قصة ضابط ألماني تخفى في شخصية لاجئ سوري لينفذ عمليات اغتيال

مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)
مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)
TT

قصة ضابط ألماني تخفى في شخصية لاجئ سوري لينفذ عمليات اغتيال

مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)
مخبأ فرانكو حيث يخزن الغذاء والسلاح استعداداً للحرب الأهلية (نيويورك تايمز)

في ذروة أزمة اللاجئين التي واجهتها أوروبا، توجه رجل ملتحٍ يرتدي بنطالاً رياضياً إلى داخل مركز للشرطة. وكانت جيوبه فارغة سوى من هاتف محمول واحد وبضعة عملات نقدية معدنية أجنبية.

وبلغة إنجليزية ركيكة، قدم نفسه باعتباره لاجئاً سورياً، وقال إنه اجتاز نصف القارة الأوروبية سيراً على الأقدام وفقد أوراقه الثبوتية في الطريق. والتقط الضباط صوراً له وحصلوا على بصماته. وخلال العام التالي، حصل على مأوى وعقدت جلسة استماع له للنظر في حجة حصوله على اللجوء، وتأهل بالفعل للحصول على إعانة لمدة أشهر.

أما الاسم الذي قدمه فكان ديفيد بنجامين. في الحقيقة، كان ملازماً في الجيش الألماني، وعمد إلى إضفاء لون داكن على وجهه باستخدام مساحيق التجميل الخاصة بوالدته، ووضع بعضاً من مادة تلميع الأحذية على لحيته. وبدلاً عن السفر عبر أوروبا، كان في حقيقة الأمر قد سار لمسافة 10 دقائق فقط قادماً من منزله الذي ولد فيه في مدينة أوفنباخ غرب البلاد.

أما هذه الحيلة فكانت جزءاً من مخطط يميني لتنفيذ عمليات اغتيال عدة يمكن إلقاء اللوم عنها على شخصية اللاجئ التي ينتحلها الضابط الألماني، بغية إشعال قدر من القلاقل والاضطرابات المدنية الكافية لإسقاط جمهورية ألمانيا الفيدرالية.

من جانبه، ينفي الضابط الذي وردت الإشارة إليه في الوثائق المعروضة أمام المحكمة باسم فرانكو إيه. بالتوافق مع القوانين الألمانية المعنية بالحفاظ على الخصوصية، تورطه في مثل هذا الأمر. وقال إنه كان يسعى لكشف أوجه قصور في منظومة اللجوء، لكن حياته المزدوجة التي عاشها طوال 16 شهراً لم تنكشف إلا بعدما ضبطته الشرطة أثناء محاولة حصوله على مسدس كان يخفيه داخل واحدة من دورات المياه في مطار فيينا.

* إلقاء القبض عليه في فيينا
أثار إلقاء القبض على فرانكو إيه. في أبريل (نيسان) 2017 صدمة كبيرة في ألمانيا. ومنذ ذلك الحين، اختفت وقائع قضيته عن الأنظار، لكن من المحتمل أن يتبدل هذا الوضع عندما يمثل أمام المحكمة مطلع العام المقبل.
وعندما يحدث ذلك، ستمثل ألمانيا كلها معه - ليس فقط جراء الفشل الإداري الذي سمح لضابط ألماني لا يتحدث العربية بتقديم نفسه كلاجئ على مدار تلك الفترة الطويلة، وإنما أيضاً للتراخي الواضح منذ فترة طويلة في محاربة التطرف اليميني.
جدير بالذكر هنا، أن إحدى جماعات اليمين المتطرف، يقودها جندي سابق وقناص يعمل في صفوف الشرطة في شمال ألمانيا، عكفت على تخزين أسلحة وإبقاء قوائم تضم أسماء من أسمتهم أعداء، وطلبت شراء أكياس للجثث. كما ظهرت جماعة أخرى يديرها ضابط قوات خاصة يشار إليه باسم شفري هانيبال، وسلطت الضوء على قوة النخبة الأولى بالجيش الألماني، المعروفة باسم وحدة قيادة القوات الخاصة. هذا الصيف، وبعد العثور على متفجرات وقطع تذكارية تتعلق بالحقبة النازية بحوزة رقيب أول، جرى تفكيك وحدة قيادة القوات الخاصة بأكملها.
من جانبي، أجريت لقاءات مع الكثير من أعضاء مثل هذه الشبكات على امتداد العام الماضي، بينهم فرانكو إيه، وفي اعتقادي فإن قصة حياته المزدوجة وتطور رحلته في الحياة من ضابط واعد، حسبما رأى رؤساؤه، إلى ما يصفه المحققون اليوم بشخص كان على وشك ارتكاب أعمال إرهابية، تجسد قصة وجهين لألمانيا.
عندما التقيت فرانكو إيه. منذ ما يزيد على العام في أحد المطاعم ببرلين، جاء مسلحاً بوثائق، بعضها مذكرات والبعض الآخر مقتطفات من ملف الشرطة ضده. وبدا في ذلك الوقت واثقاً من نفسه. وبالفعل، رفضت محكمة في فرانكفورت قضية الإرهاب المثارة ضده لنقص الأدلة.
إلا أنه بعد أشهر عدة، أحيت المحكمة العليا القضية من جديد بعد استئناف الشرطة على قرار المحكمة الأولى. وحينها، اتصل بي فرانكو إيه. هاتفياً وكان يرتعد خوفاً؛ ذلك أنه حال إدانته سيواجه عقوبة السجن لمدة تصل 10 سنوات.
وفي بعض الأحيان، كان يعرض أمامنا فيديوهات لنفسه وهو متنكر في شكل لاجئ. وفي إحدى المرات، قادنا عبر درجات سلم كانت تصدر صريراً لدى النزول عليها نحو باب معدني قادنا إلى غرفة كان يخزن فيها ذخيرة ونسخة من كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر قبل أن تصادرهم الشرطة.
وقال فرانكو إيه. إنه انتحل صفة لاجئ كي ينبه إلى خطورة قرار المستشارة أنجيلا ميركل بالسماح لأكثر عن مليون لاجئ بدخول ألمانيا، الأمر الذي اعتبره تهديداً للأمن والهوية الوطنية. وقال إن نظام اللجوء كان غارقاً للغاية تحت وطأة ضغوط الإقبال لدرجة أن أي شخص كان باستطاعته دخول البلاد.

