القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ
TT

القراءة في زمن «كورونا» 1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

القراءة في زمن «كورونا»  1 -2: كتاب خليجيون: قراءات عن الجائحة وسير وفكر وفلسفة... وعودة للتاريخ

وفرت جائحة «كورونا»، كما يبدو، الوقت «القسري» للتفرغ للقراءة، وسط قبضة عزلة إجبارية، وهلع من الوباء وتداعياته الكارثية، فجاءت القراءات، وإن غالباَ بشكل غير مباشر، حاملة بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، روايات نفضت عن نفسها غبار التاريخ لتحيا من جديد وكأنها كتبت في هذه اللحظات الاستثنائية من تاريخها الإنساني.
ماذا قرأ الشعراء والروائيون والنقاد والمثقفون العرب في مثل هذا المناخ؟ هل وفر لهم فرصة للقراءة الحقيقية، أم كانت هذه القراءة وسيلة للهروب من العزلة والضجر والملل والاكتئاب، ومن حياة لاهثة ومضطربة ممهورة بوشم الخوف على شتى المستويات؟
في قبضة عزلة إجبارية، لم يختاروها، وهلع من جائحة كورونا (كوفيد - 19) وتداعياتها الكارثية، ماذا قرأ الأدباء والشعراء والمثقفون المصريون؟ هل وفر لهم هذا المناخ فرصة للإبداع؟ أم أصابتهم العزلة بالضجر والملل والاكتئاب، خصوصاً أنها أصبحت تحكم نظرتهم لأنفسهم، ووجودهم في حياة لاهثة ومضطربة على شتى المستويات؟

وفرت جائحة «كورونا» كما يبدو الوقت القسري للتفرغ للكتابة، ولكنه أيضاً طبع المزاج بلونه المتشائم، فجاءت القراءات تحمل بصمات الوباء شكلاً وروحاً ومعنى... «فلسفة الموت»، وروايات «الطاعون»، و«الحب في زمن الكوليرا»، نفضت الغبار عن نفسها وعادت بين الأيدي من جديد.
هو عام ممهور بوشم الخوف... حتى القراءة غاصت في لجج المأساة.

القاص والروائي السعودي جبير المليحان:
«حرب نهاية العالم»

نادراً ما تختار سجنك بنفسك؛ وهذا ما فرضته عليّ كورونا!
بتعمد بقيت في البيت بعيداً عن مخالطة الآخرين «خوفاً» من وحش هذا الوباء. وقد وجدت فائضاً كبيراً من الوقت لم أتعوده في حياتي التي لا تخلو من الضجيج. ولذلك فالخيار الأفضل هو القراءة والكتابة؛ شيئان أحبهما، وأزعم إتقان ممارستهما. وجدت لدي كماً هائلاً، وكنوزاً من الكتب التي اقتنيتها طوال الأيام ولم أتمكن من قراءتها (لضيق الوقت!)، وأولها سلسلة روايات الرائع الإسباني كارلوس رويث زافون «مقبرة الكتب المنسية» والمؤلفة من أربع روايات تُشكّل تيمة أدبية أساسية، ترتبط ببعضها عبر الشخصيات والمواضيع المتعددة، غير أن كل رواية منها مستقلة عن الأخرى ومنفردة بذاتها.
ثم انتقلت إلى جاره العظيم المبدع جوزيه ساراماجو، ورواياته المدهشة «العمى» و«انقطاعات الموت» و«قايين» و«الطوف الحجري» و«الذكريات الصغيرة» و«مسيرة الفيل»، وبقية رواياته الغريبة والمدهشة حتى مع كآبة بعضها. وكنت قد قرأت بعضاً من روايات الكاتب الكبير البيروفي ماريو باراغاس يوسا كرواية «حفلة التيس»، ورواية «البيت الأخضر» ورواية «العمّة جوليا»، لكني توقفت طويلاً أمام ملحمته الرائعة «حرب نهاية العالم» وترجمتها الجيدة لأمجد حسين. هذه الرواية بحجمها الكبير وعدد صفحاتها التي تناهز 715 صفحة، وبخط صغير؛ فريدة من نوعها، وهي من الكتب التي تستمتع بقراءتها وتبقى في ذاكرتك وقتاً طويلاً كرواية «مائة عام من العزلة» لماركيز مثلاً.
تحكي رواية «حرب نهاية العالم» قصة حرب برازيلية. غير أنها يمكن أن تحكي عن أي حرب أخرى، حتى الحروب الحالية التي تتناحر فيها قوة العقل مع خرافة المعتقد. تتحدث الرواية - زمنياً - عن السنوات الأخيرة في القرن التاسع عشر، حيث أطاح انقلاب جمهوري بملكية براغانسا.
وجاء «المرشد» أو المسيح المعاصر مبعوث العناية الإلهية لخلاص البشر قبل حلول نهاية العالم عام 1900.
هذا المرشد لا يميزه غير وشاحه أرجواني اللون، وكاريزماه الطاغية في أوساط المعدمين والفقراء والمجرمين والفارين من السجون والعبيد والمضطهدين والمفلسين. لقد جاء لينقذهم من المؤامرة الماسونية البروتستانتينية الكافرة المعادية لله التي ستقر النظام المتري وفصل الدين عن الدولة. تستمر الرواية بتعدد شخصياتها، ووصفها الدقيق بأسلوب سلس كأنك تعيش تفاصيل الحدث.
الروائية والكاتبة السعودية
أميمة الخميس: «واستقرت بها النوى»

