه أرادني أنا أن أحبه. يقولون، (ذهبت إليه بسبب المال). هذا هراء. لقد خاطرت بحياتي خلال سنواتنا معاً. ماذا يكون هذا إن لم يكن حباً؟ عشنا في المخابئ، كان منزلنا في غزة فظيعاً، مع فئران في كل مكان، من دون صرف صحي، كنت أنام وأنا أسمع أصواتها، فكان يقول لي، (نامي، هذا مجرد فأر). ونمت». وأضافت: «كنت أشعر بالمرارة. بسبب النميمة، والكلام، والغيرة. لم يكن هناك حد لذلك. لم أكن معتادة على ذلك. نشأت في بيت خلوق، التحقت بمدرسة كاثوليكية. الناس من حوله كانوا من مستويات متدنية للغاية، ولا يزالون كذلك، لا يحترمون النساء، ولا يسمحون لهن بالحديث. قال لي إن بعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية كانوا مستاءين للغاية عندما تزوجني. أراد الفلسطينيون واحدة أخرى تصمت ولا تثير جلبة، وينادونها يا أم فلان. أنا لم أكن كذلك».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.