* المسدس المخفي
ألقي القبض على فرانكو إيه. داخل مطار فيينا عام 2017، تحديداً في الثالث من فبراير (شباط) أثناء محاولته استعادة مسدس كان مخفياً داخل دورة مياه. وأطلق سراحه تلك الليلة بعدما أخبر الشرطة بأنه رغب في تسليم المسدس إليهم، لكن الضباط احتفظوا بهاتفه ووحدة «يو إس بي» وجدت في حقيبة كان يحملها على ظهره. وحصل الضباط على بصمات أصابعه وأرسلوها إلى الشرطة الألمانية للتحقق من هويته.
أما المطابقة التي جاءت بعد أسابيع فصدمت الشرطة الذين اعتقدوا أنهم كانوا يجرون تفحصاً روتينياً فحسب بخصوص هوية فرانكو. وكشفت النتيجة عن أن لديه هويتين.
أفادت بطاقة هويته بأنه ضابط بالجيش الألماني، تحديداً في لواء فرنسي ـ ألماني في إلكيرش، قرب ستراسبورغ. إلا أنه في الوقت ذاته كشفت السجلات عن أن بصماته تخص أيضاً لاجئاً مسجلاً قرب ميونيخ.

* وساور المحققين القلق
وألقي القبض على فرانكو إيه. ليلة حفل الأخوة السنوي، الذي يستضيفه «حزب الحرية» النمساوي المنتمي إلى التيار اليميني المتطرف. ومن بين النظريات المطروحة، أن فرانكو إيه. خطط لإطلاق النار على شخص ما تلك الليلة بينما يتظاهر بأنه ينتمي إلى تيار اليسار.
وبمجرد تولي السلطات الألمانية مسؤولية التحقيق، عثروا على وثيقتين في وحدة «يو إس بي» الخاصة بفرانكو إيه.، واحدة منها «دليل المجاهدين لتصنيع المتفجرات»، والأخرى «المقاومة الكاملة»، كتاب إرشادات يعود إلى فترة «الحرب الباردة» يتعلق بكيفية خوض حرب عصابات في مناطق حضرية.
أما الهاتف المحمول، فقد قاد المحققين إلى شبكة مترامية الأطراف من مجموعات الدردشة عبر تطبيق «تلغرام» المنتمية إلى اليمين المتطرف، تضم في صفوفها العشرات من الجنود وضباط الشرطة وآخرين كانوا يستعدون لانهيار النظام الاجتماعي فيما أطلقوا عليه «اليوم إكس». كما احتوى الهاتف على ساعات من المذكرات الصوتية التي سجل فيها فرانكو إيه. خواطره طوال سنوات.