لأنه في 2020 حدث الذي لم يحدث، فنحن أيضاً قرأنا الكتب المقصاة المهملة التي كنا نعد أنفسنا يوم ما بأننا سنطالعها، ولا ندري متى وكيف؟ ويبدو أن تسعة أشهر من لزوم المنزل، جعلتنا نذهب إلى لزوم ما لا يلزم فوق الأرفف، نلطف بها نظرات التأنيب والتقريع من الكتب المؤجلة في أرجاء المكتبة.
منها الكتاب الضخم «تاريخ القرآن» للمستشرق نولدكه ولم يضف لي جديداً على مستوى الأطروحات الاستشراقية، وأيضاً المجلد الضخم لكتاب «المركزيات الثقافية» لإبراهيم عبد الله، وهو كتاب ثري في نقد الأفكار العقدية والعرقية والثقافية، التي تتبلور عبرها المركزيات الحضارية، وكتاب صادق جلال العظم «ما بعد ذهنية التحريم»، فوجدته امتداداً لكتابه السابق «ذهنية التحريم».
ويندرج في نطاق الموسوعات كتاب «موسوعة العاقل» الذي قدم فيه الكاتب يوفال هراري تاريخاً مختصراً للنوع البشري، هذا الكتاب الذي ترجم لعشرات اللغات، ووزعت منه ملايين النسخ، يصنف من باب الكتب العلمية الشعبوية Popular science، لكن القارئ لا يفتقد المتعة والدهشة في أي صفحة من صفحاته.
وباقي مطالعاتي تتصل بنادي كتاب أشاركه مع مجموعة من الصديقات، ومن خلاله نقرأ معاً 24 كتاباً سنوياً بمعدل كتابين بالشهر ونناقشها معاً. سأشير إلى أبرز الكتب في قائمة هذا الموسم الذي أعتقد تتصدره «رباعية نابولي» للروائية الإيطالية إيلينا فيرنتي، وهي باعتقادي من أروع الروايات الحديثة التي تقدم منظوراً نسوياً ذكياً وشفافاً ومختلفاً في تفسير هذا العالم.
أيضاً تأتي رواية (قد تكون أقرب للسيرة الذاتية) «أن تقرأ لوليتا في رمضان» للكاتبة آذر نفيسي بمحتوى ثري لتجربة أكاديمية ابنة لعائلة مستنيرة في إيران، تعرضت لبطش نظام لاهوتي ثيوقراطي.
أما كتاب كارل بوب «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، رغم أنه صدر عام 1945 ما زال مدهشاً بالنسبة لي، فكاتبه كارل بوبر يصنف كآخر فلاسفة التنوير، ويرفض في كتابه النزعات الشمولية التاريخانية التي تكبل إرادة الفرد، فهو الموازي الفلسفي للروائي جورج أورويل.
وأنهيت هذا العام بسيرة د. حمزة المزيني «واستقرت بها النوى»، المدهش والممتع معاً، فمن خلال الخاص ننتقل إلى العام، وننظر برؤية بانورامية، كيف تبلورت الهوية الجمعية الوطنية، عبر كثير من النضالات والتضحيات والولاء والحب الذي رتق الشتات وأسهم في تأسيس معالم الدولة المدنية الحديثة.

الكاتبة السعودية رجاء البوعلي:
بين «الطاعون» و«فلسفة الموت»!

