ليفاندوفسكي... من الرجل «البارد» إلى أفضل لاعب في العالم

ليفاندوفسكي... من الرجل «البارد» إلى أفضل لاعب في العالم

المهاجم البولندي لم يتوقف عن تسجيل الأهداف سواء مع دورتموند أو بايرن ميونيخ... وأخيراً حصل على التقدير الذي يستحقه
السبت - 19 جمادى الأولى 1442 هـ - 02 يناير 2021 مـ رقم العدد [ 15376]

يوجد على موقع «يوتيوب» مقطع فيديو بعنوان «روبرت ليفاندوفسكي - جميع أهدافه الـ250 في الدوري الألماني الممتاز»، وقد تم إعداده بشكل رائع من قبل الحساب الرسمي للدوري الألماني الممتاز للاحتفال بوصول مهاجم بايرن ميونيخ إلى هذا الإنجاز.

لكن المشكلة الصغيرة الوحيدة في هذا الأمر كانت تتمثل في أنه حتى يوم ظهور هذا الفيديو في الثامن عشر من ديسمبر (كانون الأول)، كان قد أصبح قديماً ولا يواكب التطورات المستمرة التي تحدث، حيث كان المهاجم البولندي قد أحرز هدفين آخرين في مرمى فولفسبورغ في السادس عشر من الشهر نفسه؛ وهو ما يعني أنه رفع رصيده من الأهداف إلى 251 هدفاً في 332 مباراة في الدوري الألماني الممتاز. ومع ذلك، وجد معد مقطع الفيديو حلاً لهذه المشكلة بأن أضاف جملة تقول «لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد...»، كما أضاف الهدف رقم 251 بعد ذلك.

وبعد يوم واحد من ظهور هذا الفيديو، سجل ليفاندوفسكي هدفين آخرين – في مرمى باير ليفركوزن لكي يضمن بقاء بايرن ميونيخ على قمة جدول ترتيب الدوري الألماني الممتاز قبل توقف المسابقة لقضاء العطلة الشتوية – لكن هذه المرة لم يتم تحديث الفيديو مرة أخرى. ما الهدف من هذه القصة؟ إنني أريد أن أقول إن هذا اللاعب الفذ لا يتوقف عن إحراز الأهداف بالشكل الذي يجعل من شبه المستحيل مواكبة ما يقوم به.

وتعود الأهداف الأولى في هذا الفيديو إلى أكثر من عقد من الزمان، عندما انضم لتوه إلى بوروسيا دورتموند قادماً من نادي ليخ بوزنان البولندي مقابل 340 ألف جنيه إسترليني. وكان ليفاندوفسكي يبدو أكثر هشاشة وأقل قوة بدنية، لكنه كان يحرز الأهداف بالروعة نفسها. وكان الهدف الأول من ضربة رأس قوية من ارتفاع شاهق ضد الغريم التقليدي لبايرن ميونيخ، نادي شالكه. أما الهدف الثاني فأحرزه من تسديدة جميلة من فوق حارس مرمى كايزرسلاوترن، توبياس سيبل، والهدف الثالث من تسديدة على الطائر بعدما قابل كرة مرتدة بقوة قبل أن تنزل على الأرض.

ورغم أنه كان لا يزال في الثانية والعشرين من عمره، لكنه كان يبدو مهاجماً متكاملاً. لكن هذا لا يمنع أن مستواه تطور بشكل مذهل مع مرور الوقت. ولحسن الحظ، كان المدير الفني الألماني يورغن كلوب هو الذي يتولى تدريبه في بوروسيا دورتموند، وبالتالي كان يدفعه دائماً للتحسن والتطور وتقديم الأفضل داخل المستطيل الأخضر، من لحظة وصوله في عام 2010 وحتى رحيله إلى بايرن ميونيخ بعد أربع سنوات.

ومن بين الأشياء الأولى التي علق عليها كلوب كانت لغة جسد ليفاندوفسكي، حيث كان اللاعب البولندي غامضاً ولا يمكن لأحد أن يعرف حالته المزاجية من ملامح وجهه. هل كان يركز؟ هل كان غاضباً؟ ولم يكن كلوب ولا زملاؤه في الفريق يعرفون ما الذي يفكر فيه أو ما الذي يشعر به، لكنهم بعد ذلك تأقلموا على طباعه في التدريبات.

