أفريقيا تستقبل 2021 بمخاوف من حروب أهلية وتمدد للإرهاب

بعد 12 شهراً من الصراعات الإقليمية والداخلية

أفريقيا تستقبل 2021 بمخاوف من حروب أهلية وتمدد للإرهاب
TT

أفريقيا تستقبل 2021 بمخاوف من حروب أهلية وتمدد للإرهاب

أفريقيا تستقبل 2021 بمخاوف من حروب أهلية وتمدد للإرهاب

تدخل قارة أفريقيا عام 2021 محمَّلة بأوجاع العام الماضي، الذي بدد أحلامها بالوصول إلى قارة آمنة خالية من النزاعات المسلحة، إذ لم تنجح جهود القارة السمراء في تحقيق أهم أهداف رؤيتها الاستراتيجية 2063، ألا وهو «إسكات البنادق بحلول عام 2020»، لتقرر القمة الاستثنائية الرابعة عشرة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقية، التي عُقدت أخيراً في جوهانسبورغ (جنوب أفريقيا)، تمديد مبادرة «إسكات البنادق» عشر سنوات أخرى.
وهكذا، تبدأ القارة السمراء عاماً جديداً من الأزمات السياسية والأمنية، يعرقل أحلامها في التنمية والأمن، وسط توقعات بتمدد الجماعات الإرهابية، وزيادة نشاطها، بعد 12 شهراً كانت فيها أفريقيا مسرحاً لجماعات وعمليات إرهابية وصفها المراقبون بأنها «الأكثر دموية في العالم»، إذ «استغلت الجماعات الإرهابية حالة النشاط السياسي في عدة دول، والمساعي لعقد انتخابات وتغيير حكومات في زيادة وجودها، وحشد المزيد من الأنصار في القارة السمراء»، بحسب مراقبين يتوقعون «استمرار هذا النشاط في العام الجديد». وفي الوقت نفسه، تواصل أفريقيا في مواجهة جائحة «كوفيد - 19»، التي أضافت مزيداً من الأعباء الاقتصادية والصحية على القارة التي عانت دولها لعقود من الفقر، ما جعل بنيتها التحتية عاجزة عن مواجهة الجائحة، وإن لم يظهر ذلك في الأرقام المعلنة عن عدد الوفيات والإصابات بالفيروس في أفريقيا.
ما كانت جائحة «كوفيد - 19» سوى رقم جديد في قائمة الأوبئة التي شهدتها قارة أفريقيا، مثل الملاريا والإيبولا وغيرهما. وربما يكون هذا هو السبب في «كون القارة أفضل حالاً بالنسبة لأعداد المصابين وضحايا الفيروس، فقد «اعتادت أفريقيا التعامل مع الأوبئة»، بحسب تصريحات الدكتور أيمن شبانة، مدير مركز البحوث الأفريقية، بجامعة القاهرة لـ«الشرق الأوسط».
حالياً يقترب عدد المصابين بفيروس «كوفيد - 19» في أفريقيا من مليوني حالة، وفقاً لتقديرات «منظمة الصحة العالمية»، بينما يرى خبراء ومراقبون أن الرقم أعلى من ذلك بكثير في القارة التي تضم أكثر من مليار نسمة. وفي سياق متصل، تشهد مناطق «أفريقيا جنوب الصحراء» أول حالة ركود اقتصادي منذ 25 سنة، بسبب تداعيات الجائحة، وفقاً للبنك الدولي الذي يتوقع أن «يتراجع معدل النمو الاقتصادي في أفريقيا جنوب الصحراء، بنسبة 3.3 في المائة عام 2020. وهو ما سيكبد القارة خسائر تقدر بـ115 مليار دولار أميركي، ويدفع نحو 40 مليون شخص إلى الفقر المدقع، والتأثير على تعليم 253 مليون طالب، بسبب إغلاق المدارس.
- انتخابات جديدة
في هذه الأثناء، من المنتظر أن تشهد أفريقيا نحو تسعة انتخابات رئاسية خلال عام 2021، وفقاً لتقرير «مجلس الأمن والسلم» الصادر عن «معهد الدراسات الأمنية الأفريقي»، وذلك بعد عام 2020 الذي وُصف بأنه عام الانتخابات حيث شهدت عدة دول أفريقية انتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية تزامنت مع احتجاجات شعبية على المرشحين. ولقد استطاع عثمان غزال الفوز بولاية رابعة في انتخابات الرئاسة التي أجريت في مارس (آذار) الماضي في جزر القمر، وعاد الرئيس بول بيا إلى السلطة في الكاميرون، كما فاز ألفا كوندي بولاية ثالثة في غينيا، والحسن وتارا بولاية رئاسية ثالثة في كوت ديفوار، وروش كابوري بولاية رئاسية ثانية في بوركينا فاسو، وتصدر الرئيس الغاني الحالي نانا أكوفو أدو، السباق الرئاسي، ليفوز بولاية ثانية، إضافة إلى انتخابات في كل من دولة بنين وبوروندي.