بدأ عام 2020 بارداً عليّ بعد رحيل والدي على حِين غرَّة في نهاية 2019، الحدث الذي أعادني بقوة إلى زاوية القراءة من ثلاثة مسارات: أدبية وفكرية وشيء من الفلسفة. فقد قطعت وعداً داخلياً أن يكون عملي الآتي مجموعة قصصية، أوثق فيها لحظات حاسمة عبر السرد؛ ليبقى شاهداً على حياة الإنسان ودهشته الصارخة في لحظات وجودية عظيمة كالموت. فبدأت قراءاتي حول فلسفة الموت والعالم الآخر، جاء ذلك عبر قراءة لبعض آراء الفلاسفة والعلماء مثل: أفلاطون، وديكارت، وهاسكر، وإيريك لنبرغ، ودوركين، وكيكغور، وفتغنشتاين ومعتقدات بعض الديانات كالهندوسية والبوذية والإسلام، كذلك الروايات التي عالجت تلك القضية بموضوعية غير مسبوقة كـ«انقطاعات الموت» للروائي البرتغالي جوزيه سارماغوا.
أدبياً، احتلت الروايات والدواوين الشعرية النصيب الأكبر من قراءاتي لهذا العام، فمن عاداتي مجاراة الحدث المعاصر بقراءة ما يقابله في الكتب حتى لو تطلب الأمر تكرار القراءة، هكذا رافقتني «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، تؤازرني طيلة فترة الحجر الذي صارعناه مُثقلاً من شهر مارس (آذار)، أقارب بها يوميات «كوفيد - 19»، كما تقدمت قراءاتي للمجموعات القصصية المترجمة تحديداً مثل «الضفة الثالثة للنهر»، وهي قصص مترجمة من أميركا اللاتينية وغيرها من الأعمال السردية المنوعة لستيفان زفايغ، وهرمان هيسه، ولويجي بيرانديللو، وذلك لتدريب مهاراتي السردية القصصية - تحديداً - لعلها تُسفر عن قصص قصيرة مقبلة في الطريق.
فكرياً، عُدت إلى الكتب النقدية والفكرية بشكل انتقائي جداً، كالذي يخطو بحذر على أطراف شاطئ يدرك جيداً مدى غزارته، فصاحبت سعيد ناشيد ببعض كتبه، وإيزايا برلين في «الحرية»، وميشيل فوكو في «تاريخ الجنسانية»، والدكتور عبد الجبار الرفاعي.

الشاعر السعودي إبراهيم زولي:
«رسائل إلى ميلينا»

ما من شك في أن المحصول القرائي في عام 2020 م كان وفيراً، ولا يمكن مضاهاته، إلا ما ندر، بسنوات خلت، والمؤكد أن جائحة «كوفيد - 19» كان لها الفضل في ذلك، إن كان ثمة من فضائل للأوبئة. وما يميز هذا العام، أقله من تجربتي الخاصة، أنه قدم اقتراحات قرائية مغايرة، وليست ورقية فقط، كالكتاب الصوتي الذي بات خياراً مطروحاً في زمن ضجيج الميديا، والأجهزة الذكية، وغياب معارض الكتب، وكذلك المؤلفات التي لا يمكن لك الحصول عليها، لسبب أو لآخر، إلا بصيغة «بي دي إف».
وكما كان الوباء يصيب ملايين سكان المعمورة، كانت حجراتنا في الوقت عينه تضج بجثث المؤلفين ومداد كلماتهم، وهم يستدرجوننا لغواية تصفح آثارهم صباح مساء.
من الكتب التي قرأتها كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» الذي دوّن فيه الضابط البريطاني لورنس العرب تجربته السياسية عقب سقوط الدولة العثمانية، وظهور القومية العربية. وقرأت للتشيكي فرانز كافكا (1883 - 1924) كتابه «رسائل إلى ميلينا» هذا الكتاب مفارق في لغته وفانتازيته التي طبعت روائعه السردية كالمسخ والمحاكمة. في هذا الكتاب، كثير من التقشف اللغوي، والبلاغة التي تتمظهر في حدودها الدنيا، مثلما فعل رامبو في رسائله إلى أخته إيزابيل. وكان لكتاب «أبناء الأيام» لعبقري أوروغواي إدواردو غاليانو، وقت فيه من المتعة والدهشة الشيء الكثير، لا سيما أن العمل ترجمة صالح علماني، والكتاب له معمار فني يختلف عن روائعه الأخرى كأفواه الزمن، وذاكرة النار، والشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية، فهو موزع على اثني عشر فصلاً بعدد شهور السنة، وكل فصل بعدد أيام الشهر ويسرد في كل يوم حكاية.
من الكتب التي أحرص ما استطعت على قراءتها، كتب السير الذاتية، وكان أن وقع بين يدي كتاب «تربية سلامة موسى» لواحد من من أهم رواد التنوير والعقلانية في القرن العشرين، سلامة موسى (1887 - 1958م).
اللافت أن للشاعر والمترجم العراقي عبد القادر الجنابي كتاباً يحمل الاسم نفسه «تربية عبد القادر الجنابي»، وهو سيرة ذاتية أيضاً.
وكانت لكتب الرحلات وقفة مع «رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة»، وتعد من أهم الرحلات في العصور الوسطى، وكانت بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 921م، التي وصلت إلى نهر الفولقا، ويقال إن أقدم وصف لروسيا كان من خلال هذه الرحلة. العمل ملحمة سردية بامتياز، ومحاولة لجر المخيلة إلى أقصاها.
ومن بين الكتب التي استمتعت بها كتاب «ملوك العرب» للمفكر والرحالة متعدد المواهب أمين الريحاني. زار المؤلف في الفترة بين عامي 1922 و1924م، الحجاز ونجد واليمن والبحرين والكويت والعراق، وقدم وصفاً دقيقاً لحياة الناس وطرق عيشهم ولبسهم، والعمران ووسائل النقل، ما يجعل العمل وثيقة مهمة وشهادة على حقبة من تاريخ الجزيرة العربية.