* إلقاء القبض عليه للمرة الثانية
في 26 أبريل 2017، وفي خضم تدريبات عسكرية على أحد السواحل في بافاريا، ألقي القبض على فرانكو إيه. من جديد، وبعد ذلك اصطحبه ضباط فيدراليون بعيداً عن المكان، في الوقت الذي كان 90 ضابطاً آخرين يشنون مداهمات بمناطق مختلفة عبر ألمانيا والنمسا وفرنسا.
وعبر سلسلة من المداهمات، ضبطت الشرطة أكثر عن 1000 طلقة ذخيرة، علاوة على عشرات المذكرات المكتوبة ومذكرات شخصية. وعندما شرعوا في قراءة المضبوطات، بدأت تتضح أمامهم ملامح رجل ظلت تراود خياله أفكار راديكالية منذ إن كان مراهقاً.
وخلال المقابلات التي أجريناها مع فرانكو إيه. تحدث عن سنوات ماضية وتناول سنوات طفولته وتاريخ أسرته الذي يبدو متطابقاً مع تاريخ ألمانيا ذاتها.
ووصف فرانكو إيه. المكتوب في مذكراته بأنها كانت محاولات تجريبية مع أفكار مختلفة، وليس دليلا على اعتناقه آيديولوجية محددة أو أي نوايا لديه لتنفيذ أمر ما. وتضمنت الأفكار الواردة في مذكراته تأملات له في كيف يمكنه تحويل مسار التاريخ الألماني.
ومن بين ما كتبه الفقرة التالية المدونة بتاريخ يناير (كانون الثاني) 2007، «أتمنى الالتحاق بالمؤسسة العسكرية جندياً والفوز بمكانة بارزة داخل المؤسسة العسكرية، بحيث أتمكن من أن أصبح يوماً قائداً للقوات المسلحة الألمانية. وبعد ذلك، يقع انقلاب عسكري».

* الانضمام إلى الجيش
في 2008، في وقت كان العالم قد سقط لتوه في أكبر أزمة مالية منذ «الكساد العظيم»، انضم فرانكو إيه. إلى الجيش، وكان في الـ19 حينها. وسرعان ما وقع الاختيار عليه ليكون واحداً من حفنة من كوادر الجيش الألماني التي تقرر إلحاقها بأكاديمية سانت سير العسكرية العريقة في فرنسا، والتي تأسست عام 1802 على يد نابليون.
وتضمنت سنوات دراسته الخمس خارج البلاد تنقله في فصول دراسية بين مؤسسة «ساينسيز بو» في باريس و«كينغز كوليدج لندن» وكذلك ساندهرست، واحدة من أعرق أكاديميات التدريب العسكري في بريطانيا، بجانب دراسته خلال موسم دراسي صيفي في جامعة كمبردج.
عام 2013، وضع رسالة الماجستير الخاصة به تحت عنوان «التغيير السياسي واستراتيجية التخريب». وعلى امتداد 169 صفحة، شدد فرانكو إيه. على أن انهيار الحضارات العظيمة دائماً ما جاء نتيجة الهجرة وتمييع النقاء العرقي بسبب السماح بدخول أقليات تخريبية البلاد. وأشار إلى أن الدور القادم سيكون من نصيب أوروبا والغرب إذا لم يدافعوا عن أنفسهم.
وكتب أن المجتمعات متعددة الأعراق تفتقر إلى الاستقرار، وأن الأمم التي تسمح بالهجرة إليها ترتكب نمطاً من «الإبادة الجماعية». أما الجزء الأخير من الرسالة فيشير إلى أن «العهد القديم» يشكل الأساس الذي تقوم عليه جميع أعمال التخريب، وأنه بمثابة خطة إرشادية لليهود للفوز بالهيمنة العالمية. وأضاف أن هذه ربما تكون «المؤامرة الأكبر في التاريخ الإنساني». وشعر القائد الفرنسي للأكاديمية العسكرية بالفزع مما تضمنته الرسالة، وسرعان ما حولها إلى قادة فرانكو إيه. من الألمان.
ومع ذلك، لم يتعرض فرانكو إيه. للفصل من الخدمة العسكرية، ولم يجر الإبلاغ عنه لدى وكالة الاستخبارات العسكرية الألمانية التي تتولى مهمة مراقبة التطرف داخل صفوف القوات المسلحة. بدلاً عن ذلك، تعرض فرانكو إيه. للتوبيخ، وطلب منه تقديم رسالة أخرى.