ورغم قوة الاحتجاجات الشعبية على المرشحين، فإن نتائج الانتخابات لم تعكسها. ثم إن بعض الدول استغلت جائحة «كوفيد - 19» لفرض مزيد من السيطرة، فغدت العمليات الانتخابية من أبرز ضحايا الجائحة في أفريقيا (وفقاً لدراسة نشرها الدكتور حمدي عبد الرحمن، في موقع «قراءات أفريقية»). ومما كتبه: «استغلت بعض الدول ظروف الحجر والإغلاق الصحي لتحقيق مآرب سياسية، كان من بينها تأجيل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للانتخابات، وهو ما أدى فيما بعد للنزاع الدائر في إقليم التيغراي، الذي يؤكد أن «قرارات التأجيل أو التدخل في الإجراءات الخاصة بتسجيل الناخبين والاقتراع العام استجابة لتداعيات الجائحة سيكون لها تأثير كبير على مصداقية الانتخابات، وبناء الثقة السياسية، والالتزام بحدود الفترة الزمنية للرؤساء وأعضاء البرلمان في جميع أنحاء القارة، ومع تسييس الانتخابات من جانب الحكومات، ستستمر جماعات المعارضة في استخدام نظريات المؤامرة لانتقاد استجابة الحكومات...».
- التيغراي ومخاوف الحرب الأهلية
إلى جانب الإرهاب، وما يسببه من ضحايا وخلل واضطراب أمني، ترث أفريقيا في العام الجديد عدداً من النزاعات الداخلية المسلحة المزمنة، وكان العام الماضي قد شهد تجدداً لبعض النزاعات، ومحاولات حل أخرى، وظهور نزاعات أخرى على السطح كان أبرزها الصراع في إقليم التيغراي الإثيوبي، بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والمتمردين في إقليم التيغراي برئاسة ديبرصيون جبريميكئيل.
وخقاً، الصراع في التيغراي، الذي يهدد استقرار إثيوبيا ومستقبل تعايش جماعاتها الإثنية امتداد لإرث الصراع التاريخي بين القوميات الإثيوبية، في سعيها للسيطرة على السلطة، إذ تتكون إثيوبيا من 85 جماعة إثنية مختلفة أكبرها الأورومو بنسبة 40 في المائة، وأطولها تحكماً في السلطة الأمهرا الذين يشكلون نسبة 25 في المائة من السكان. وعلى مدار عقود من 1991 وحتى عام 2018 تمتع التيغراي بمزايا كبيرة وسيطروا على مناصب مهمة في السلطة، رغم أنهم يشكلون 6 في المائة فقط من الشعب، وذلك بعد نجاح تحالف من الحركات المسلحة ضم جبهة تحرير التيغراي، في إسقاط حكومة منغستو هيلا ميريام، إلا أن الأمر اختلف في أبريل (نيسان) 2018، عندما تولى السلطة آبي أحمد، الذي ينتمي لقومية الأورومو. وكما هو معروف، استمر الصراع في التيغراي أكثر من ثلاثة أسابيع، حتى أعلن آبي أحمد السيطرة على الإقليم، ووضع قادته على قائمة المطلوبين للعدالة.
مستقبلاً، يهدد هذا الصراع الاستقرار في المنطقة، ويدخلها في عدة «سيناريوهات» محتملة للحل، من بينها التسوية التفاوضية والحرب الأهلية، لكن الدكتور شبانة يميل إلى احتمال تغليب «سيناريو» التفاوض من جانب المجتمع الدولي الذي لن «يتحمل تبعات تفجر الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي التي تشرف على طريق البحر الأحمر الملاحي». ومن جانب ثانٍ، يتوقع الدكتور عبد الرحمن أن يعيد الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن تنشيط العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وأفريقيا، بعدما تراجعت أفريقيا في قائمة أولويات إدارة الرئيس دونالد ترمب.
- قضية «سد النهضة»
طبعاً، لا تقتصر أزمات إثيوبيا على صراعاتها الإثنية الداخلية، فما زال النزاع حول «سد النهضة» مشتعلاً، ما يهدد مستقبلاً بمفاقمة التوترات الإقليمية في القارة، بحسب دراسة نشرها «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» حول توقعات 2021، قال فيها إن «(سد النهضة) يشكل مصدراً للتوتر في العلاقات البينية، حيث تستمر المفاوضات دون أفق واضح لحسم سريع مع استمرار تبني إثيوبيا نهج التعنت». وتواصل إثيوبيا عملية بناء السد على الرافد الرئيسي لنهر النيل، بهدف تحقيق التنمية، بينما تعتبره مصر تهديداً لوجودها، وسط مخاوف من أن يؤثر السد على حصتها من مياه النيل، التي تعتمد عليها بنسبة 90 في المائة في الري والشرب، وتبلغ نحو 55 مليار متر مكعب سنوياً.