الروائي والقاص السعودي ماجد سليمان: «أساطير من قلب جزيرة العرب»

هناك كتب لا يتوقف عطاؤها بالأعوام الفاصلة بيننا وبين ولادتها، أو بموت أصحابها، فهي تكشف لنا جديداً لم نره في قراءة أولى أو ثانية، سخاء مادتها، وجودة أفكار أصحابها، وتجويدهم في تنظيمها وتبويبها، والسهر والتعب الذي بُذل في كتابتها جليٌّ في سطورها التي تضيء على أمد لا ينقطع.
كل عام أضع جدولاً لقراءة الجديد، وإعادة قراءة ما قرأتُ سلفاً، فالقراءة الواحدة لا تكفي لكتاب جذب النفس إليه، وأضحك السن أو أبكى العين، فكَرَّة واحدة لا تفي وتبني حين ننقل ما أَنِسْنَاهُ لأصدقاء وزملاء، فهناك كتب تشبه رفاق العمر، يسيرون معك حتى النهاية، لا تملهم، ولا تستغني عنهم، كذلك بعض الكتب، تشعر أنها رفيقة عمر، وأنيسة طريق، يصقلها الزمن دائماً لتبقى جديدة.
«أساطير من قلب جزيرة العرب»، رائعة الأديب السعودي عبد الكريم الجهيمان، رحمه الله، قرأتها في زمن مضى، وأعدت قراءتها قبل أشهر، وها أنا أعيد قراءتها مع دخول فصل الشتاء، الذي يُغرينا لقراءة هذا الشكل من الكتب الموزعة على أجزاء. أساطير وقصص وحكايات، بأساليب تميز بها أدبنا الشعبي، أحرق الجهيمان رحمه الله عمراً ليضيء لنا هذا القبس الطويل العريض من السرديات التي انفجرت ينابيعها من عُمقِ الأرض النجدية السخية بكل فتنة، وبرع في رسم ملامح نجد المغرية على شخوص تلك المرويات التي أوجدتها ذاكرة مجتمع قلب الجزيرة العربية، وأخذت تنسج تباعاً حتى عرفت طريقها من الرواية الشفهية إلى التدوين، الذي أغنى به الجهيمان مكتبتنا الأدبية والشعبية.
في هذه الموسوعة، ترى كيف كان يفكر الأوائل، وكيف يحلمون، وكيف يخيطون الأماني لمقبل الزمن، وكيف يَتجاوزون عثراتهم وخيباتهم، ففي هذه الأساطير رأينا حال مجتمعات سبقتنا، جُلهم أهلنا وأجدادنا، ولمسنا أحلامهم في سرد بسيط إلا أنه مغرٍ وثري، وكأنها تُنَبِّهُ المعاصرين أن الحياة لا تحتمل كثيراً من الجدية والشدة.
هذه الموسوعة الشعبية، عمل غير مسبوق في أدبنا المحلي، وفكرة غير مطروقة، وما جاء بعدها، تقليد لها، أو فرع منها، وكما قال المثل الشعبي: الأوَّلات الرّوابح.