* مخطط الاغتيال
عندما عاد فرانكو إيه. إلى ألمانيا في وقت لاحق، عام 2014، بدا وكأن شيئاً لم يحدث. ووصفه قائده في دريسدن بأنه نموذج للجندي الألماني. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، نال إشادة أخرى في تقرير جديد. وأفاد التقرير كيف أنه جرى تكليفه مسؤولية الحفاظ على ذخائر، وأنه أنجز مسؤوليته «بفرح ونشاط عظيمين»، وأنه انجذب نحو الجنود الذين يشاركونه أفكاره.
وتولى ضابط زميل له وصديق تقديمه إلى شبكة دردشة عبر الإنترنت تضم العشرات من ضباط الجيش والشرطة الذين يشعرون بالقلق إزاء قضية الهجرة. وبعد ذلك، بدأ تكديس قبو بأغذية وإمدادات أخرى، ثم بدأ في الحصول على أسلحة وذخائر على نحو غير قانوني.
وعندما رحبت ميركل بعشرات الآلاف من طالبي اللجوء السياسي الذين كانوا في أغلبهم مسلمين قادمين من الحروب المشتعلة في سوريا والعراق وأفغانستان، بدا خطر الحرب أو وقوع اضطرابات مدنية داخل ألمانيا حقيقياً، حسبما ذكر فرانكو إيه.
ويقول المحققون، إنه في تلك اللحظة، بدأ فرانكو إيه. في التفكير في العنف، لكن كي يتمكن من دفع الناس نحو العنف كان من الضروري وقوع حادث «محفز». وكان ذلك عندما شرع في البحث عن عدد من المحفزات الممكنة، أو بالأحرى الأهداف.
ونهاية عطلة «الكريسماس» الخاصة به عام 2015 ـ 10 أيام قبل توليه مهمته الأولى في اللواء الفرنسي ـ الألماني قرب ستراسبورغ ـ بدأ فرانكو إيه. ينتحل صفة لاجئ. وأثناء جلوسه داخل مركز الشرطة في انتظار مقابلته الأولى باعتباره ديفيد بنجامين، شخصية اللاجئ التي انتحلها، عكف فرانكو إيه. على دراسة خريطة للعالم معلقة على الجدار المقابل. وكان يحاول أن يقرر ما إذا كانت دمشق أو حلب تبدو موطن ولادة أكثر مصداقية.

* سرقة الهوية
بمرور الوقت، تمكن من اختلاق تاريخ عائلي ممتد. ونظراً لطلاقته في الفرنسية بعد التدريب العسكري الذي خاضه هناك، أخبر من أجروا معه المقابلة بأنه سوري مسيحي من أصول فرنسية، وقال إنه ارتاد مدرسة ثانوية فرنسية، ثم عمل في جمع الفاكهة في تل حاصل، قرية صغيرة خارج حلب.
وقال فرانكو إيه. إن السلطات الألمانية لم تشكك في الرواية التي طرحها قط، بسبب الضغوط الشديدة لطلبات اللجوء في ذلك الوقت. وبعد يومين من دخوله مركز الشرطة، جرى تسجيله طالب لجوء، وجرى نقله إلى أماكن إقامة جماعية مؤقتة. وأخيراً، جرى نقله إلى محل إقامة صغير في باوستارينغ، قرية صغيرة على بعد 250 ميلاً للغرب من القاعدة العسكرية التي يعمل بها.
وشهدت المترجمة المغربية التي حضرت جلسة الاستماع الخاصة به للحصول على اللجوء، أن شكوك ساورتها حيال قدرته على الحديث بالعربية، لكن نظراً لاسمه الذي بدا يهودياً لم تجرؤ على التفوه بذلك. ولأنها مسلمة، خشيت أن تبدو في مظهر من يعادي السامية.
في النهاية، جرى منح فرانكو إيه. «حماية فرعية»، مكانة تسمح لطالبي اللجوء ممن لا يحملون أوراقاً ثبوتية بالإقامة والعمل في ألمانيا.
وكان فرانكو إيه. يعيش حياته المزدوجة طيلة نحو سبعة أشهر عندما سافر إلى برلين في صيف 2016، وقبل رحلته إلى برلين وخلال الأيام التالية، اشترى فرانكو ايه. أجزاء تلسكوبية ومسدساً، وشوهد يتدرب على إطلاق النار لتجريب إكسسوارات خاصة بمسدس.
وعلى قائمة الاغتيالات التي وضعها، قبل أن تلقي الشرطة القبض عليه، توجد أسماء العديد من السياسيين البارزين والنشطاء بمجال حقوق الإنسان. وكانت الخطة أن ينفذ عملية اغتيال، ثم يتخفى في هوية اللاجئ السوري، من أجل إثارة الغضب الشعبي وموجة من الاضطرابات من أجل تعزيز أجندة اليمين المتطرف على الصعيد السياسي.



مصر تدعم تفعيل دور الجامعة العربية مع تغيير الأمين العام

السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)
السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم تفعيل دور الجامعة العربية مع تغيير الأمين العام

السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)
السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة تعزيز منظومة العمل العربي المشترك وتفعيل دور الجامعة العربية باعتبارها «المظلة الأساسية والإطار الجامع للدفاع عن مصالح الدول والشعوب العربية»، وذلك خلال استقباله، الأحد، كلاً من نبيل فهمي المرشح لمنصب أمين عام الجامعة، وأحمد أبو الغيط الأمين العام الحالي، الذي تنتهي ولايته آخر الشهر الجاري.

ومن المنتظر أن يتولى الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، أول يوليو (تموز)، بعد أن أقر مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية بالإجماع، نهاية مارس (آذار) الماضي ترشيحه، ورفع توصية إلى القمة العربية المقبلة لاعتمادها.