عام 2020 شهد تصريحات واتهامات متبادلة من المسؤولين في إثيوبيا ومصر والسودان، اتهمت فيها مصر إثيوبيا بـ«التعنت»، وازدادت الأزمة اشتعالاً في أعقاب تصريح من الرئيس ترمب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال فيه إن «الوضع خطير جداً، ومصر لن تستطيع العيش بهذه الطريقة، وسينتهي الأمر بتفجير السد»، وهو ما احتجَّت عليه إثيوبيا، مستدعية السفير الأميركي للتوضيح. وخلال 2021، يُتوقع عودة الدول المعنية إلى مائدة المفاوضات، بالنظر إلى خطورة «الحل» العسكري وصعوبة تنفيذه.
- شبح الإرهاب
أيضاً من الملفات الساخنة، التي تهدد استقرار أفريقيا عام 2021 ملف الإرهاب، الذي يُتوقع أن يتوسع خطره ويزيد نشاطه في القارة السمراء، مستغلاً «انشغال الحكومات بمواجهة فيروس (كوفيد - 19)»، بحسب الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة المتخصصة في الشؤون الأفريقية، والمنسق العام لـ«مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية»، التي قالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن التوقعات كانت تشير في بداية 2020 إلى احتمال تراجع الهجمات الإرهابية في أفريقيا بسبب الفيروس «إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك، حيث نفذت الجماعات الإرهابية هجمات في أكثر من مكان، وهو ما يُتوقع أن يستمر في 2021».
وتُعدّ دول أفريقيا جنوب الصحراء «الأكثر تضرراً» من الإرهاب، بحسب تقرير مؤشر الإرهاب لعام 2020 الذي أصدره معهد الاقتصاد والسلام ومقره مدينة سيدني الأسترالية، بالتعاون مع مركز مكافحة الإرهاب والتطرف بجامعة ماريلاند الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، حيث سقط في هذه المنطقة نحو 41 في المائة من القتلى على مستوى العالم، في هجمات إرهابية منسوبة لتنظيم «داعش» الإرهابي، ومن المتوقع أن يشهد العام الجديد تصاعداً في العمليات الإرهابية في جغرافيا متوسعة من أفريقيا، بعدما وجد «داعش» فيها ملاذاً مناسباً في أعقاب ضرب مواقعه في سوريا والعراق. وبعد تمركزه في شمال أفريقيا، قبل عامين، فإنه آخذ في التوسع في «أفريقيا جنوب الصحراء». وترى الدكتورة توفيق أن «(داعش) دخل في صراع نفوذ مع تنظيم القاعدة الذي كان أسبق منه في التمركز في أفريقيا، وهو صراع من المتوقع أن يستمر، وربما يؤثر على قوة الهجمات الإرهابية».
وبالإضافة إلى «داعش» و«القاعدة» تشير توفيق إلى أن «حركة (بوكو حرام) ما زالت هي الحركة الإرهابية الأكثر تأثيراً في القارة، والتي أعلنت ولاءها لـ(داعش) في عام 2014»، ولقد نفذت حركة «بوكو حرام» عدداً من الهجمات الإرهابية، كان من بينها عملية وُصِفت بأنها «الأبشع خلال العام» ذبحت فيها 43 مزارعاً في نيجيريا بحجة اتهامهم بالتواصل مع الحكومة. وشهدت موزمبيق (جنوب شرقي القارة) في مارس (آذار) الماضي حادثة إرهابية راح ضحيتها نحو 30 شخصاً، في أعقاب سيطرة جماعة مسلحة من تنظيم الدولة في وسط أفريقيا على وسط مدينة موكيمبوا دا برايا في مقاطعة كابو ديلغادو.
ورغم الجهود الدولية والمحلية الرامية لمكافحة الإرهاب في القارة، فإنه يزداد تمدداً وخطورة، مستغلاً الأحداث السياسية والاقتصادية؛ سواء كانت انشغال الحكومات بمواجهة «كوفيد - 19»، أو الانتخابات، وما تخلقه من قلاقل واضطرابات تستغلها الجماعات الإرهابية في تعزيز نفوذها، وحتى الأحداث السياسية الخارجية، والتطورات في القضية الفلسطينية حيث تستخدم الجماعات الإرهابية خطاباً شعبوياً في مثل هذه القضايا لاستقطاب الشباب، بحسب توفيق.
وأخيراً، في نقطة جامعة بين عنصري الانتخابات والإرهاب، تستعد كل من الصومال وجيبوتي لإجراء انتخابات جديدة، وسط مخاوف من العجز الأمني في الصومال، في أعقاب انسحاب القوات الأميركية من البلاد، واستمرار نشاط «حركة الشباب» الإرهابية.
- اتفاقات سياسية «هشة»... وأزمات مُرحّلة
> يطل العام الجديد (2021) على ليبيا مصحوباً بتحذيرات من مجلس النواب الليبي باندلاع حرب جديدة في البلاد، في ظل استمرار التدخل التركي، مما يهدد اتفاق وقف إطلاق النار بالذي تم الإعلان عنه في أغسطس (آب) الماضي، بين طرفي الصراع الليبي.