الشاعر السعودي علي النحوي:
«لماذا تركت الحصان وحيداً؟»

في خضم اهتمامي الإبداعي كرست قراءاتي هذا العام في الشعر والرواية فعدت لقراءة عدد من الدواوين الشعرية، ولعل أهمها دواوين محمود درويش مثل «لماذا تركت الحصان وحيداً؟»، و«كزهر اللوز أو أبعد»، وديوانا أدونيس «تنبأ أيها الأعمى»، و«أول الجسد آخر البحر»، وبعض الأعمال الشعرية المترجمة كأعمال رامبو.
أما في مجال الرواية فقد قرأت للروائية لينا هويا الحسن «بنات نعش»، و«نازك خانم»، وما شدني لهذه الروائية هو لغتها الشعرية واهتمامها بالصحراء السورية خاصة. ثم كانت لي قراءات فكرية وفلسفية مختلفة أتذكر منها كتاب «العقلانية والمعنوية» لمصطفى مالكيان، وكتاب «الماء والأحلام» لباشلار، وغيرهما من الكتب التي تشكل رصيداً معرفياً يضاف للرصيد الأدبي والفني.

الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي: رب ضارة نافعة

في بدايات كورونا كانت القراءة مرتجلة متوترة بفعل الوتيرة الجديدة للمرض الذي أرعب العالم، صففت ما اقتنيت من أعمال لم أقرأها من قبل وشرعت بها، لكن مع تسارع الإغلاق وجدت نفسي متقيداً بخطة بدأت عفوية. عدت أقف وأناظر أرفف مكتبتي، ألزمت نفسي بقراءة الكلاسيكيات أو إعادة قراءة ما سبقت لي قراءته منها في زمن بعيد.
عدت لـ«الحوت الأبيض» موبي ديك الذي يطارده القبطان إيهاب مطاردة أسطورية لا تنسى.
«الحرب والسلم» في زمن نابليون كما فسّرها تولستوي والخراب الذي نال موسكو بسببها، آنا كارنينا ماتت مجدداً تحت عجلات القطار، دون كيخوته بترجمة رفعت عطفة يرافق سانشو يطارد أوهاماً صنعتها القراءة في عقله. وعلى السياق نفسه كانت قراءة لأعمال كاملة لكاتب مثل: غابرييل غارسيا ماركيز فقرأت «مائة عام من العزلة»، و«الحب في زمن الكوليرا»، و«قصة موت معلن» التي أراها تختزل أغلب جمال السرد عند ماركيز.
وبعده كان ماريو فارغاس يوسا؛ «قصة مايتا»، «ليتوما في جبال الإنديز»، وملحمته الكبرى «حرب نهاية العالم» التي ماثلت حروبها في الوصف الدقيق والساحر ليوسا ليضعها في مصاف حرب نابليون، رغم شهرة الأخيرة وتواضع حرب كانودوس في البرازيل نهاية القرن التاسع عشر.
تخلل تلك الأسماء روايات حامت مواضيعها حول الأوبئة؛ مثل «العمى» لساراماغو قراءة ثالثة أو رابعة، لكنها كانت جديدة تحت وطأة طاعون العصر المسمى «كورونا» أو «كوفيد - 19»، أتبعتها بطاعون ألبير كامو، وفي كلتا الروايتين كنت متعجباً من تماثل البشر في كل زمان ومكان.
هنالك بعض العناوين الأخرى من الروايات التي قرأت. لكن عندما رأيت الوقت يطول ويطول مع الإغلاق الذي أصاب العالم، قررت الرجوع لكتب «التراث»، للجاحظ، الناثر الأحب لقلبي وعدت لـ«الحيوان»، و«البيان والتبيين»، ورسائله التي حققها عبد السلام هارون.
ورجعت للكتابات التاريخية التي تخص تاريخ الجزيرة العربية قديمها وحديثها، وعدت للشعر خصوصاً مختارات أدونيس التي أسماها ديوان الشعر العربي. لذلك أقول - وآسف على الإطالة: رب ضارة نافعة. بددتُ زمن كورونا بأكبر قدر من المتعة وسط الكتب والقراءة. وأتطلع مع تنهيدة كبيرة، لعام جديد تنتهي فيه «كورونا» أو نتخفف منها قليلاً، ثم أنتقل من القراءة عن الحياة في الكتب إلى ممارستها كما كنت سابقاً. في انتظار تلك اللحظة.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