وسبق وصرحت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط»، بأن الأمين العام الجديد «بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل، تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك».

وقالت المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، من بينها إتمام التصديق عبر اجتماع افتراضي، أو داخلياً، وإعلان ذلك عند تسلمه منصبه.

السيسي يشكر أبو الغيط قبل أيام من انتهاء ولايته (الرئاسة المصرية)

وخلال استقباله فهمي، أكد السيسي دعم مصر الكامل لترشيحه للمنصب، مشدداً على ما تشهده المنطقة في المرحلة الراهنة من تحديات غير مسبوقة تستوجب تعزيز منظومة العمل العربي المشترك، وتفعيل دور جامعة الدول العربية باعتبارها المظلة الأساسية والإطار الجامع للدفاع عن مصالح الدول والشعوب العربية، وفق بيان للرئاسة المصرية، كما استقبل أبو الغيط معرباً عن «تقديره البالغ للدور الذي اضطلع به خلال فترة توليه المنصب».

وعن ترشيح فهمي للمنصب، قال عضو مجلس النواب المصري عماد الدين حسين لـ«الشرق الأوسط»: «فهمي شخصية دبلوماسية من العيار الثقيل، وله خبرة طويلة، حيث كان سفيراً لمصر في أكثر من عاصمة أهمها واشنطن، وتولى منصب وزير خارجية مصر في فترة بالغة الدقة والحساسية بعد أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، وهو أستاذ جامعي مرموق في الجامعة الأميركية بالقاهرة، كما أنه كاتب ومفكر مهموم بالعمل الدبلوماسي العربي والعالمي».

ويرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني جدي العريضي أن فهمي «يمتلك خبرة واسعة وقدرة على إحداث تغيير دبلوماسي قد يقود لتحقيق الإجماع العربي داخل الجامعة، ومتوقع بالطبع أن يحصد المنصب».

وخلال لقائه مع السيسي، أكد فهمي «تطلعه إلى العمل على تطوير أداء جامعة الدول العربية وصياغة رؤية استراتيجية متقدمة وفاعلة تتناسب مع حجم التحديات الماثلة أمام الأمن القومي العربي»، كما شدد على «قناعته بأهمية تعزيز دور الجامعة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، بما يسهم في تحقيق الدور المنشود لها»، بحسب بيان الرئاسة المصرية.

فيما أكد السيسي «الرؤية المصرية الحريصة على الاضطلاع بأدوار بنّاءة تعزز الحلول السلمية لأزمات المنطقة»، لافتاً إلى «تزايد بؤر الصراع وتصاعد انتهاكات القانون الدولي، وهو ما يفرض تبعات جسيمة على الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، ويضاعف من مسؤوليات جامعة الدول العربية، خاصة فيما يتصل بضرورة تطوير أدواتها للتعامل مع التحولات الإقليمية وصياغة مواقف عربية جماعية أكثر فاعلية وشمولاً».

وحسب عماد الدين حسين، فإن «فهمي نظرياً لديه كل المؤهلات التي تجعله ينجح في مهمته، لكن يبقى السؤال الأهم وهو: هل الظروف الحالية في المنطقة تساعد في نجاح الجامعة العربية أن تعود لدورها المنشود؟».

ويتفق العريضي في الرأي، قائلاً: «منذ فترة طويلة لم تعد الجامعة حاضرة كما كانت، وذلك لأن الشعوب العربية ترى أوطانها تتمزق في لبنان وغزة والسودان وليبيا والجامعة عاجزة عن وقف هذا التمزق».

لكنه أضاف: «يظل هناك أمل كبير في أن يستعيد فهمي دورها المنشود».


مصر تقترح «إطاراً مؤسسياً» للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تقترح «إطاراً مؤسسياً» للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)

دعا الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الأحد، إلى إطار مؤسسي للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان، التي حققت منذ انطلاقها بعد 3 أسابيع من حرب إيران نهاية فبراير (شباط)، دوراً في جهود التهدئة التي تشهدها المنطقة حالياً.

ورحب السيسي خلال استقبال وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، بحضور نظيرهم المصري بدر عبد العاطي، بانعقاد الاجتماع الرابع لوزراء خارجية المجموعة الرباعية في القاهرة.

تلك الخطوة التي اقترحها السيسي خلال لقاء عُقد بالقاهرة بحضور وزراء الخارجية: السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني محمد إسحاق دار، والمصري بدر عبد العاطي، يراها خبراء بالشؤون العربية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»: «ضمن التشاور والتنسيق المستمرين بالفعل بين الدول الأربع»، مشيرين إلى أن «التحول لإطار مؤسسي مسألة لها أبعاد متعددة، ويحتاج ذلك إلى دراسة دقيقة في العواصم المعنية».

وكان أول اجتماع بين وزراء الدول الأربع في العاصمة السعودية الرياض في 20 مارس (آذار) 2026، ثم عُقد اجتماع ثانٍ في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في 29 من الشهر ذاته، ثم اجتماع ثالث في أنطاليا التركية في 17 أبريل (نيسان).

السيسي يتحدث إلى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وبجواره وزراء خارجية مصر وتركيا وباكستان (الرئاسة المصرية)

وقال الرئيس المصري إن «التطورات الإقليمية الأخيرة أبرزت محورية هذه الدول بوصفها ركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين، بما يعزز أهمية استمرار هذه الآلية التشاورية وتطويرها لتصبح إطاراً مؤسسياً فاعلاً قادراً على صياغة حلول شاملة ومستدامة لأزمات المنطقة».

وأكد حرص مصر على مواصلة العمل مع السعودية وباكستان وتركيا وجميع الدول العربية والإقليمية لدعم تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية وإنجاح المسار التفاوضي بين الجانبين، مشيراً إلى أن الاتفاق النهائي يجب أن يضمن أمن دول مجلس التعاون الخليجي وكل الدول العربية، ويراعي شواغلها، وفق بيان للرئاسة المصرية.

ماذا يعني «الإطار المؤسسي؟»

يرى المفكر السياسي المصري عمرو الشوبكي أن «المقترح بشأن انتقال الآلية التشاورية إلى العمل المؤسسي خطوة إيجابية، خصوصاً أن هذه الدول أثبتت دورها الرئيسي والتفاعل الإيجابي في ملفات حيوية مرتبطة بغزة وإيران»، مشدداً على أن «التحول لإطار مؤسسي مسألة لها أبعاد متعددة، ويحتاج ذلك إلى دراسة دقيقة في العواصم المعنية».

وأضاف أن «مَأسسة العمل التشاوري تتطلب تحديد أهداف دقيقة وخطة عمل للتعامل مع الأزمات والتحديات في المنطقة، خصوصاً وأن لكل دولة من هذه الدول روابط مؤسسية قوية مع كيانات ومنظمات دولية أخرى».

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا خلال اجتماع رباعي في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

ويرى أستاذ العلوم السياسية طارق فهمي أن المقترح المصري بتحويل الآلية التشاورية إلى إطار مؤسسي فاعل يعني «الانتقال من مجرد اجتماعات ولقاءات دورية إلى عمل مؤسسي دائم قد يكون هيئة مشتركة أو مجلساً مشتركاً أو تحالفاً له مقر دائم، وإطار استراتيجي، وأهداف محددة، وعضوية واضحة».

وأضاف: «هذا المقترح يستهدف استباق أي ترتيبات أمنية إقليمية قد تُفرض من أطراف خارجية، خصوصاً في ظل تربص من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

ورجّح أن تلعب هذه الدول دوراً محورياً في استضافة مفاوضات دولية كبرى، مما يؤسس لمرحلة جديدة يتحول فيها التنسيق الرباعي لدور أكبر في صياغة مستقبل المنطقة؛ متوقعاً تحفظاً أميركياً تجاه أي تحالفات عربية إقليمية قوية، وتقبلاً نسبياً من طهران. واستدرك: «لكن هذا يحتاج إلى عودة الوزراء لعواصمهم لحسم ذلك الخيار».

استمرار التنسيق الرباعي

وعقب اجتماع القاهرة، أصدر وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان بياناً مشتركاً أكدوا فيه أنه «أتاح فرصة لتبادل وجهات النظر بشكل معمق حول التطورات الإقليمية والدولية، وأعاد التأكيد على أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعماً للسلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة ككل».

وأفاد البيان بأنه «تم التأكيد بشكل خاص على أهمية التوصل السريع والناجح إلى ختام المرحلة اللاحقة من المفاوضات، التي تهدف إلى الوصول إلى حل دائم وقابل للتحقق ومقبول من جميع الأطراف بشأن القضايا العالقة».

جانب من اجتماع وزراء خارجية الأطراف الإقليمية الأربعة السعودية ومصر وباكستان وتركيا (الخارجية المصرية)

وشدّد الوزراء على أن «هذه الجهود ينبغي أن تأخذ في الاعتبار شواغل دول المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بأمن واستقرار الدول العربية الخليجية، وكذلك منطقة المشرق العربي، بما يسهم في تعزيز الأمن الجماعي وترسيخ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل».

وأكد فهمي أن التنسيق الرباعي لعب دوراً واضحاً في تهدئة التوترات عقب اندلاع حرب إيران، ويمكن البناء عليه الفترة المقبلة، ويتفق معه الشوبكي في أهمية استمرار هذا التنسيق الرباعي الذي نجح في وقف حرب إيران، مشدداً على أن قوة هذا التنسيق تكمن في امتلاك دوله علاقات قوية ومتوازنة مع مختلف الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية، بما يمنحه قدرة أكبر على المناورة والتأثير إذا ما تبنى رؤية واضحة ومحددة مع مختلف التحديات.