جدير بالذكر أن الاتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، والدعوة لمصالحة وطنية شاملة بين طرفي الصراع الليبي، وتهيئة البلاد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بحلول مارس (آذار) المقبل.
هذا الاتفاق بتأييد من المجتمع الدولي، لكن عدداً من المراقبين، من بينهم الدكتور أيمن شبانة، مدير مركز البحوث الأفريقية بجامعة القاهرة، يتوقعون انتكاس الاتفاق؛ إذ إن «الإعلان عن وقف إطلاق النار يُعد تكتيكاً يستهدف فرض هدنة مؤقتة، أو شراء الوقت، لتعزيز التحالفات، وتكديس الأسلحة، واستئناف القتال مجدداً، خاصة مع الصعوبات الشديدة التي تعترض نزع السلاح، حيث توجد أكثر من 23 مليون قطعة سلاح، أغلبها من السلاح الخفيف الذي يسهل تخزينه وإخفاؤه، ووجود طبقة من المنتفعين من استمرار الصراع تشمل تجار الأسلحة، إضافة إلى التدخلات السلبية للأطراف الخارجية»، على حد قوله.
وما يقلق بالنسبة للمستقبل أنه رغم الاتفاق ما زال هناك تباين في الرؤى بين «حكومة الوفاق» و«مجلس النواب»؛ فالأولى ربطت بين وقف إطلاق النار وبين نزع السلاح في سرت والجفرة، وقيام أجهزة الشرطة من الجانبين بالاتفاق على الترتيبات الأمنية داخلهما. وفي المقابل شدد «المجلس» على ضرورة أن تكون سرت عاصمة مؤقتة لحكومة انتقالية يتم الاتفاق على تكوينها، وأن تقوم قوة شرطية رسمية من مختلف المناطق بتأمينها.
هذا، بالنسبة لليبيا، أما فيما يخص تونس، فإن البلاد تدخل العام الجديد وسط توترات سياسية متصاعدة، واتهامات من المعارضة لراشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي والزعيم البارز لحزب «حركة النهضة»، بمحاولة «فرض حكم الفرد وإلغاء مؤسسات الدولة»، وضغوط من أحزاب المعارضة على الحكومة لإجراء تعديل وزاري.
ولعل عام 2021 سيحمل مزيداً من الجدل والشحن حول مستقبل النظام، بما في ذلك اقتراح البعض الاستعاضة عن النظام الرئاسي بـ«نظام برلماني معدل». واعتبار أن تونس والدول النامية «غير مؤهلة بعد لنظام برلماني يؤدي إلى إضعاف السلطة التنفيذية لصالح البرلمان». ومن جانب ثانٍ، ينتظر أن يدخل مرحلة جديدة خلال الأشهر المقبلة الصراع بين التيارات القومية والإسلامية وتلك المحسوبة على عهدي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. وبين أحدث التطورات في هذا الاتجاه دعوة أنصار بورقيبة وبن علي إلى تشكيل جبهة سياسية وطنية «تنقذ» تونس من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وتضع حداً لـ«هيمنة قوى الإسلام السياسي وجماعات الإخوان المسلمين» على المشهد.
- «فوكاك ـ 8»... ونظرة إلى العلاقات الأفريقية ـ الصينية
> ينعقد خلال العام الجديد 2021 في دكار عاصمة السنغال «ملتقى التعاون الصيني - الأفريقي» (فوكاك) الثامن، وهو مؤتمر دبلوماسي يجمع ساسة من الصين والدول الأفريقية مرة كل ثلاث سنوات، ويضم عادة من قادة الدول الأفريقية أكثر مما تضم المناسبات السنوية لمنظمة الأمم المتحدة.
هذا العام يحظى الملتقى بأهمية خاصة، بعد تزايد دور الصين عالمياً، وليس فقط في أفريقيا، التي كانت قد نجحت (وعلى نطاق واسع) في اختراق اقتصادات دول القارة وبنياتها التحية منذ عقود خلت. ويرى المراقبون أن الأمور المدرجة على بساط البحث خلال «فوكاك» الثامن في داكار ستختلف عن سابقاتها، وبالذات الملتقى السابق. فالمعروف أنه إبان فترة رئاسة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترمب، تعرّض نشاط الصين في أفريقيا لانتقادات شديدة من واشنطن. كما أن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو اتهم بكين بأن كل ما تقدمه للدول الأفريقية «وعود فارغة ومجاملات منهكة». وبالتالي، مع تغير الإدارة في البيت الأبيض سيكون لافتاً كيف ستنعكس أولويات الرئيس المنتخب جو بايدن على الملفين الأفريقي والصيني، ومع أنه يتوقع أن تتحاشى الإدارة الديمقراطية الجديدة استخدام تعبيرات استفزازية، فإنها تدرك مدى جدية الاختراق الصيني لأفريقيا. وأغلب الظن أن سياسات واشنطن المستقبلية وردود فعلها ستكون بين الأمور الأساسية التي سيتداول حولها في داكار الجانبان الأفريقي والصيني.