وكما قال ليفاندوفسكي لصحيفة «الغارديان» في مقابلة صحافية في فبراير (شباط) الماضي «أقوم بالتصويب كثيراً في التدريبات، وفي بعض الأحيان يمكنك أن تقول إن هذا غير مهم لأنه يحدث في التدريبات. لكن الأمر ليس كذلك بالطبع؛ لأنك إذا تدربت بكل تركيز فإن ذلك سيسهل عليك الأمور كثيراً في المباريات. وإذا أتيحت لك 20 فرصة في التدريبات وسجلت منها 20 هدفاً، فستزداد فرصك في التسجيل بالطبع خلال المباريات».

ويضيف «في بوروسيا دورتموند عقدت رهاناً مع يورغن كلوب بأنني لو سجلت عشرة أهداف فسوف يعطيني 50 يورو. وفي الحصص التدريبية الأولى، أحرزت ثلاثة أو أربعة أهداف، ثم زاد عدد الأهداف بعد ذلك إلى خمسة ثم إلى ستة ثم إلى سبعة ثم إلى ثمانية أهداف. ثم بعد ثلاثة أشهر، أصبحت أسجل أكثر من عشرة أهداف في كل حصة تدريبية. وبعد بضعة أسابيع قال لي يورغن: لن أدفع أموالاً أخرى، فالأمر أصبح مكلفاً جداً بالنسبة لي».

وانتقل ليفاندوفسكي إلى بايرن ميونيخ في صفقة انتقال حر في عام 2014، في خطوة أشعلت غضب جماهير بوروسيا دورتموند، لكن كان لديهم بعض الوقت للتعود على ذلك لأنه كان قد أعلن عن خططه في وقت مبكر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013. وفي بايرن ميونيخ، لعب ليفاندوفسكي تحت قيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، الذي ساعده على التطور كثيراً من الناحية التكتيكية والخططية، ليصبح بعد ذلك مهاجماً متكاملاً.

وفي بعض الأوقات، بدا الأمر وكأن المهاجم البولندي قريب من الرحيل عن العملاق البافاري إلى ريال مدريد، لكنه لم يرحل في نهاية المطاف. ومع ذلك، لم تكن الطريق مفروشة بالورد أمام ليفاندوفسكي، حيث عانى هو وبقية لاعبي الفريق تحت قيادة كارلو أنشيلوتي وروبرت كوفاتش، لكن الأمور تغيرت تماماً مع تولي هانزي فليك مقاليد الأمور.

وفي أغسطس (آب) الماضي، فاز ليفاندوفسكي أخيراً بلقب دوري أبطال أوروبا، بعد سبع سنوات من خسارة المباراة النهائية للبطولة الأقوى في القارة العجوز مع كلوب وبوروسيا دورتموند أمام بايرن ميونيخ. وقد وصل المهاجم البولندي لقمة عطائه الكروي في الوقت الحالي، وفاز خلال الأسبوع الماضي بجائزة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لأفضل لاعب في العالم. وخلال الأسبوع الحالي، احتل المركز الأول في قائمة صحيفة «الغارديان» لأفضل 100 لاعب كرة قدم في العالم، بفارق كبير عن أقرب منافسيه. ومن بين الـ241 عضواً الذين شاركوا في اختيار القائمة، اختاره 201 في المركز الأول، وتفوق على النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي بـ1405 نقطة.

وعلى الرغم من الأهداف التي أحرزها والبطولات التي حصل عليها، لم يحصل ليفاندوفسكي على التقدير الذي يستحقه طوال مسيرته الكروية، خاصة بالمقارنة بلاعب مثل ميسي. ربما يعود جزء من السبب في ذلك إلى أن ميسي يقدم أداءً ممتعاً وساحراً يلهب حماس المتابعين، لكن ليفاندوفسكي ربما يكون أكثر فاعلية.