التفاهمات الأميركية - الإيرانية تختبر مصير النفوذ الحوثي

التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)
التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)
TT

التفاهمات الأميركية - الإيرانية تختبر مصير النفوذ الحوثي

التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)
التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)

فتحت التفاهمات الأميركية - الإيرانية الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمة ذلك الجماعة الحوثية في اليمن التي تمثل آخر أوراق طهران القوية في العالم العربي بعد الضربات وتضييق الخناق على حلفائها في ساحات أخرى.

ومثلت الجماعة الحوثية طوال السنوات الماضية إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، غير أن مساعي طهران لتثبيت تفاهمات طويلة الأمد مع واشنطن وتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، قد يلزمها بوقف أشكال الدعم العسكري أو ضبط سلوك الجماعة، خصوصاً في البحر الأحمر.

ولم تعد الجماعة الحوثية مجرد وكيل إيراني تقليدي، بل تحولت إلى قوة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية خاصة بها داخل اليمن، ما يمنحها هامشاً كبيراً من الاستقلالية، حتى وإن تأثرت قدراتها العسكرية النوعية.

ويصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران بـ«الاتفاقات الهشة» التي تقتصر على إدارة الأزمات لا حلها المستدام، محذراً من تجاوز ملف أذرع إيران العابرة للحدود وفي مقدمتها جماعة الحوثي، كما نقلت عنه وسائل الإعلام الحكومية.

سعي حوثي من أجل الحصول على اعتراف بالجماعة دون التنازل عن سيطرتها وسلاحها (رويترز)

ويرى، إسلام المنسي، الباحث المصري في الشأن الإيراني أن من الصعب على إيران أن تتخلى عن أي ساحة من ساحات نفوذها أو أحد وكلائها في المنطقة، ولديها وسائل للتلاعب بشكل علاقتها معهم، وإعادة صياغة أدوارهم، مثل التظاهر بتحولهم إلى أحزاب سياسية، بما في ذلك الجماعة الحوثية.

ويشير المنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التفاهم الأميركي الإيراني لم يتضمن مصير نفوذ طهران الإقليمي وأذرعها العسكرية؛ لإصرار طهران على تركيز المفاوضات حول مضيق هرمز، وتأجيل الملفات النووية والصاروخية والوكلاء إلى فترة الستين يوماً، المحددة بوصفها مهلة للتوصل إلى اتفاق سلام، ورغم عدم حسم خلاف الملاحة تماماً، ستصطدم واشنطن برغبة إيران في تمديد التفاهمات دون المساس بملف وكلائها.

وتبعاً لذلك، ستقاتل إيران تفاوضياً للحفاظ على حد أدنى من نفوذ أذرعها، مفضلةً تجميد أدوارها مؤقتاً بدل حلها، ويتضح ذلك من إلزام فصائل العراق بالانحناء للعاصفة وتحجيم أنشطتها، وتوجيه الحوثيين للتهدئة، مع التمسك بـ«حزب الله» اللبناني.

الجماعة الحوثية مستمرة في حشد وتجنيد المقاتلين في مناطق سيطرتها (رويترز)

وحول نفوذها في اليمن، حيث دائماً ما ينفي كل من إيران والحوثيين، وجود علاقة عضوية بينهما، سيجري التلاعب بشكل الدعم والعلاقة ومصادر التمويل، الذي لا يتم أساساً بالطرق الرسمية التي يمكن مراقبتها.

تمسك إيراني بالحوثي

كان العليمي نبّه إلى أن اليمنيين ينظرون إلى التحدي الإيراني من زاوية أوسع من الملف النووي، وإلى أن احتواء الأزمات دون معالجة مسبباتها ينتج حلولاً هشة وغير قادرة على تحقيق سلام مستدام، لأن الاستقرار يبدأ باحترام سيادة الدول.

ويتوقع فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، أن إيران حصلت على مكسب مهم حتى الآن، يتمثل بعدم حسم ملف نفوذها وأذرعها في المنطقة، ما يعني استمرارها في تقديم الدعم لها، خصوصاً الجماعة الحوثية، التي ترى فيها أفضل تعويض عن خسائر نفوذها في لبنان بعد استهداف «حزب الله»، وتضييق الخناق على الوكلاء في العراق.

وحسب حديث البيل لـ«الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تتمتع بميزات كثيرة عن غيرها من الأذرع، مثل المساحة الجغرافية الواسعة التي تسيطر عليها، والتسليح النوعي الذي تمتلكه، والقدرة الكبيرة على المناورة وكسب الوقت، وعدم وقوعها تحت ضغط عسكري كبير، ما يجعل الرهان الإيراني عليها كبيراً إلى درجة دفعها للعب دور شبيه بدور «حزب الله» اللبناني سابقاً.

رغم ضجيجهم المرتفع تجنب الحوثيون الانخراط العسكري الواسع إلى جانب إيران (رويترز)

ويتوقع أن تراهن الجماعة الحوثية على أن التفاهمات الأميركية الإيرانية توفر لها الحماية من أي استهداف سياسي أو عسكري، ويمنحها بالتالي رغبة أكبر في التعنت ورفض تقديم التنازلات، خصوصاً وأنه لم يجرِ استهدافها خلال فترة الحرب الأخيرة.

وبعد أن كانت الجماعة بدأت بتقديم إشارات على استعدادها للانخراط في مفاوضات للسلام، ومن مؤشرات ذلك الوصول إلى اتفاقات مع الحكومة الشرعية في ملفات مثل ملف الأسرى، فإنها الآن تمتلك الفرصة للعودة إلى المربع السابق.

شكل الدولة على المحك

لا يبدي الحوثيون أي نوايا لإنهاء سيطرتهم العسكرية والأمنية أو تسليم السلاح، وتتركز طلباتهم في الاعتراف بسلطتهم كأمر واقع وشريك رئيسي في الحكم، وهو ما يضع أي مفاوضات سلام أمام تساؤل جوهري: هل تقدِّم الدولة تنازلاً للقبول بالجماعة كجزء منها أم يعاد صياغة شكلها؟

أنصار الحوثيين في تجمع لهم وسط صنعاء لمساندة إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل (أ.ب)

ووفقاً للكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد عباس، فإن الملف اليمني يظل بمثابة مساحة غامضة في التفاهمات الأميركية الإيرانية، رغم أنه يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً جراء تشابك أبعاده الإقليمية بالتناقضات المحلية شديدة التعقيد.

ويذهب عباس في تحليل أفضى به لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن عزل مستقبل الجماعة الحوثية عن رغبة الأطراف الدولية والإقليمية في تثبيت مسار سياسي مستدام، فالسيناريو الأقرب يتمثل بدفعها نحو التأقلم وإجبارها على متطلبات الاستقرار الإقليمي الجديد، وتنشيط العملية السياسية في اليمن برعاية أممية.

وينوه إلى أن السياسة الإيرانية التي قامت على البراغماتية، ترى في الحوثيين ورقة ضغط استراتيجية ذات تكلفة منخفضة وعوائد سياسية عالية، مستبعداً تخليها عن هذا النفوذ، إلا إذا كان الاتفاق يفرض عليها بالضرورة وقف تزويدهم بالتقنيات العسكرية المتقدمة، وتخفيف حدة التصعيد على جبهات البحر الأحمر وباب المندب.

ويحذر عباس من سلوك قد تلجأ إليه الجماعة في الداخل اليمني بتجميد الجبهات العسكرية الخارجية والحفاظ على حالة اللاحرب واللاسلم مع الحكومة الشرعية، والتركيز على استثمار مكاسب الاتفاق الاقتصادية.

مخاوف يمنية من تفاهمات مع الحوثيين لوقف هجماتهم الخارجية والاعتراف لهم بدور داخلي (أ.ف.ب)

ولا تختلف طبيعة الجماعة الحوثية عن كثير من الحركات المسلحة التي قد تدخل في العملية السياسية دون التخلي الكامل عن قوتها العسكرية، ما يضع اليمنيين في حالة خوف وشكّ من احتمال تكرار هذا الأمر مع الحوثيين.

وتتراوح خيارات التفاهمات الأميركية الإيرانية بشأن نفوذ طهران الإقليمي، حسب تحليل أورده فياض النعمان، وكيل وزارة الإعلام اليمنية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بين أربعة سيناريوهات رئيسية، يطرح الأول تقليص دعم الميليشيات لتحويلها إلى قوى سياسية محلية، بينما يقترح الثاني وقف الهجمات ضد المصالح الأميركية والملاحة الدولية مع الإبقاء على هيكلية النفوذ القائم.

وبينما يبدو تفكيك واشنطن للشبكة العسكرية الإيرانية تدريجياً مقابل ضمانات اقتصادية، هو السيناريو الثالث الأكثر تعقيداً؛ لعدّ «الحرس الثوري» هذه الأذرع خط دفاعه الأول، فإن السيناريو الرابع، يتمثل برفض حكومات المنطقة وواشنطن لأي اتفاق يُبقي على السلاح والأذرع، مما يجعل تقليص النفوذ شرطاً أساسياً لنجاح أي تفاهم طويل الأمد، وإلا تحول الاتفاق إلى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار إقليمياً.

وكان زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، تحدث قبل أيام عن الجاهزية للتعامل مع أي تطورات أو تصعيد عسكري قد تشهده المنطقة أو محاولات لاستهداف أي ساحة من ساحات ما سماه «محور المقاومة» بقيادة إيران.