الجيش المالي يوجه ضربات لمواقع المتمردين قرب حدود الجزائر

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش المالي يوجه ضربات لمواقع المتمردين قرب حدود الجزائر

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي تنفيذ «ضربات جوية وبرية دقيقة» ضد مواقع لما وصفها بـ«الجماعات الإرهابية المسلحة» في بلدة تينزاواتين والمناطق المجاورة لها في ولاية كيدال، أقصى شمال شرقي البلاد، بالقرب من الحدود مع الجزائر.

وتأتي تحركات الجيش وضرباته في تينزاواتين وسط تكهنات بقرب عملية عسكرية أوسع لاستعادة المنطقة، وذلك بعد مرور أكثر من عامين على محاولة فاشلة قادها الجيش المالي بدعم من مجموعة فاغنر الروسية.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

وقال الجيش المالي، الاثنين، في بيان صادر عن هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، إن العمليات تأتي ضمن عملية «دوغوكولوكو» للتأمين والمراقبة الدائمة للتراب الوطني، التي أطلقها الجيش المالي في أبريل (نيسان) 2025، وهدفها استعادة السيطرة على كامل الأراضي، وتعتمد على الاستطلاع والمعلومات الاستخباراتية لتنفيذ ضربات جوية، ومنها المسيّرات، وبرية على مواقع تجمع ومخازن وقود وآليات ودراجات نارية.

وأفادت الحصيلة المؤقتة، التي تحدث عنها الجيش المالي، بمقتل عدد من المسلحين وتدمير نحو عشر سيارات دفع رباعي وشاحنة وعدة دراجات نارية ومعدات عسكرية أخرى. فيما أكد استمرار «عمليات الاستطلاع والتمشيط» لتقييم نتائج الضربات و«القضاء على أي تهديد».

وأوردت تقارير محلية أن الضربات، التي شاركت في تنفيذها طائرات مسيّرة، طالت أيضاً مواقع في ألكيت وشمال شرقي أنفيس، فضلاً عن كوتيالا وجينيه وكيدال، وهي معطيات لم يتضمنها البيان الرسمي بالتفصيل.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

في المقابل، نفت جبهة تحرير أزواد (الاثنين)، أي تقدم بري للجيش المالي أو «الفيلق الأفريقي» الروسي نحو مدينة كيدال، المعقل التاريخي للمتمردين الطوارق، عاصمة شمال مالي.

وقال المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، محمد مولود رمضان، إن الحضور العسكري للجيش المالي والقوات الروسية يقتصر على غارات جوية بالمسيّرات، فيما تحدثت الجبهة عن أضرار في بنى تحتية مدنية دون إصدار حصيلة مستقلة مؤكدة.

لكن تحركات ميدانية رصدتها تقارير إعلامية تشير إلى ما هو أبعد من الغارات. فقد وصلت تعزيزات عسكرية من الجيش المالي إلى آخر معسكرين لا يزالان تحت سيطرته في منطقة كيدال: أكثر من 200 مركبة إلى أنفيس وصلت (السبت)، وقرابة 80 مركبة وصلت إلى أغيلهوك (الأحد)، ضمّت جنوداً ماليين وعناصر من «الفيلق الأفريقي» الروسي ومجموعات طوارقية حليفة، مثل «حركة إنقاذ أزواد» و«مجموعة الطوارق إيماغاد والحلفاء».

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

ولم يشر بيان الجيش إلى هذه التعزيزات صراحة. ويُفسَّر اقتران الغارات بالحشود على نطاق واسع بأنه تمهيد محتمل لمحاولة استعادة كيدال.

تحمل كيدال رمزية خاصة في الصراع المالي، فقد سقطت المدينة في أبريل (نيسان) 2026 بيد جبهة تحرير أزواد، بعد هجمات منسقة غير مسبوقة طالت باماكو ومدناً أخرى، وأودت بحياة وزير الدفاع ساديو كامارا. وانسحب بعدها نحو 400 عنصر من «الفيلق الأفريقي» من المدينة بموجب اتفاق مع الجبهة، في انتكاسة رمزية للجيش وحليفه الروسي.

وكان الجيش قد استعاد كيدال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 بدعم من «فاغنر»، وقدّمت السلطات آنذاك استعادة كيدال بوصفها عودة لسلطة الدولة، وبالفعل تعد كيدال هي رمز السيطرة على شمال مالي.

أما تينزاواتين، القريبة من الحدود الجزائرية، ما جعلها معبراً للتجارة والتهريب والنزوح، وملاذاً تاريخياً للمتمردين، وفي يوليو (تموز) 2024 تحرك رتل من الجيش المالي ومقاتلي «فاغنر» للسيطرة على البلدة، ولكن معارك طاحنة دارت بالقرب من البلدة انتهت بخسارة الجيش، وتلقت مجموعة فاغنر واحدة من أكبر هزائمها في مالي، وخسرت العشرات من مقاتليها.


الرئيس النيجيري يأمر بفتح تحقيق في تحطم طائرة عسكرية

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
TT

الرئيس النيجيري يأمر بفتح تحقيق في تحطم طائرة عسكرية

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

أمر الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، الاثنين، سلاح الجو بفتح «تحقيق شامل» في أسباب تحطم طائرة عسكرية من طراز «إيه تي آر-42» في ولاية أوندو جنوب غربي البلاد، كانت تقل 32 شخصاً. وأعلن الحداد الوطني 3 أيام، في واحدة من أكثر حوادث الطيران العسكري دموية في نيجيريا خلال السنوات الأخيرة.

وجاء في بيان لمستشاره للإعلام والاستراتيجية، بايو أونانوغا: «أطلعني رئيس أركان القوات الجوية بالحادث، ووجهت القوات الجوية بالبدء فوراً في تحقيق شامل في سبب التحطم لمنع تكرار ما حدث».

مروحية للجيش النيجيري تشارك في العمليات ضد الإرهابيين تربض بإحدى القواعد شمال شرقي البلاد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال تينوبو: «هذه لحظة مؤلمة لقواتنا المسلحة وللأمة بأسرها. يضع أفراد قواتنا الجوية حياتهم على المحك كل يوم لتأمين نيجيريا. ولن تُنسى تضحياتهم أبداً». وقدّم الرئيس تعازيه لعائلات «الركاب الخمسة والعشرين وأفراد الطاقم السبعة».

ولم يتضمن البيان حصيلة صريحة للضحايا، لكن وسائل إعلام عدة عدّته تأكيداً لمقتل جميع من كانوا على متن الطائرة. وأشاد بتفعيل سلاح الجو «فوراً» عمليات البحث والإنقاذ، وبـ«الاستجابة السريعة» لفرق الإنقاذ الأولى وحكومة أوندو، مؤكداً «استمرار دعم إدارتنا» للقوات الجوية «وهي تواصل دورها الحيوي في تأمين بلادنا».

الرئيس بولا أحمد تينوبو يزور ولاية بلاتو حيث التقى عائلات الضحايا (رويترز)

في غضون ذلك، قال وزير الطيران فيستوس كيامو إن مراقبي الحركة الجوية فقدوا الاتصال بالطائرة، نحو الساعة 9:13 صباحاً، خلال رحلة اعتيادية من مدينة بنين، عاصمة ولاية إيدو، إلى لاغوس. وعُثر على الحطام في منطقة مستنقعات قبالة القاعدة البحرية في إيغبوكودا، مقر حكومة إيلاجي المحلية.

وأوضح الوزير أن تنظيم الطائرات العسكرية «يقع بالكامل خارج نطاق سلطة وزارة الطيران»، متعهداً بتقديم «التعاون والمساعدة الكاملين». والطراز طائرة بمحركين توربينيين مروحيين، تتسع لما بين 30 و50 راكباً بحسب الشركة المصنعة.

وقال المتحدث باسم قيادة أركان الدفاع، اللواء إسماعيل أوبا، الثلاثاء، إن الطائرة كانت تقل عسكريين وبعضاً من أفراد أسرهم. وأعلنت السلطات أن أسماء الضحايا ستُنشر بعد إبلاغ ذويهم.

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

وأفادت تقارير بأن سلاح الجو نشر أسماء 25 شخصاً، بينهم خمسة من الطاقم و20 راكباً، دون توضيح الفارق عن الرقم 32 الذي أعلنه الرئيس والوزير.

ونقلت صحف نيجيرية عن زعيم تقليدي محلي أن الطائرة سقطت في مستنقع وسط الأمطار بعيداً عن البلدة، وأنه لم يُعثر على ناجين. وقال سكان إنهم رأوا أشلاءً، لكنهم عجزوا عن الاقتراب بسبب الوحل.

وقال الزعيم التقليدي: «نحمد الله أولاً أن الحادث لم يقع داخل البلدة؛ وإلا لكانت الخسائر البشرية فادحة جداً»، مشيراً إلى أن النيران لم تشتعل في الطائرة، ربما بسبب غوص جزء كبير منها في المياه. وتابع: «لا يمكننا وصف الوضع بدقة حالياً، ولكن بناءً على ما جمعناه حتى الآن، لم يكن هناك أي ناجٍ».

وقال ساكن يُدعى أكينتان تولووالاسي إن الأهالي هُرعوا للموقع، ورأوا أشلاء بشرية، لكنهم عجزوا عن المساعدة بسبب سقوط الطائرة في المستنقع. وأشار إلى وصول أفراد البحرية في نحو الساعة 10:00 صباحاً.

تحطم طائرة عام 2021 قُتل فيه رئيس أركان الجيش آنذاك إبراهيم أتاهيرو و10 آخرون (رويترز)

وذكر ساكن آخر، يُدعى أبيل باميديلي، أن التحطم وقع إبان هطول أمطار الصباح بعد سماع دوي قوي. وحاول بعض السكان ممن يجيدون السباحة البحث عن ناجين، لكنهم لم يعثروا على أحد.

في غضون ذلك، أمر حاكم ولاية أوندو لوكي أيداتيوا وكالات الطوارئ ووزارة الصحة بتقديم الدعم اللوجستي والبشري، وبتطويق موقع التحطم، بينما أكد مدير العلاقات العامة والإعلام في القوات الجوية النيجيرية، العميد طيار إيهيمن إيجودامي، أن عملية الإنقاذ تُجرى بالتنسيق مع السلطات المعنية ووكالات الاستجابة للطوارئ. وقال: «فعلت القوات الجوية النيجيرية عملية بحث وإنقاذ فورية عقب الحادث».

ضباط أميركيون يدربون جنوداً نيجيريين على تكنولوجيا المسيّرات في ولاية باوتشي النيجيرية (القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا - أفريكوم)

أعاد الحادث الجدل بشأن سلامة الأسطول العسكري في نيجيريا، فبحسب مراجعة لصحيفة «ذا غارديان» المحلية، سُجل 16 حادث تحطم لطائرات عسكرية نيجيرية منذ 2016، أودت بحياة 40 شخصاً على الأقل، بينها تحطم طائرة «كينغ إير 350» في كادونا عام 2021 الذي قُتل فيه رئيس أركان الجيش آنذاك إبراهيم أتاهيرو و10 آخرون.

ودعا مركز مناصرة المجتمع المدني التشريعي إلى النظر في «سلامة الطيارين والركاب وموثوقية الطائرات»، وسط مخاوف من تقادم بعضها. وأعلن المكتب الوطني للتحقيق في حوادث السلامة أنه ينتظر دعوة رسمية من سلاح الجو للمشاركة في التحقيق؛ لأن التحقيق في الحوادث العسكرية يقع، بحسب الممارسة الدولية، على عاتق السلطة العسكرية.


انفصاليون يعلنون الانسحاب من بلدة استراتيجية في شمال مالي

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)
مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)
TT

انفصاليون يعلنون الانسحاب من بلدة استراتيجية في شمال مالي

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)
مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

كشفت حركة انفصالية في شمال مالي اليوم (الثلاثاء) أنها «تنسحب بشكل منظم» من بلدة استراتيجية ​في الشمال كانت قد سيطرت عليها مع متشددين مرتبطين بتنظيم «القاعدة»، خلال هجمات شنتها في أنحاء البلاد قبل 6 أشهر، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت «جبهة تحرير أزواد» في بيان، إن قرار مغادرة كيدال جاء رداً على الغارات الجوية ‌التي شنها ‌الجيش المالي بدعم ​من ‌مقاتلين ⁠روس.

وفي ​وقت سابق ⁠من اليوم (الثلاثاء)، قال جيش مالي إنه شن عمليات جوية وبرية واسعة النطاق في منطقة كيدال.

وأفاد مصدر مقرب من قيادة «جبهة تحرير أزواد» لـ«رويترز» اليوم، بأن العمليات الجوية بدأت ⁠قبل 3 أيام.

ولم يتضح ‌بعد مدى قرب ‌قوات الجيش من البلدة،​ وما إذا ‌كانت ستستعيد السيطرة عليها على الفور.

وتولى قادة ‌مالي السلطة في انقلابين عسكريين عامي 2020 و2021، واعتمدوا على الدعم الأمني الروسي سنوات، أولاً من مجموعة «فاغنر» العسكرية الخاصة، ‌ومنذ العام الماضي من مجموعة «الفيلق الأفريقي» شبه العسكرية التي تتألف من ⁠عدد ⁠كبير من مقاتلي «فاغنر» السابقين.

واستعادت القوات المالية ومقاتلو «فاغنر» بلدة كيدال من أيدي المتمردين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، فيما يُعد أكبر مكسب ملموس حققته شراكتهما.

لكن «جبهة تحرير أزواد» وجماعة أخرى تمثل الفرع الإقليمي لتنظيم «القاعدة»، سيطرتا على البلدة مجدداً، خلال هجمات ​في أنحاء البلاد ​في أبريل (نيسان)، أسفرت أيضاً عن مقتل وزير الدفاع.