لكن الثلاثية التاريخية (دوري وكأس ألمانيا ودوري أبطال أوروبا) التي أحرزها مع بايرن ميونيخ وأهدافه الغزيرة وإنجازاته الواضحة كانت كافية للغاية لينال اللاعب التكريم الذي ربما استحقه سابقاً، لكنه نجح في فرضه بقوة في 2020.

وبعد أسابيع من تتويجه بجائزة أفضل لاعب في أوروبا خلال الموسم الماضي باستفتاء الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، لم تكن مفاجأة أن يحصد ليفاندوفسكي، أو كما يطلق عليه حالياً (ليفانجولسكي) نسبة إلى غزارة أهدافه، أن يحرز النجم البولندي الجائزة الشخصية الأبرز في العالم وهي جائزة أفضل لاعب في العالم في استفتاء الاتحاد الدولي للعبة (فيفا).

وربما ساد اعتقاد كبير في السنوات الماضية بأنه من دون إنجاز هائل، فإن أي لاعب لا يمكنه منافسة الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو على هذه الجائزة المقدمة من «فيفا».

وبالفعل، كان الوحيد الذي كسر هيمنة ميسي ورونالدو على جائزة «فيفا» منذ 2008 وحتى العام الماضي هو الكرواتي لوكا مودريتش نجم ريال مدريد الإسباني في ظل تزامن إنجازاته مع بايرن في موسم 2017 - 2018 مع قدرته على قيادة منتخب بلاده إلى المباراة النهائية لكأس العالم 2018 بروسيا فلم يكن من الصعب تتويجه بالجائزة في 2018.

وفي 2020، وعلى الرغم من حالة الارتباك التي أثرت سلبياً على الروزنامة الرياضية، وخاصة على مستوى المباريات الدولية، حيث تأجلت البطولات الكبيرة مثل كأس الأمم الأوروبية (يورو 2020) كما تأجلت تصفيات كأس العالم في كل أنحاء العالم، استمد ليفاندوفسكي قوته في المنافسة على الجائزة من مسيرة بايرن الرائعة محلياً وأوروبياً.

ومع ذلك، هناك أيضاً شعور بأن ليفاندوفسكي هو مجرد فرد في لعبة جماعية. وكما أشار كريستوف بيرمان في مقال في عام 2019 بعنوان «البطل البارد»، لم تكن هناك ضجة من قبل جماهير بوروسيا دورتموند عندما رحل إلى بايرن ميونيخ، ولا حداد أو حزن (على عكس ما حدث عندما وقع ماريو غوتزه أو ماتس هوملس للفريق نفسه). وعندما كان هناك حديث عن رحيل ليفاندوفسكي عن بايرن ميونيخ إلى ريال مدريد، لم يكن هناك احتجاج من جماهير النادي البافاري.

لكن مستوى ليفاندوفسكي تطور بشكل مذهل وأصبح لاعباً جماعياً بشكل أكبر، وأكد فليك على أن ليفاندوفسكي هو أفضل رأس حربة في العالم «ليس فقط بسبب أهدافه، ولكن بسبب الطريقة التي يلعب بها كقائد للفريق». كما تحدث توماس مولر مؤخراً عن الكيفية التي تغير بها ليفاندوفسكي خلال المواسم القليلة الماضية، قائلاً «لقد كان يريد دائماً أن يسجل الأهداف، لكنه الآن يريد تسجيل الأهداف من أجل الفوز بالمباريات مع الفريق. وفي الحقيقة، لا يمكننا أن نثني عليه بالقدر الذي يستحقه لاتخاذه مثل هذه الخطوة». وابتسم مولر قائلاً وهو يمزح «لقد ذهب إلى ما هو أكثر من ذلك ووصل به الأمر إلى أنه أصبح يستمتع بصناعة الأهداف».

وفي الحقيقة، لم تكن صناعة الأهداف نقطة قوة في أي وقت من الأوقات بالنسبة لليفاندوفسكي؛ لأنه لا يوجد شيء بالنسبة له يضاهي إحراز الأهداف بنفسه. لقد أصبح المهاجم البولندي، بفضل تفانيه في العمل وتطوره المستمر، أفضل لاعب في العالم. صحيح أن الأمر قد استغرق بعض الوقت، لكنه وصل أخيرا إلى القمة.


المانيا فيفا كرة القدم الأوربية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة